يمثل برنامج الإسكان المسار الرئيسي ضمن رؤية 2030 لمعالجة ملف السكن في عام 2026، عبر سكني والتمويل العقاري المدعوم ومجتمعات روشن وإصلاح المعروض وهدف رفع التملك إلى 70% بحلول 2030. وقلة من برامج الرؤية حققت أثراً ملموساً في حياة المواطنين اليومية بقدر هذا البرنامج، إذ رفع معدل تملّك المساكن من 47% في 2016 إلى أكثر من 65.4%، متجاوزاً الهدف المرحلي لعام 2025 ومغيراً بنية قطاع الإسكان.
التحدي الإسكاني
في عام 2016، كان التحدي الإسكاني في المملكة العربية السعودية هيكلياً ومتشعّباً. فسكان شباب سريعو النمو كانوا يبلغون سن تكوين الأسرة، لكن المعروض الإسكاني كان يقصر كماً وقدرةً على تحمّل التكاليف. وكان سوق الرهن العقاري ناشئاً بتغلغل محدود وتنوع منخفض في المنتجات. وكثيراً ما كانت الأراضي بيد المضاربين مما خلق ندرة اصطناعية في المواقع الحضرية الرئيسية. وكان البيئة التنظيمية وإجراءات الترخيص للتطوير السكني مُجهِدة. وكان التمويل الحكومي الداعم للأسر متوسطة الدخل — القادرة على تحمّل أكثر من تكاليف الإسكان الاجتماعي لكن دون المستوى الذي يُتيح الوصول إلى الإسكان بأسعار السوق — شحيحاً.
صُمِّم برنامج الإسكان لمعالجة كل هذه الحواجز الهيكلية في آنٍ واحد، إدراكاً بأن المقاربة الجزئية ستكون قاصرة.
البنية الاستراتيجية
يعمل البرنامج عبر ثلاثة آليات متكاملة: تدخلات جانب العرض لرفع كمية المعروض الإسكاني وتنويعه، وتدخلات جانب الطلب لتيسير القدرة على تحمّل تكاليف التملّك مالياً، والإصلاحات التنظيمية لاستحداث سوق إسكان أكثر كفاءةً وشفافية.
تحوّل جانب العرض
روشن
لعل الابتكار المؤسسي الأبرز في برنامج الإسكان هو روشن، شركة التطوير العقاري المُنشأة شركةً مملوكة كلياً لـصندوق الاستثمارات العامة. وتُطوِّر روشن مجتمعات سكنية مُخططة ومتكاملة في أنحاء المملكة بمشاريع في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية.
تُصمَّم مجتمعات روشن لتقديم أحياء متكاملة تضم إسكاناً وتجزئةً وتعليماً ورعاية صحية وحدائق ومرافق مجتمعية — لا مجرد صفوف منازل. ويُركّز نموذج التطوير على معايير بناء جودة ومبادئ التصميم المستدام والتخطيط متعدد الاستخدامات الذي يُقلّص الاعتماد على السيارات والمرافق المجتمعية التي تُعزز التماسك الاجتماعي والتسليم القابل للتوسع القادر على إنتاج آلاف الوحدات سنوياً.
سلّم المجتمع الأول لروشن، سدرة في الرياض، آلاف الوحدات السكنية وأرسى معياراً للجودة في سوق الإسكان السعودية. والمشاريع اللاحقة في أنحاء المملكة توسّع النموذج أكثر فأكثر.
منظومة المطورين من القطاع الخاص
ما وراء روشن، حفّز برنامج الإسكان منظومة مطورين أوسع من القطاع الخاص من خلال إصلاحات تنظيمية تُبسّط موافقات المشاريع وتراخيص البناء وبرامج حوافز تُخفض تكاليف التطوير وتنظيم المبيعات على الخارطة التي تُوفّر حمايات قانونية للمشترين والمطورين، وبرنامج وافي الذي ينظم المبيعات على الخارطة لضمان إتمام المشاريع وحماية المشترين.
ودعم البرنامج أيضاً تطوير قطاع التقنية العقارية (بروبتك) بمنصات تُحسّن شفافية السوق والبحث عن العقارات وإجراءات المعاملات.
تدخلات جانب الطلب
صندوق التنمية العقارية
صندوق التنمية العقارية هو الجهة الحكومية الرئيسية المسؤولة عن توفير التمويل الإسكاني المدعوم للأسر السعودية. ويُوفّر الصندوق منتجات متعددة مُصمَّمة لمستويات الدخل والظروف العائلية المختلفة، منها: معدلات أرباح رهن عقاري مدعومة تُخفض الأقساط الشهرية للأسر المستحقة وبرامج دعم الدفعات الأولى التي تُعالج حاجز متطلبات رأس المال المبدئي وتمويل البناء للأسر التي تبني على أراضيها الخاصة وتمويل إعادة التأهيل للأسر التي تُرمّم ممتلكاتها القائمة.
يعمل الصندوق بشراكة مع البنوك التجارية وشركات التمويل التي تُنشئ الرهون العقارية وتُديرها فيما يُوفّر الصندوق عنصر الدعم. ويستثمر هذا النموذج كفاءة القطاع الخاص مع ضمان توجيه الموارد العامة نحو الأسر المحتاجة للدعم.
