يبدأ التحول الوطني في المملكة العربية السعودية ببرنامج التحول الوطني (NTP)، أول برامج تحقيق رؤية 2030 التي أُطلقت رسمياً. فقد أُعلن عنه في 6 يونيو 2016، أي بعد شهرين فحسب من إقرار مخطط رؤية 2030، وقد صُمّم ليكون الطبقة التأسيسية التي ستستند إليها جميع جهود الإصلاح اللاحقة. وتتسع ولايته لتشمل: تحويل القدرة المؤسسية للحكومة، والارتقاء بجودة الخدمات العامة، وخلق ظروف تنظيمية تُمكّن نمو القطاع الخاص، وإرساء آليات الإنجاز التي تُكفل المساءلة في كامل أجندة الإصلاح. وبعد عقد من الزمن، تطوّر البرنامج من خطة حكومية مشتركة أُعدّت بسرعة إلى النسيج الرابط الذي يجمع أكثر من اثني عشر برنامجاً متخصصاً من برامج تحقيق الرؤية، فيما تُسند بنيته التحتية للإنجاز كل ادعاء تطلقه المملكة تقريباً بشأن تقدّم الإصلاح.
ما هو برنامج التحول الوطني
برنامج التحول الوطني هو برنامج تحقيق الرؤية المشترك بين الجهات الحكومية، المُكلَّف ببناء القدرة المؤسسية والأُطر التنظيمية وآليات الإنجاز التي تستند إليها بقية محفظة رؤية 2030. وفي حين تُركّز معظم برامج تحقيق الرؤية على قطاع واحد أو موضوع محدد — كالمالية، أو الإسكان، أو الصناعة، أو السياحة، أو القدرات البشرية، أو جودة الحياة — فإن برنامج التحول الوطني يعمل أفقياً عبر الوزارات، حاملاً مسؤولية نظام تشغيل الحكومة ذاته. وقد أُسندت إليه 34 من الأهداف الاستراتيجية الـ96 في إطار رؤية 2030، أي ما يقارب 35 بالمئة من الإجمالي، ويشرف على أكثر من 300 مبادرة تُنفَّذ من خلال عشرات الجهات المشاركة.
ويُشرف على البرنامج مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وتحكمه لجنة مخصصة لبرنامج التحول الوطني، ويُنسَّق من خلال مكتب لإدارة البرنامج يتشابك مع مكتب تحقيق الرؤية ومكتب الإدارة الاستراتيجية في الديوان الملكي. ويقيس أداءه التشغيلي المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة المعروف بـ"أداء"، الذي يتابع 79 مؤشر أداء رئيسياً محلياً ودولياً عبر الجهات المشاركة. وهذا المزيج — ولاية سياسية، ومكتب إدارة برنامج مخصص، وقياس أداء مركزي — هو الابتكار الهيكلي الذي ميّز برنامج التحول الوطني عن خطط التنمية السعودية السابقة الممتدة جذورها إلى الخطط الخمسية في سبعينيات القرن الماضي.
الولاية الأصلية (إطلاق 2016)
حين كشف ولي العهد آنذاك الأمير محمد بن سلمان عن البرنامج في يونيو 2016، كان المنطق السياسي مباشراً. فقد أُقرّت رؤية 2030 في أواخر أبريل من العام نفسه، غير أن الوثيقة كانت متعمَّدة الصياغة بوصفها أفقاً استراتيجياً لا خطةً قابلة للتنفيذ. ومن دون أداة إنجاز، كانت الرؤية مهددة بأن تتحول إلى آخر إعلان كبير يُنتج بيانات صحفية أكثر مما يُنتج نتائج. كان البرنامج هو الجواب: برنامج متوسط الأمد مدته أربع سنوات يمتد من 2016 إلى 2020، يُترجم أهداف الرؤية الرفيعة إلى 543 مبادرة ملموسة موزّعة على 24 جهة حكومية، مع جهات مالكة معيّنة، وميزانيات، ومراحل تنفيذ، ومراجعات مساءلة ربعية.
