يُعدّ برنامج تطوير القطاع المالي في السعودية (FSDP) أحد برامج تحقيق الرؤية الأكثر أهمية استراتيجية ضمن منظومة رؤية 2030. فالقطاع المالي العميق والمتطور والمبتكر ليس غايةً في حد ذاته — بل هو عامل تمكين لكل أهداف رؤية 2030 تقريباً. فالتنويع الصناعي يحتاج إلى تمويل المشاريع. وتملّك المساكن يستلزم أسواقاً للرهن العقاري. ونمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة يتطلب الحصول على الائتمان. وبرنامج الاستثمار شريك يستلزم أسواقاً رأسمالية سيّالة. ومهمة برنامج تطوير القطاع المالي ضمان قدرة المنظومة المالية على استيعاب النطاق الكامل لتحوّل المملكة العربية السعودية.
نطاق البرنامج وأهدافه
أُطلق البرنامج إطاراً رسمياً لبرامج تحقيق الرؤية، ويُنسَّق تحت إشراف البنك المركزي السعودي (ساما) وهيئة السوق المالية ووزارة المالية. ويستهدف البرنامج ستة محاور استراتيجية: تطوير سوق رأس المال المتقدم، وتعزيز التخطيط المالي وتنويع منتجات الادخار والاستثمار وتمكينها، ورفع مستوى تمويل القطاع الخاص بما فيه المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الخدمات المالية الرقمية وتمكينها، وتأمين تشكّل قطاع تأمين متقدم، وتمكين المؤسسات المالية من دعم نمو القطاع الخاص.
تطوير سوق رأس المال
تداول والبنية التحتية للسوق
البورصة السعودية (تداول) هي أكبر سوق للأسهم في الشرق الأوسط من حيث القيمة السوقية، وقد قاد برنامج تطوير القطاع المالي تحديثاً شاملاً للبنية التحتية للسوق. ومن أبرز التطويرات: إطلاق منصات إدراج جديدة بما فيها نمو — السوق الموازي لشركات النمو — الذي وسّع الوصول إلى أسواق رأس المال العامة أمام الشركات متوسطة الحجم. وقد أسهم إدراج المملكة في كبرى المؤشرات العالمية — MSCI للأسواق الناشئة وFTSE راسل وS&P داو جونز — في استقطاب رأس المال المؤسسي الأجنبي بشكل ملحوظ. كما تحسّنت البنية التحتية لما بعد التداول مما رفع كفاءة التسوية وإدارة المخاطر. وأسهم إدخال منتجات الإقراض والاقتراض بالأوراق المالية والبيع على المكشوف والمشتقات في تعميق وظائف السوق، فيما رفعت الإصلاحات التنظيمية معايير حوكمة الشركات والإفصاح وحماية المستثمر.
إدارة الأصول
يُعدّ نمو صناعة إدارة الأصول أولويةً محوريةً في برنامج تطوير القطاع المالي. فقد تنامى عدد مديري الأصول المرخّصين في المملكة بشكل ملحوظ ليبلغ 36 مديراً مرخصاً، مما يعكس دخول شركات دولية وتطوراً في القدرات المحلية. ويدعم البرنامج نمو الصناديق الاستثمارية العامة والخاصة وتطوير صناديق الاستثمار العقاري (ريت) — وهو مجال باتت المملكة رائدةً إقليميةً فيه — وصناديق المؤشرات المتداولة ومنتجات تتبع المؤشرات ومركبات الاستثمار البديل بما فيها الأسهم الخاصة ورأس المال المخاطر ومنتجات الاستثمار المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في جميع فئات الأصول.
نمت الأصول المُدارة في المملكة نمواً ملحوظاً، غير أن طموح البرنامج يرمي إلى توسيع أكبر بتوجيه المدخرات المحلية نحو منتجات الاستثمار المتنوعة بدلاً من تركيزها في الودائع المصرفية والعقارات.
أسواق الدين الرأسمالي
يُشكّل تطوير أسواق الدين الرأسمالي في المملكة العربية السعودية من أبرز إنجازات برنامج تطوير القطاع المالي. فإصدارات المملكة السيادية من الصكوك والسندات أرست منحنيات عائد مرجعية، فيما توسّع سوق الديون للشركات ليُوفّر قناةً تمويلية بديلة لكبرى الشركات السعودية ومركبات تمويل المشاريع. وأدّى مكتب إدارة الدين السعودي دوراً محورياً في تطوير سوق الديون الحكومية، فيما يسّرت الإصلاحات التنظيمية الإصدارات من القطاع الخاص.
التقنية المالية والتمويل الرقمي
يُولي برنامج تطوير القطاع المالي أهمية بالغة للتقنية المالية بوصفها قطاعاً اقتصادياً وآليةً لتحسين الشمول المالي والكفاءة. وقد نمت منظومة التقنية المالية في المملكة نمواً متسارعاً في ظل دعم البرنامج.
البيئة التنظيمية التجريبية
تُشغّل كل من ساما وهيئة السوق المالية بيئات تنظيمية تجريبية تُتيح لشركات التقنية المالية الناشئة اختبار منتجاتها ونماذج أعمالها في بيئة محكومة بمتطلبات تنظيمية مخففة. ودعمت هذه البيئات التجريبية التجريبَ في المدفوعات الرقمية والإقراض من نظير إلى نظير وخدمات المستشار الآلي والتأمين التقني ومنصات سلسلة الكتل في الخدمات المالية والخدمات المصرفية المفتوحة.
