مشروع بوابة الدرعية التراثي هو برنامج رؤية 2030 الذي يحوّل مسقط رأس الدولة السعودية وحي الطريف المدرج على قائمة اليونسكو إلى وجهة تراثية وثقافية وفندقية وتجارية على أطراف الرياض. ويتابع هذا الدليل أهمية الدرعية، وحوكمة هيئة تطوير الدرعية، وتقاطع حفظ التراث مع أهداف السياحة والضيافة ومخاطر التنفيذ.
مكانة الدرعية
تحتل الدرعية مكانةً فريدةً في الهوية الوطنية للمملكة العربية السعودية. فعلى ضفاف وادي حنيفة في شمال غرب الرياض، نشأت الدرعية مسقط رأس الدولة السعودية الأولى التي أسّسها الإمام محمد بن سعود عام 1727 م. وعلى مدى ثلاثة قرون، رمز هذا الموقع إلى نشأة آل سعود والتشكّل السياسي الذي تطور ليصبح المملكة العربية السعودية الحديثة.
في قلب الدرعية يرقد حي الطريف، بقصوره وجوامعه ومبانيه الإدارية المشيّدة من الطين على النمط النجدي المعماري الأصيل. وأُدرج الطريف على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2010، اعترافاً بقيمته العالمية الاستثنائية شاهداً على التقليد الثقافي النجدي ودوره التاريخي مقرّاً للسلطتين الزمنية والدينية في عهد الدولة السعودية الأولى.
تضطلع هيئة تطوير الدرعية (DGDA)، المُنشأة بمرسوم ملكي والعاملة تحت إشراف صندوق الاستثمارات العامة، بمسؤولية تحويل هذه المنطقة التاريخية البالغة الأهمية إلى وجهة تراثية وثقافية وفندقية وتجارية من الطراز الأول عالمياً. ويستهدف المشروع تكريم ماضي الدرعية والحفاظ عليه مع استحداث حي حيّ ومتدفق يُسهم في أهداف رؤية 2030 الثقافية والاقتصادية. ويتابع متتبّعنا أبرز مراحل التسليم.
المخطط الرئيسي
يمتد مخطط بوابة الدرعية الرئيسي على نحو أربعة عشر كيلومتراً مربعاً، مما يجعله أحد أضخم مشاريع التطوير الحضري المرتكزة على التراث في العالم. ويُنظَّم المخطط حول مناطق متشابكة تمزج الحفاظ على الموروث بالتطوير المعاصر.
حي الطريف التراثي
تُشكّل أعمال ترميم الطريف وإبرازه الروح والمركز الثقافي لمجمل تطوير بوابة الدرعية. وأُنجزت أعمال أثرية وصيانة مكثفة لتثبيت المباني التاريخية وترميمها وتفسيرها. ويوازن النهج المتبع بين أصالة المواد والتقنيات والتدخلات الهيكلية اللازمة لضمان ديمومة المباني.
وتجسّد تجارب الزيارة داخل الطريف المكانةَ التاريخية للموقع من خلال معارض متحفية ومنشآت تفسيرية وجولات إرشادية وعروض غامرة. وتتدرج رحلة الزائر عبر قصور الحي وأفنيته وممراته، كاشفةً عن الطابع المعماري والاجتماعي للحياة النجدية في القرن الثامن عشر.
المتاحف والمؤسسات الثقافية
تضم بوابة الدرعية برنامجاً واسعاً من المتاحف والمؤسسات الثقافية يتجاوز كثيراً تفسير تراث الطريف. وتعالج هذه المؤسسات السردية الثقافية الأشمل للمملكة العربية السعودية وتقاليدها الفنية وطموحاتها.
وتتناول مكونات المتاحف المرتقبة والمطوّرة موضوعات منها تاريخ المملكة العربية السعودية والفن والعمارة الإسلامية والحرف التقليدية والثقافة المادية والفن السعودي المعاصر. وتُصمَّم البرامج المتحفية وفق المعايير الدولية بقاعات عرض مكيّفة ومرافق ترميم وبرامج تعليمية.
وتُؤدّي المؤسسات الثقافية دور مراسي للحي الأشمل، تستقطب الزوار ببرامج متجددة ومتطورة تُشجّع على تكرار الزيارة والانخراط المستمر مع الدرعية وجهةً ثقافية.
الحي الفندقي
يُضفي المكوّن الفندقي لبوابة الدرعية حضور العلامات الفندقية الفاخرة الدولية على بيئة تتميز بطابع تاريخي وهوية معمارية نجدية. وتعتمد الفنادق والمنتجعات ضمن التطوير لغات تصميمية تستلهم تراث الدرعية الطيني، مستخدمةً مواد طبيعية وأفنية داخلية ونسباً مستوحاةً من البيئة المبنية التقليدية.
يمتد العرض الفندقي عبر مستويات متعددة، من العقارات الفاخرة القصوى التي تستهدف السياح الثقافيين الدوليين ورجال الأعمال، إلى الفنادق متوسطة المستوى التي تخدم السوق المحلية. ويُوضَّع قرب الدرعية من الرياض — بنحو خمس عشرة دقيقة من وسط المدينة — بوابة الدرعية وجهةً مستقلة ومركزاً للزوار المستكشِفين العاصمة.