وشملت الجهات الـ24 الأصلية وزارات الصحة، والتعليم، والعمل والتنمية الاجتماعية، والإسكان، والتجارة، والشؤون البلدية والقروية، والنقل، والاتصالات وتقنية المعلومات، والطاقة، والبيئة والمياه والزراعة، والحج والعمرة، والثقافة والإعلام، والخدمة المدنية، فضلاً عن الهيئة العامة للاستثمار، وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، وغيرها من الأجهزة. وحصلت كل جهة على مجموعة مفصّلة من الأهداف الاستراتيجية ومؤشرات الأداء والمبادرات، بإنفاق إجمالي يقارب 270 مليار ريال سعودي مرصوداً للسنوات الأربع الأولى للبرنامج.
وأكّدت الولاية الأصلية أربعة موضوعات تتكرر في كل وثيقة من وثائق برنامج التحول الوطني تقريباً: تحسين الكفاءة التشغيلية للحكومة، والارتقاء بجودة الخدمات المقدَّمة للمواطنين والشركات، وتهيئة ظروف جاذبة في سوق العمل، وتمكين القطاع الخاص من قيادة النمو الاقتصادي. وتحت هذه العناوين كانت أهداف متنوعة كتقليص أوقات إصدار السجل التجاري إلى النصف، ورفع مشاركة المرأة في القوى العاملة من نحو 17 بالمئة باتجاه 30 بالمئة، وزيادة الصادرات غير النفطية من 185 إلى 330 مليار ريال سعودي، وبلوغ مراتب الصدارة في معايير مرجعية كمؤشرات البنك الدولي لممارسة الأعمال ومسح الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية.
ولقد صيغ البرنامج بوصفه طبقة إنجاز لا استراتيجية. فالبرنامج لم يبتكر اتجاهات سياسات جديدة؛ بل أخذ طموحات الرؤية الاستراتيجية وفكّكها إلى مبادرات محدّدة زمنياً وقابلة للقياس. كما استورد عن وعي تقنيات وحدات الإنجاز التي ابتكرتها وحدة الإنجاز التابعة لرئيس الوزراء البريطاني في عهد توني بلير وكيّفتها وحدة إدارة الأداء والإنجاز الماليزية (PEMANDU)؛ فذراع القياس في برنامج التحول الوطني، “أداء”، صُمّم على نسق هذه السوابق مباشرة.
إعادة ضبط NTP 2.0
بحلول منتصف 2017 صار جلياً أن البرنامج الأصلي أُطلق بسرعة مفرطة وأنه يدفع ثمن ذلك. فقد طُوِّر البرنامج إلى حدٍّ بعيد قبل اكتمال صياغة رؤية 2030 ذاتها، وهو ما أنشأ ما وصفه المطّلعون بـ"الارتباط العكسي" — أي مبادرات صيغت بمعزل عن الإطار الاستراتيجي الذي يُفترض أن تخدمه. وكانت النتيجة تداخلاً مع برامج موازية، وازدواجية في المبادرات، ومؤشرات أداء لا تتصل اتصالاً سلساً بأهداف الرؤية، والتباساً حول الجهة المالكة لكل مُخرَج. كما خرجت عدة وزارات مهمة — الطاقة، والمالية، والإسكان — من تغطية برنامج التحول الوطني إذ انتقل عملها إلى VRP مستقلة.
واستجابةً لذلك، كلّفت الحكومة بإعادة تصميم شاملة. وامتدت ورش العمل خلال خريف 2017 بدعم استشاري سحب من المجمَع الاستشاري ذاته الذي أسهم في تأليف وثيقة الرؤية الأصلية. وأُعيد إطلاق البرنامج المُعاد تصميمه، المعروف على نطاق واسع باسم NTP 2.0، رسمياً في 2018 بحوكمة منقّحة، ومحفظة مبادرات مُبسّطة، ومؤشرات أداء أكثر حدة، وانسجام أوثق مع البنية الأوسع لـبرامج تحقيق الرؤية.