المدفوعات الرقمية
يُعدّ توسع المدفوعات الرقمية أحد أكثر نتائج برنامج تطوير القطاع المالي بروزاً وقياساً. فقد ارتفعت نسبة المعاملات الإلكترونية ارتفاعاً ملحوظاً، مدفوعةً بشبكة مدى للدفع ودخول حلول Apple Pay وغيرها من حلول الدفع المحمول وتوسيع البنية التحتية لنقاط البيع ومحفظة STC Pay (والمعروفة حالياً بـ stc بنك). وتسارع التحوّل نحو الدفع الرقمي بفعل جائحة كوفيد-19 والخيارات السياسية الداعمة للمعاملات الإلكترونية.
الخدمات المصرفية المفتوحة
كانت المملكة العربية السعودية رائدةً إقليميةً في تنظيم الخدمات المصرفية المفتوحة. إذ يُرسي إطار الخدمات المصرفية المفتوحة الصادر عن ساما قواعد مشاركة البيانات بين المؤسسات المالية ومزودي الخدمات الخارجيين المرخصين، مُتيحاً خدمات جديدة كتجميع الحسابات والتخطيط المالي الآلي وعمليات الإقراض المُبسَّطة.
الشمول المالي
يستهدف برنامج تطوير القطاع المالي توسيع الوصول إلى الخدمات المالية للشرائح المحرومة من السكان، بما فيها النساء والشباب والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمجتمعات الريفية. وتشمل المبادرات الرئيسية توسيع إقراض المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال أطر منشآت وكفالة وتطوير منتجات التمويل الصغير والتمويل المصغّر وبرامج التثقيف المالي الموجّهة للشباب والمستثمرين لأول مرة وإزالة العوائق أمام المشاركة المالية للمرأة — بما فيها إلغاء اشتراطات موافقة وليّ الأمر للمعاملات المالية.
قطاع التأمين
تاريخياً كان قطاع التأمين في المملكة العربية السعودية متخلفاً عن حجم الاقتصاد. ويدعم برنامج تطوير القطاع المالي نمو القطاع من خلال التحديث التنظيمي بما فيه معايير الملاءة المالية والحوكمة المحدَّثة وتوسيع تغطية التأمين الصحي — مدفوعاً جزئياً بنظام التأمين الصحي التعاوني الإلزامي — وابتكار المنتجات بما فيها تأمين المخاطر الإلكترونية والتأمين البارامتري والتأمين المدمج واعتماد حلول التأمين التقني لتحسين الاكتتاب ومعالجة المطالبات وتجربة العملاء.
يعكس نشاط الاندماج والتوحيد في قطاع التأمين نضج السوق وهدف برنامج تطوير القطاع المالي في بناء عدد أقل من الشركات الأكبر حجماً والأفضل رسملةً والأكثر تنافسية.
المقاييس والتقدم
يرصد برنامج تطوير القطاع المالي مجموعة شاملة من مؤشرات الأداء الرئيسية. وفي أحدث فترات إعداد التقارير، حقق البرنامج نتائج لافتة تشمل نمو رسملة سوق الأسهم وأحجام التداول اليومي وزيادة ملحوظة في نسبة المعاملات غير النقدية وتوسع إقراض المنشآت الصغيرة والمتوسطة بوصفه حصةً من إجمالي الائتمان المصرفي ونمو عدد شركات التقنية المالية العاملة في المملكة وزيادة مشاركة المستثمرين الأجانب في أسواق رأس المال السعودية وتوسع تمويل تملّك المساكن عبر سوق الرهن العقاري.
التحديات
يواجه برنامج تطوير القطاع المالي تحديات عدة. فتعميق أسواق رأس المال يستلزم قاعدة أوسع من المستثمرين المؤسسيين — صناديق تقاعد وشركات تأمين ومديري أصول — يضخّون رأسمالهم في أدوات متنوعة. ومشاركة المستثمر الأفراد، رغم نموها، لا تزال مُركّزة في الأسهم مع محدودية اختراق الدخل الثابت والصناديق والأصول البديلة. ويتطلب قطاع التقنية المالية تطوراً تنظيمياً مستمراً لتحقيق التوازن بين الابتكار وحماية المستهلك والاستقرار المالي. ومستوى التثقيف المالي، رغم تحسّنه، يبقى قيداً على اعتماد منتجات مالية أكثر تطوراً. ويستلزم تطوير سوق ثانوية عميقة وسيّالة للديون والصكوك للشركات جهوداً مستمرة في صنع السوق وتثقيف المستثمرين.
التوقعات المستقبلية
يتمحور برنامج تطوير القطاع المالي مستقبلاً حول عدة محاور: مواصلة تعميق أسواق رأس المال وتنويعها بما فيها فئات منتجات وأسواق إدراج جديدة، وتطوير منظومة التقنية المالية من مرحلة التجريب إلى التبني السائد، وتوسيع التمويل المستدام بما فيه الصكوك الخضراء والمنتجات المرتبطة ببيئة الاستدامة والحوكمة والمسؤولية الاجتماعية، وتنمية المملكة العربية السعودية مركزاً مالياً إقليمياً يُكمل تطوير الحي المالي في الرياض، وتعزيز قطاع التأمين ليُوفّر تغطية مخاطر أشمل للاقتصاد.
تطوير القطاع المالي غاية ووسيلة في آنٍ معاً. فالمنظومة المالية المتطورة والعميقة والشاملة تدعم تخصيص رأس المال للاستخدامات المنتجة وتُمكّن الأسر والشركات من إدارة المخاطر وتُوفّر البنية التحتية لخلق الثروة الذي يُشكّل جوهر وعد رؤية 2030.