يُمثّل البرنامج الوطني للتنمية الصناعية والخدمات اللوجستية (NIDLP) أشمل جهود المملكة العربية السعودية لبناء اقتصاد صناعي عالمي المستوى يتجاوز الهيدروكربونات. أُطلق البرنامج في يناير 2019، ويجمع الطموحات الصناعية للمملكة في أربعة قطاعات متشابكة — التصنيع والتعدين والطاقة والخدمات اللوجستية — في برنامج استراتيجي واحد يُناط به تحويل المملكة العربية السعودية إلى مركز صناعي إقليمي وعالمي.
السياق الاستراتيجي
طالما عُرّف اقتصاد المملكة العربية السعودية بثروته من الهيدروكربونات. وبينما سيظل النفط والغاز مهمَّين لعقود قادمة، تُدرك رؤية 2030 أن الصمود الاقتصادي على المدى البعيد يستلزم قاعدة صناعية متنوعة قادرة على توليد التوظيف وعائدات التصدير والكفاءة التقنية بمعزل عن دورات السلع الأولية. والبرنامج هو المحرك الأساسي لتحقيق هذا التحول الهيكلي.
يُؤسّس البرنامج على المزايا الطبيعية للمملكة: الموارد الطاقوية الوفيرة التي توفر تكاليف مدخلات تنافسية للصناعات كثيفة الطاقة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي عند ملتقى ثلاث قارات، والسكان الشباب المتنامين المتاحين للعمل الصناعي، والثروات المعدنية الهائلة غير المستغلة عبر الدرع العربي.
الركائز الأربع
التصنيع
تستهدف أجندة التصنيع في البرنامج نقلةً نوعية في الإنتاج الصناعي للمملكة، متخطيةً المعالجة البتروكيماوية الأساسية نحو شرائح تصنيعية أعلى قيمة. وتشمل القطاعات ذات الأولوية: الكيماويات المتقدمة والمواد المتخصصة، وتجميع السيارات ومكوناتها، والمستحضرات الصيدلانية والأجهزة الطبية، ومعالجة الأغذية والأعمال الزراعية، ومواد البناء ومنتجات الإنشاء، والتصنيع الدفاعي والفضائي.
يدعم البرنامج نمو التصنيع عبر مزيج من الإصلاح التنظيمي وحوافز الاستثمار وتوفير الأراضي الصناعية ومتطلبات التوطين الموجّهة. وتضطلع الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) بدور محوري من خلال إدارة المدن الصناعية التي توفر البنية التحتية الجاهزة والمرافق وخدمات الدعم للمصنّعين.
وباتت اشتراطات المحتوى المحلي، المُدارة من خلال هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية (LCGPA)، أداةً بالغة الأهمية لدفع الاستثمار الصناعي. ويُوجد إلزام الجهات الحكومية والعقود الكبرى بحد أدنى من المحتوى السعودي طلباً مضموناً للبضائع المصنّعة محلياً.
التعدين
ظل قطاع التعدين في المملكة العربية السعودية تاريخياً أدنى مستوىً مما تُشير إليه الإمكانات الجيولوجية للمملكة. يحتوي الدرع العربي على رواسب ضخمة من الذهب والنحاس والزنك والفوسفات والبوكسيت والعناصر الأرضية النادرة، غير أن مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي ظلت هامشية قبل البرنامج.
قاد البرنامج إعادة تموضع جوهرية لـالتعدين بوصفه قطاعاً استراتيجياً. وأبرز التطورات: تحديث نظام الاستثمار التعديني الذي بسّط منح التراخيص وعزّز حماية المستثمرين، وإطلاق برنامج المسح الشامل لهيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وتوسع معادن (شركة التعدين العربية السعودية) في سلع جديدة ومراحل معالجة إضافية، وتطوير ممرات متكاملة للتعدين والمعالجة واللوجستيات، والتنقيب عن رواسب العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية لتُرسّخ موقع المملكة في سلاسل توريد مواد التحول الطاقوي.
والطموح أن يُصبح التعدين مساهماً ملحوظاً في الناتج المحلي الإجمالي، مستقطباً الاستثمار المحلي والأجنبي على نطاق واسع.
الطاقة
بينما تشمل ركيزة الطاقة في البرنامج الهيدروكربونات التقليدية، تتمحور أجندتها التحويلية حول التحول الطاقوي وتطوير سلاسل قيمة طاقوية جديدة. وتشمل مجالات التركيز الرئيسية: نشر الطاقة المتجددة — الشمسية والريحية — عبر البرنامج الوطني للطاقة المتجددة (NREP)، وإنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق مع تموضع المملكة قائدةً محتملة في تصدير الهيدروجين عالمياً، وكفاءة الطاقة في قطاعي الصناعة والمباني، وتطوير الطاقة النووية من خلال اتفاقيات التعاون، وتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS).
تقدّم البرنامج الوطني للطاقة المتجددة بوتيرة متسارعة، مع ترسية مشاريع شمسية وريحية ضخمة عبر مزادات تنافسية حققت تعريفات تنافسية على مستوى عالمي. ويهدف مشروع الهيدروجين الأخضر في نيوم، الذي طوّرته شركة أكوا باور بشراكة دولية، إلى إنتاج الأمونيا الخضراء على نطاق صناعي للأسواق التصديرية.