أدخل NTP 2.0 عدة تغييرات هيكلية شكّلت البرنامج منذ ذلك الحين. فقد أسقط البرنامج المنقّح المبادرات التي انتقلت إلى VRP متخصصة — إذ انتقلت الإصلاحات المالية بحسم إلى برنامج تحقيق التوازن المالي، وتوحّدت برامج عرض الإسكان تحت برنامج الإسكان. وأُعيد تنظيم المبادرات المتبقية حول الموضوعات لا الوزارات، مما أتاح تنسيق العمل المشترك على الحكومة الرقمية أو أسواق العمل تحت قيادة موحّدة. وامتدت الأهداف إلى ما بعد 2020، مع تحديد نقاط فحص وسيطة في 2025 و2030 لمواءمة دورة حياة البرنامج مع الرؤية ذاتها. وضاقت دائرة المساءلة: إذ صار لكل مبادرة مسؤول تنفيذي واحد بمستوى نائب وزير أو أعلى، وانتقلت مراجعات “أداء” الربعية من تعليق استشاري إلى بطاقات أداء ملزمة تتغذى منها مباشرةً تقييمات أداء الوزراء.
وكانت إعادة الضبط، في المحصلة، اللحظة التي انتقل فيها البرنامج من خطة سباق قصيرة إلى أداة إنجاز تتسع لمسافة طويلة. فقد استقرّ عدد المبادرات في حدود الـ300 لا في عدد الـ543 المُربك للمحفظة الأولى، وتوحّدت تعريفات مؤشرات الأداء عبر الوزارات، وبدأ البرنامج يعمل بوصفه طبقة دعم للـVRP القطاعية بدلاً من التنافس معها.
الوزارات المساهمة
يعمل البرنامج اليوم من خلال تحالف يضم أكثر من عشرين جهة حكومية، يُعدَّل تشكيله دورياً مع تحوّل أولويات السياسات والحدود المؤسسية. وأكثر المساهمين انتظاماً هم:
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية — إصلاحات سوق العمل، وبرامج السعودة، ومبادرات التنمية الاجتماعية، وتمكين القطاع غير الربحي.
- وزارة التجارة — إصلاح السجل التجاري، وإصلاح نظام الشركات، وتطوير حماية المستهلك، والبيئة التنظيمية للسوق الرقمية.
- وزارة الصحة — توسيع الرعاية الأولية، وبرنامج إصلاح نموذج الرعاية، وتجارب توحيد المستشفيات في كيانات تجارية، ومنصة صحتي الرقمية.
- وزارة التعليم — إصلاح المناهج، ورفع كفاءة المعلمين، وإطار الاعتماد المهني لما بعد الثانوية، ورقمنة خدمات الطلاب من خلال مدرستي ونور.
- وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان — خدمات بلدي البلدية، ومؤشرات الجودة الحضرية، ورقمنة تراخيص البناء، ومبادرات عرض الإسكان.
- وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات — سياسات الحكومة الرقمية، وتوسيع النطاق العريض، والإشراف على الهيئة السعودية للحكومة الرقمية التي تُشغّل كثيراً من مبادرات البرنامج الرقمية.
- وزارة الاستثمار — إصلاح ترخيص المستثمرين، وبرنامج المقرات الإقليمية، والبنية التحتية لتيسير الاستثمار الأجنبي المباشر.
- وزارة السياحة — تحرير التأشيرات، ودعم تطوير الوجهات، والبنية التحتية لبيانات السياحة.
- وزارة المالية — منصة اعتماد للمشتريات، وتطبيق الموازنة القائمة على الأداء، وتوحيد الخدمات المشتركة عبر الوزارات.
- وزارة الداخلية — منصة أبشر للهوية الرقمية، ورقمنة الأحوال المدنية، وأتمتة خدمات المرور.
- وزارة العدل — بوابة ناجز القضائية، وأنظمة إدارة القضايا الإلكترونية، وتدشين محاكم الإفلاس والتنفيذ.
وإلى جانب الوزارات، تُسهم جهات رئيسية تشمل الهيئة العامة للإحصاء، وهيئة السوق المالية، والبنك المركزي السعودي (ساما)، وهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك بمبادرات أو بتوفير البنية التحتية للبيانات التي تستند إليها مؤشرات أداء البرنامج. ويعمل البرنامج لا كخطة وزارة واحدة، بل بوصفه نسيجاً رابطاً عبر هذه المنظومة المؤسسية.