تطوير سوق الرهن العقاري
كان التطوير الأشمل لسوق الرهن العقاري ركيزة أساسية لنجاح برنامج الإسكان. فقبل رؤية 2030، كان تغلغل الرهن العقاري في المملكة في أدنى مستوياته قياساً بالمعايير الدولية. وتضافر برنامج تطوير القطاع المالي وبرنامج الإسكان معاً لتوسيع توافر الرهن العقاري من خلال إصلاحات تنظيمية شملت نظام التمويل العقاري ونظام الرهن العقاري المسجّل ونظام التأجير التمويلي. وتحسّنت منتجات الرهن العقاري الموحّدة وممارسات الاكتتاب وتطوّر سوق الرهن العقاري الثانوية عبر شركة إعادة التمويل العقاري السعودية التي وفّرت السيولة ودخل مشاركون جدد في قطاع التمويل زادوا من المنافسة وابتكار المنتجات.
والنتيجة نمو متسارع في إنشاء الرهن العقاري، إذ تضاعف رصيد الرهون العقارية السكنية القائمة أضعافاً منذ 2016.
الإصلاح التنظيمي
رسم الأراضي البيضاء
من أكثر التدخلات التنظيمية أثراً في برنامج الإسكان رسم الأراضي البيضاء (الأراضي الفضاء) — رسم يُفرض على الأراضي الحضرية غير المطوّرة للحد من احتكارها المضاربي وتشجيع التطوير. وأتاح الرسم، الذي تُديره وزارة الشؤون البلدية والقروية، مساحات حضرية واسعة للتطوير مما رفع المعروض الإسكاني وكبح تضخم أسعار الأراضي.
منصة سكني
تُؤدّي منصة سكني دور الواجهة الرقمية لبرنامج الإسكان، مُوفِّرةً بوابة موحدة للأسر السعودية للاستكشاف وتقديم طلبات الدعم والتمويل وتصفح العقارات المتاحة وتتبع حالة الطلبات. وقد عالجت المنصة ملايين الطلبات منذ إطلاقها، مُبسِّطةً عملية مطابقة الأسر مع الحلول الإسكانية المناسبة.
كود البناء ومعايير الجودة
دفع البرنامج كذلك نحو تحسينات في جودة البناء من خلال أكواد بناء مُحدَّثة وأنظمة تفتيش وأنظمة تصنيف المطوّرين التي تُوفّر شفافية حول جودة البناء وسجلات المطوّرين.
الأثر والمؤشرات
يُمثّل الإنجاز الرئيسي لبرنامج الإسكان — رفع معدل تملّك المساكن من 47% إلى أكثر من 65.4% — أحد أسرع توسعات تملّك المساكن في أي اقتصاد رئيسي في التاريخ الحديث. وخلف هذا الرقم مئات الآلاف من الأسر السعودية التي انتقلت إلى مساكنها الخاصة بدعم التمويل المدعوم والمعروض الإسكاني الجديد وسوق أكثر كفاءة.
وتشمل مؤشرات أخرى جديرة بالملاحظة: النمو الملحوظ في إنشاء الرهن العقاري السكني السنوي وتسليم عشرات الآلاف من الوحدات السكنية الجديدة سنوياً وتوسع قاعدة المستفيدين من صندوق التنمية العقارية وتحسين نسب القدرة على تحمّل تكاليف الإسكان في المدن الكبرى.
التحديات
رغم نجاحاته، لا يزال برنامج الإسكان يواجه تحديات مستمرة. فضغوط القدرة على تحمّل التكاليف قائمة في المدن الكبرى، ولا سيما الرياض التي يُصعّد فيها النمو السكاني المتسارع والنشاط الاقتصادي الطلبَ. وتضغط تضخم تكاليف البناء المدفوع باضطرابات سلاسل التوريد العالمية والطلب المحلي على اقتصاديات التسليم. وضمان جودة الإسكان عبر قاعدة المعروض المتوسّعة بسرعة يستلزم رقابة تنظيمية مستمرة. كما يتطلب تلبية الاحتياجات المتباينة لأنواع الأسر المختلفة — بما فيها أسر الفرد الواحد والأسر الممتدة والمسنين — تنويعاً مستمراً للمنتجات.
التوقعات المستقبلية
يتمحور برنامج الإسكان مستقبلاً حول بلوغ هدف 70% لتملّك المساكن بحلول 2030 وتوسيع المعروض الإسكاني في المدن الثانوية ومناطق التطوير الجديدة كنيوم وساحل البحر الأحمر وتعميق سوق الرهن العقاري بما فيها منتجات آجال أطول وهياكل مبتكرة وتعزيز البناء الإسكاني المستدام بما فيه معايير الكفاءة الطاقوية والبناء الأخضر وتطوير سوق الإيجار بوصفه مكمّلاً لتملّك المساكن، إدراكاً بأن ليس من الضروري أو المناسب أن تسعى جميع الأسر إلى التملّك.
يُثبت برنامج الإسكان أن الأهداف الاجتماعية لرؤية 2030 يمكن تحقيقها على نطاق واسع حين تُنسَّق تدخلات جانبَي العرض والطلب والإصلاحات التنظيمية ضمن إطار برنامج واحد. وإنجاز تملّك المساكن ليس مجرد رقم إحصائي — بل يُمثّل تحسيناً بشكل ملموس في جودة حياة الأمن المالي لملايين المواطنين السعوديين.