الخدمات اللوجستية
يمنح الموقع الجغرافي للمملكة العربية السعودية ميزةً طبيعيةً بوصفها مركزاً لوجستياً، غير أن البنية التحتية اللوجستية والبيئة التنظيمية للمملكة ظلّتا تاريخياً دون هذا الإمكان. تهدف ركيزة الخدمات اللوجستية في البرنامج إلى تحويل المملكة إلى منصة لوجستية من الدرجة الأولى تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتشمل المبادرات الرئيسية: توسيع ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالعزيز بالدمام وتحديثهما، وتطوير موانئ جديدة، ومشروع الجسر البري السعودي الرابط بين موانئ الساحلين الشرقي والغربي بالسكك الحديدية، وإنشاء مناطق لوجستية وموانئ داخلية جافة لتسهيل التوزيع البري، وتوسيع طاقة شحن السعودية وتطوير طاقة الشحن الجوي، وإصلاحات تنظيمية لتبسيط تخليص الجمارك وتقليص أوقات العبور، ومبادرة مركز السعودية للخدمات اللوجستية (SAL) في مطار الملك خالد الدولي.
يُشرف الجهاز العام للنقل والخدمات اللوجستية على قسط وافر من هذه الأجندة، ساعياً إلى تخفيض تكاليف الخدمات اللوجستية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي وتحسين تصنيف المملكة في مؤشر الأداء اللوجستي للبنك الدولي.
المناطق الاقتصادية الخاصة
تُعدّ إقامة المناطق الاقتصادية الخاصة (SEZs) سمةً بارزة في استراتيجية تنفيذ البرنامج، مُصمَّمةً لاستقطاب الاستثمار الأجنبي من خلال بيئات تنظيمية مصمّمة خصيصاً وحوافز ضريبية وإجراءات مبسّطة. وتشمل المناطق الأولى التي أُعلن عنها عام 2023: مناطق متخصصة في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، وإدارة الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، والتصنيع المتقدم، والتقنية الحيوية والمستحضرات الصيدلانية.
تُقدّم كل منطقة أُطراً تنظيمية مميزة قد تشمل معدلات ضريبة شركات تنافسية والتملك الأجنبي الكامل وأنظمة عمل مبسّطة وتيسير جمركي. ويُمثّل نموذج المنطقة الاقتصادية الخاصة خروجاً بشكل ملموس عن النهج التقليدي للمملكة، ويُعلن استعداد المملكة لإيجاد بيئات استثمارية تنافسية عالمياً.
الاستثمار وخلق الوظائف
أهداف البرنامج طموحة. يسعى إلى استقطاب مئات المليارات من الريالات في الاستثمار الصناعي، وإيجاد مئات الآلاف من وظائف جديدة، وزيادة الصادرات غير النفطية بصورة ملموسة، ورفع حصة قطاع التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي، وتعميق موقع المملكة في سلاسل القيمة الصناعية العالمية.
وملموس التقدم المُحرَز. فقد ارتفع الاستثمار الصناعي، وتأسّست مصانع جديدة، واتسع قطاع الخدمات اللوجستية. غير أن اتساع الطموح يعني أن جهوداً مستدامة طوال الجدول الزمني الكامل لرؤية 2030 وما بعده ستكون ضرورية.
التحديات
يواجه البرنامج عدة تحديات هيكلية. وتظل جاهزية القوى العاملة مصدر قلق، إذ تتطلب القطاعات الصناعية مهارات تقنية لا تزال تتنامى من خلال إصلاح التدريب المهني والتعليم. والمنافسة العالمية على الاستثمار الصناعي شديدة، ولا سيما من الدول التي تمتلك منظومات تصنيع راسخة. ويستلزم تطوير سلاسل الإمداد ليس استثمارات رائدة فحسب، بل نمو شبكات الموردين المحليين القادرة على دعم التصنيع المعقد. كما تفرض شُح المياه والقيود البيئية حدوداً على بعض الأنشطة الصناعية.
ويتوقف نجاح البرنامج إلى حد بعيد على التنسيق مع برامج تحقيق الرؤية الأخرى — ولا سيما برنامج تنمية القدرات البشرية لمهارات القوى العاملة، وبرنامج تطوير القطاع المالي للتمويل الصناعي، وبرنامج التخصيص لنقل الأصول الصناعية الحكومية.
الآفاق المستقبلية
يُشير مسار البرنامج نحو تعميق اندماج الصناعة السعودية في سلاسل القيمة العالمية، مع التركيز بصفة خاصة على القطاعات المتوافقة مع التحول الطاقوي والاقتصاد الرقمي والتصنيع المتقدم. ومن المرجح أن تُعطي المرحلة القادمة الأولوية لتوسيع نماذج المناطق الاقتصادية الخاصة الناجحة، وتسريع تطوير قطاع التعدين — لا سيما في المعادن الحيوية —، وتوسيع سلاسل قيمة الهيدروجين والطاقة المتجددة، وتعميق التوطين في قطاعات الدفاع والفضاء والتكنولوجيا، والاستفادة من موقع المملكة سوقاً بوابة لسلاسل الإمداد الصناعية الإقليمية.
التحول الصناعي الذي يتصوره البرنامج مشروع يمتد عبر الأجيال. فقد أرسى البرنامج الأسس الاستراتيجية وأطلق كثيراً من الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، غير أن التجسيد الكامل لهوية المملكة العربية السعودية قوةً صناعية متنوعة سيمتد إلى ما هو أبعد من الأفق الزمني لعام 2030.