مؤشرات الأداء الرئيسية المُتتبَّعة
تُنشر مجموعة مؤشرات الأداء الرئيسية للبرنامج بصورة موجزة في تقارير سنوية متعاقبة، وتُتابَع بمستوى أدق من التفاصيل عبر “أداء”. وتنقسم المؤشرات الرئيسية إلى سبع مجموعات:
- كفاءة الحكومة — مؤشرات رضا المواطنين، ومتوسط أوقات معالجة الخدمات عالية الحجم، وحصة الخدمات المتاحة رقمياً من البداية إلى النهاية، ومرتبة المملكة في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية.
- البيئة التنظيمية — التصنيفات الفرعية للبنك الدولي في مؤشر ممارسة الأعمال (حتى توقّف ذلك المعيار)، ومؤشر معهد IMD للتنافسية العالمية، ووقت وكلفة بدء النشاط التجاري، وحجم الإصلاحات التشريعية والتنظيمية المُقرّة.
- سوق العمل — معدل البطالة بين السعوديين، ومشاركة المرأة في القوى العاملة، وحصة السعوديين من العمالة في القطاع الخاص، وبطالة الشباب.
- مساهمة القطاع الخاص — نمو الناتج المحلي غير النفطي، ومساهمة القطاع الخاص في الناتج، وحصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الناتج، والصادرات غير النفطية.
- الاستثمار — تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة، ورخص المقرات الإقليمية الصادرة، والإنفاق الرأسمالي ضمن برنامج “شريك”.
- جودة الحياة — معدلات تملّك المسكن، ومؤشرات جودة الهواء الحضري، ومعدلات المشاركة الرياضية، ومساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي.
- البنية التحتية الرقمية — انتشار النطاق العريض الثابت والمتنقل، ومتوسط سرعات الإنترنت، ومؤشرات المهارات الرقمية، وتصنيفات الجاهزية السيبرانية.
ويحمل كثير من هذه المؤشرات أهدافاً وسيطة لعام 2025 وأهدافاً نهائية لعام 2030، مع مراجعة ربعية للتقدم على مستوى لجنة برنامج التحول الوطني، وتجميعها في تقارير سنوية. وأفصح أحدث تقرير سنوي لرؤية 2030 يغطّي عام 2024 أن من أصل 374 مؤشر أداء من المستوى الثالث في محفظة الرؤية، تحقّق 299 مؤشراً بالكامل وتجاوز 257 مؤشراً أهدافه الأصلية، فيما بلغ 49 مؤشراً آخر ما بين 85 و99 بالمئة من الهدف. وتقع مبادرات البرنامج ضمن هذه المحفظة الأوسع، وكان 85 بالمئة من 1502 مبادرة عبر جميع برامج تحقيق الرؤية إما مكتملة أو على المسار الصحيح بنهاية عام 2024.
إنجازات بارزة
أنتج عقد من الإنجاز قائمة طويلة من المكاسب القابلة للقياس. وأهمها يقع في أربع فئات عريضة.
بناء الحكومة الرقمية
كان البرنامج هو الراعي المالي والسياسي لقفزة المملكة العربية السعودية إلى المرتبة الأولى عالمياً في الحكومة الرقمية. فمنصة أبشر التي تُشغّلها وزارة الداخلية أصدرت أكثر من 28 مليون هوية رقمية، وتعالج اليوم مئات الملايين من المعاملات الموجَّهة للمواطنين سنوياً. ووحّدت منصة اعتماد للمشتريات جميع المشتريات الحكومية في قناة رقمية واحدة، وأفادت وزارة المالية بمكاسب كفاءة بنسبة مئوية من خانتين في الإنفاق العام، وتحسّن جوهري في الشفافية. واستُخدمت خدمة نفاذ للوصول الموحّد، التي أُطلقت على بنية الهوية الممولة من البرنامج، أكثر من ثلاثة مليارات مرة لمصادقة المستخدمين على الخدمات الحكومية وخدمات القطاع الخاص. وتُقدّم بلدي خدمات بلدية في أكثر من 280 بلدية، فيما تُتيح ناجز الراحة ذاتها للمنظومة القضائية.
والنتيجة قابلة للقياس في المعايير الدولية. فقد جاءت المملكة في المرتبة السادسة في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية لعام 2024، صاعدةً 25 مرتبة منذ 2016، واحتلت المرتبة الثانية بين 197 دولة في مؤشر البنك الدولي لنضج الحكومة الرقمية في أواخر 2025. وبمعيار نضج الخدمات الرقمية، انتقلت الدولة من منتصف الترتيب إلى الصدارة العالمية خلال دورة رؤية واحدة.
التحديث التنظيمي
أنتج الإصلاح التنظيمي في إطار البرنامج أكثر من 900 تغيير تشريعي وتنظيمي منذ إطلاق رؤية 2030، طالت كل قطاع تقريباً من قطاعات الاقتصاد. ومن أبرز هذه التغييرات نظام الإفلاس لعام 2018، الذي أدخل لأول مرة في التاريخ الحديث للمملكة إطاراً مهيكلاً للتسوية الواقية والإعادة المالية والتصفية المنظمة. وحدّث نظام الشركات الصادر عام 2022 الأشكال الشركاتية، فأزال متطلبات الحد الأدنى لرأس المال لمعظم أنواع الشركات، وأتاح شركات الشخص الواحد، ووائَم معايير الحوكمة مع المعايير الدولية. ودوّن نظام المعاملات المدنية الصادر عام 2025 لأول مرة جسماً من قواعد العقد والمسؤولية التقصيرية كانت تُدار سابقاً قضية بقضية في المحاكم، فحسّن إلى حد بعيد قابلية التنبؤ لدى الأطراف التجارية المتقابلة.
ومن الناحية التشغيلية، تراجع الوقت اللازم للحصول على السجل التجاري من أسابيع إلى أقل من ساعة لمعظم أنواع الشركات، ورُقمنت إصدارات تراخيص البناء، ووُحّدت إجراءات تسجيل الملكية في قناة إلكترونية واحدة. وكان الأثر المركّب تحسّناً ملحوظاً في تصنيفات التنافسية الدولية: إذ صعدت المملكة إلى المرتبة 16 في مؤشر معهد IMD للتنافسية العالمية عام 2024، بزيادة قدرها 20 مرتبة منذ 2017.
تحوّل سوق العمل
أنتجت مبادرات البرنامج في سوق العمل تغييرَين يصفهما جميع المراقبين تقريباً بأنهما هيكليان. أولاً، ارتفعت مشاركة المرأة في القوى العاملة من نحو 17 بالمئة عام 2016 إلى نحو 36 بالمئة عام 2024 — أي تجاوزاً واضحاً لهدف عام 2030 البالغ 30 بالمئة، وزيادةً أسرع من أي اقتصاد كبير سجّلها في إطار زمني مماثل. ثانياً، تراجع المعدل الرئيسي للبطالة بين السعوديين من 12.3 بالمئة في نهاية 2016 إلى 7.0 بالمئة في نهاية 2024، ليبلغ هدف رؤية 2030 قبل ست سنوات من موعده.
وكانت المحرّكات مزيجاً من إصلاحات سوق العمل الممولة من البرنامج — تعديلات الحد الأدنى للأجور، وتوسيع توفير رعاية الأطفال، وبرنامج وصول لدعم النقل، ومنصة قِوى لسوق العمل — والتوسع الاقتصادي الأوسع المدفوع بـالمشاريع العملاقة، وانفتاح السياحة، وتحرير قطاع الترفيه.
تنشيط القطاع الخاص
أسهمت مبادرات البرنامج في رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 40 بالمئة عام 2016 إلى نحو 47 بالمئة عام 2024، متجاوزةً الهدف الوسيط. وكان دور البرنامج أقل تدخلاً مباشراً وأكثر تمكيناً: توسيع تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال برنامج كفالة لضمان التمويل، وتطبيق نظامَي حق الامتياز التجاري والمنافسة، ورقمنة خدمات دعم الأعمال، والإزالة المنهجية لاحتكاكات تسجيل المورّدين والتخليص الجمركي والترخيص. وتضاعف عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة تقريباً خلال فترة الرؤية، فيما بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 77.6 مليار ريال سعودي عام 2024.
إخفاقات بارزة
ليس سجل البرنامج ناجحاً بالكامل، وتعترف تقارير المرحلة الثانية صراحةً بأن عدداً من المبادرات لم تبلغ أهدافها. وتستحق أبرز أوجه القصور التسجيل دون تخفيف.
فالطموح الأصلي لعام 2016 برفع الصادرات غير النفطية إلى 330 مليار ريال سعودي بحلول 2020 لم يتحقق في موعده، ويعود ذلك جزئياً إلى تباطؤ التجارة الذي أعقب جائحة كوفيد-19. وقد أُبقي على الهدف لكن أُجِّل تاريخه النهائي، ويُقاس التقدم الآن وفق مراحل منقّحة لعامَي 2025 و2030. وتقدّم إصلاح الرعاية الصحية — بما فيه التحويل المؤسسي للمستشفيات العامة الذي طال نقاشه — بوتيرة أبطأ مما توقّع، إذ يسير تطبيق نموذج الرعاية متأخراً عن الجدول الزمني المحدّد في NTP 2.0. وتحقّق هدف الـ70 بالمئة لتملّك المسكن إلى حد بعيد لدى شريحة المواطنين السعوديين المعنيين، غير أن قدرة جانب العرض على توفير سكن ميسور التكلفة في كبرى المراكز الحضرية تبقى مسألة لم تُحسم. كما تحرّكت أهداف أكثر مرونةً — كالمشاركة الرياضية ومؤشرات الجودة الحضرية ومعدلات رضا المواطنين — بوتيرة أبطأ من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية.
ولم تكن إدارة البرنامج ذاتها سلسة دوماً. فإعادة ضبط NTP 2.0 كانت اعترافاً ضمنياً بأن الإطلاق الأصلي وعد بأكثر مما قدّمه؛ ولا تزال إعادات المواءمة اللاحقة تُرحّل المبادرات بين برنامج التحول الوطني وبرامج VRP المجاورة. ولم تعد عدة جهات وردت في وثائق 2016 تشارك بصورة معتبَرة، فيما طُويت عدة مبادرات بارزة بهدوء دون اعتراف رسمي بعدم اكتمالها. ولا تُبطل هذه الإخفاقات السجل الأوسع، لكنها تصحيحات نافعة لروايات المبالغة في الانتصار حول أداء البرنامج.
العلاقة ببرامج VRP الأخرى
برنامج التحول الوطني هو المرساة الهيكلية للبنية الأوسع لـVRP في رؤية 2030، وعلاقته المتطورة مع بقية البرامج هي أوضح مؤشر على مدى نضج منظومة الإنجاز.
ففي المرحلة الأولى، تداخل البرنامج تداخلاً كبيراً مع VRP المجاورة لأن الحدود بين البرامج كانت غير واضحة. وعالجت إعادة الضبط في 2018 ذلك من خلال تقسيم عمل أكثر تعمّداً، تولّت فيه VRP القطاعية مسؤولية السياسات والإنجاز في مجالاتها، واحتفظ برنامج التحول الوطني بالعمل العابر للقطاعات في الجوانب المؤسسية والتنظيمية والحكومة الرقمية. والخريطة المنطقية الحالية تقريباً هي:
- يتولى البرنامج الوطني لتنمية الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية قيادة إنجاز السياسة الصناعية، فيما يوفّر برنامج التحول الوطني دعم الإصلاح التنظيمي والخدمات الرقمية الذي يعتمد عليه مستثمرو NIDLP.
- يقود برنامج تطوير القطاع المالي إصلاح الخدمات المالية، فيما يدعم برنامج التحول الوطني اعتماده على بنى الهوية والمدفوعات الإلكترونية وحماية المستهلك.
- يقود برنامج تنمية القدرات البشرية سياسة تنمية المواهب، فيما يدعم برنامج التحول الوطني البنية التحتية الرقمية الكامنة (قِوى، توكلنا، مدرستي).
- يقود برنامج جودة الحياة ملفات الثقافة والرياضة والترفيه، فيما يقدّم برنامج التحول الوطني الإصلاحات التنظيمية والترخيصية التي تُتيح لتلك القطاعات أن تعمل.
- يقود برنامج التخصيص سياسة التصرّف بالأصول، فيما يقدّم برنامج التحول الوطني تشريعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص والبنية التحتية للمشتريات التي تتطلبها الشراكات.
- يقود برنامج تحقيق التوازن المالي ملفات الإيرادات والإنفاق وإدارة الدين، فيما يقدّم برنامج التحول الوطني إصلاحات الموازنة القائمة على الأداء والمشتريات التي تترجم السياسة المالية إلى ممارسة تشغيلية.
- يقود برنامج خدمة ضيوف الرحمن ملفّي الحج والعمرة، فيما يدعم برنامج التحول الوطني البنى التحتية للتأشيرات الرقمية والهوية التي يعتمد عليها برنامج خدمة ضيوف الرحمن.
- يقود برنامج صندوق الاستثمارات العامة البُعد السيادي لرؤية 2030، فيما يبقى برنامج التحول الوطني مستقلاً إلى حد بعيد عن نشاط استثمار صندوق الاستثمارات العامة لكنه متشابك معه عبر التنظيم الممكِّن للمشاريع العملاقة.
وبصياغة مختلفة، يوفّر برنامج التحول الوطني طبقة نظام التشغيل؛ فيما تعمل بقية VRP بوصفها تطبيقات فوقها. وهذه البنية متينة تحديداً لأنها تُتيح للبرامج المتخصصة التركيز على أسئلة السياسات مع وراثتها بنية تحتية رقمية وتنظيمية وإنجازية مشتركة.
التطورات الأخيرة
شهدت السنوات منذ 2023 عدة نقاط تحوّل تستحق التأكيد. فقد أكّد التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2024 — الصادر في مطلع 2025 وهو أشمل إفصاح أداء حتى الآن — أن 93 بالمئة من مؤشرات أداء رؤية 2030 إما تحقّقت أو تسير على المسار الصحيح، مرسياً تخطيط المرحلة الثالثة والأخيرة من الرؤية الممتدة من 2025 إلى 2030.
وخلال عامَي 2024 و2025، استثمر البرنامج بصورة متزايدة في تجارب الذكاء الاصطناعي المُدمَجة في منصاته المُكوِّنة. فقد أُدمجت خدمات الذكاء الاصطناعي التي طورتها سدايا في ناجز وأبشر واعتماد وصحتي لتطبيقات تحديد أولويات القضايا، وكشف الاحتيال، وفرز الموردين، وفرز المرضى. وتُعدّ الشراكة بين الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لإنجاز برنامج التحول الوطني من أبرز التحوّلات الهيكلية في المرحلة الثانية أثراً.
كما أوصلت تعديلات 2025 لنظام المعاملات المدنية، وتعديلات 2026 لقواعد الاستثمار الأجنبي — التي ألغت تمييز “المستثمر الأجنبي المؤهّل” ووسّعت الوصول إلى السوق الرئيسية لتداول — إضافةً إلى تشغيل المركز السعودي الموحّد للأعمال، عدةَ مبادرات إصلاح تنظيمي طويلة الأمد إلى مرحلة الإنجاز الرسمي. وتتركّز خط الإصلاح التنظيمي المتبقي حتى 2030 على تحسين نظام المنافسة، ومواءمة حماية البيانات مع المعايير الدولية، ونظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي سيحكم الموجة المقبلة من التخصيص. وفي مايو 2026 أكّدت وزارة الاقتصاد والتخطيط، التي تستضيف أمانة برنامج التحول الوطني حالياً، أن خطة المرحلة الثالثة للبرنامج ستُمدّد بنية مؤشرات أدائه إلى 2035 — وهو إقرار ضمني بأن أجندة الإصلاح ستتجاوز رؤية 2030 ذاتها.
الآفاق المستقبلية
يدخل برنامج التحول الوطني مرحلة الرؤية الأخيرة بوصفه أحد أكثر النماذج الناجحة فعلاً للإصلاح الواسع النطاق في القطاع العام خلال العقد الماضي. فإنجازاته الكمية — قفزة مشاركة المرأة، وانخفاض البطالة، وتصنيفات الحكومة الرقمية — لا لبس فيها وموثّقة جيداً. أما إسهامه النوعي فأصعب قياساً، لكنه أكثر أهمية على الأرجح: فقد أرسى البرنامج ثقافة إنجاز، وبنية تحتية للقياس، ومحرّك إصلاح تنظيمي لم تكن قائمة في 2016، وستظل تُنتج تغييراً طويلاً بعد طيّ علامة رؤية 2030.
والأولويات المستقبلية واضحة بصورة معقولة. الأولى هي ترسيخ أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات الحكومة، حيث توسّع دور سدايا من ذراع بحثية إلى شريك تشغيلي. والثانية هي بناء القدرات الإقليمية والبلدية، إذ تركّزت معظم إصلاحات المرحلة الثانية التنظيمية والرقمية في الرياض وكبرى المراكز الحضرية؛ وتستلزم المرحلة المقبلة توسيع هذه المكاسب لتشمل المدن الثانوية والمناطق الريفية. والثالثة هي إضفاء الطابع الرسمي على أُطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث ظلّ غياب تشريع شراكات ناضج قيداً متكرراً على تعبئة رأس المال الخاص. والرابعة هي إدماج مقاييس المناخ والاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في إطار قياس برنامج التحول الوطني، وهو مجال لا يزال الإفصاح فيه ضحلاً.
أما المخاطر التي قد تُخرج المسار عن قضبانه فهي خارجية إلى حد بعيد. فانهيار مستدام في عائدات النفط من شأنه أن يُقيّد الهامش المالي لاستمرار الإصلاح الممول من البرنامج؛ وصدمة أمنية إقليمية ستُحوّل الانتباه السياسي عن الإنجاز؛ والمخاطر الأشمل المتمثّلة في تباطؤ محرّك الإصلاح فور انتهاء رؤية 2030 ليست بالعدميّة، نظراً إلى أن برامج مماثلة في أماكن أخرى فقدت زخمها فور انتقال راعيها السياسي. ويتمثّل التخفيف، الواضح في القرارات الأخيرة، في غرس البنية التحتية للإنجاز في العمليات الروتينية بعمق يكفي لأن تعمل حتى بدون رعاية حقبة الرؤية الفاعلة.
وما أثبته البرنامج، بوضوح أكبر من أي مكوّن آخر في محفظة الرؤية، هو أن الدولة السعودية قادرة على التنفيذ على نطاق واسع وضمن أفق متعدد السنوات. واليقين المتبقي ليس في وجود القدرة المؤسسية، بل في كيفية توظيفها في إطار ما بعد 2030. وعلى مدى السنوات الأربع المقبلة، يكمن دور البرنامج في الاستمرار في تقديم الإصلاحات العابرة للقطاعات التي يعتمد عليها أبرز ما في الرؤية — نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، وانفتاح الترفيه، والاستثمارات الرياضية. ولم يكن أي من هذه المشاريع ممكناً دون عمل التنظيم والرقمنة والإنجاز غير اللامع الذي قام به البرنامج منذ يونيو 2016.
المصادر والقراءة الإضافية
- رؤية 2030 — برنامج التحول الوطني (نظرة عامة على البرنامج، رسمية)
- رؤية السعودية 2030 — خطة إنجاز برنامج التحول الوطني (PDF)
- ويكيبيديا — برنامج التحول الوطني (المملكة العربية السعودية)
- عرب نيوز — برنامج التحول الوطني يدفع رؤية 2030 إلى الأمام، حسب الرئيس التنفيذي
- سعوديبيديا — برنامج التحول الوطني