التجزئة والمطاعم
تنتظم مكوّنات التجزئة والمطاعم في بوابة الدرعية في شوارع وميادين للمشاة مستوحاة من طرازات الأسواق التقليدية. ويُركّز مزيج التجزئة على العلامات الفاخرة والراقية والمنتجين الحرفيين والمنتجات التراثية السعودية. وتتراوح المنشآت المطعمية بين مطاعم فاخرة يُشرف عليها طهاة دوليون ومطاعم للمطبخ السعودي التقليدي وأماكن للطعام غير الرسمية.
والقصد التصميمي استحداث تجربة تجزئة ومطاعم تختلف نوعياً عن التسوق الاعتيادي في مراكز التسوق، مستثمِرةً الطابع المعماري والعمران المنفتح على الفضاء الخارجي الذي يُميّز بوابة الدرعية لتقديم تجربة متجذّرة في المكان.
الاندماج مع وادي حنيفة
خضع وادي حنيفة، المجرى المائي التاريخي المتدفق عبر الدرعية، لإعادة تأهيل بيئية واسعة النطاق. فبعد أن أُثقل بالتعديات الحضرية والتخلص من النفايات، استُعيد الوادي ممراً أخضر يضم حدائق ومسارات للمشي وركوب الدراجات وموائل إيكولوجية ومرافق ترفيهية.
يُكسب دمج وادي حنيفة في المخطط الرئيسي لبوابة الدرعية المشروعَ محوراً طبيعياً يربط المناطق ويُتيح راحة نفسية من البيئة المبنية ويُمثّل إنجازاً في التأهيل البيئي. وأعمال إحياء الوادي سبقت مشروع بوابة الدرعية لكن تم إدراجها في تخطيطه وسيلةً راحة بيئية ثمينة.
اللغة المعمارية
ترتكز هوية بوابة الدرعية المعمارية على التقليد النجدي المعماري، المتسم بالبناء الطيني والأنماط الهندسية الزخرفية والجدران السميكة التي توفر كتلة حرارية والمخططات المنعطفة على الأفنية الداخلية المتكيّفة مع المناخ الحار والجاف. ويُعيد التطوير تأويل هذه التقاليد بصياغة معاصرة، مستعملاً الأشكال والنسب والبالتات المواد النجدية في مبانٍ تنطوي على أنظمة هيكلية حديثة وعناصر تحكم بيئي ومعايير الوصول الشامل.
يخدم هذا النهج المعماري أغراضاً متعددة. إذ يُنشئ تماسكاً بصرياً وفضائياً عبر التطوير ويُوصّل البناء المعاصر بالنسيج التاريخي للطريف ويُرسي هويةً مميزة تُفرّق بوابة الدرعية عن الطابع الزجاجي والفولاذي السائد في تطوير الرياض الحديث.
والالتزام بتطوير معماري موحّد بهذا الحجم نادر على المستوى العالمي، ويعكس قناعة قيادة المشروع بأن الجودة المعمارية والأصالة الثقافية تقعان في صميم نجاح بوابة الدرعية التجاري والثقافي معاً.
البرمجة الثقافية
ما وراء أصولها المادية، تستثمر بوابة الدرعية في برامج ثقافية تُحيي الوجهة بفعاليات ومهرجانات وعروض وأنشطة تعليمية. ورسّخ موسم الدرعية السنوي حضوره فعاليةً كبرى في التقويم الثقافي السعودي، يستقطب الزوار ببرنامج يشمل الموسيقى والرياضة والطعام والأنشطة التراثية والترفيه.
وأسهم استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، بما فيها مباريات الملاكمة وفعاليات الرياضات الآلية في الدرعية، في رفع الملف الدولي للوجهة وإثبات قدرتها على إدارة التجمعات الكبيرة. وتُكمّل هذه الفعاليات البرمجة الثقافية والتراثية الدائمة التي توفر دواعي الزيارة على مدار السنة.
النموذج الاقتصادي والأثر
يجمع النموذج الاقتصادي لبوابة الدرعية بين الاستثمار العام في ترميم التراث والبنية التحتية الرسوخية والمشاركة الخاصة في الضيافة والتجزئة والتطوير السكني. وتعمل هيئة تطوير الدرعية مطوّراً رئيسياً ومنظِّماً، تُحدد معايير التطوير وتُدير الفضاء العام وتُنسّق التسليم المتدرّج للمخطط الكلي.
يُولّد المشروع أثراً اقتصادياً عبر توظيف البناء والوظائف التشغيلية الدائمة في الضيافة والتجزئة والثقافة والإدارة، وإنفاق الزوار. وإنشاء وجهة للسياحة التراثية داخل منطقة الرياض الحضرية يُسهم في تنويع دور المدينة ما وراء وظيفتها التقليدية مركزاً حكومياً وتجارياً.
فلسفة صون التراث
يعكس صون الطريف وغيره من المباني التاريخية في الدرعية نهجاً يُقدّر أصالة المادة ووضوح التفسير معاً. وتوظّف أعمال الصون المواد التقليدية والتقنيات المعهودة كلما أمكن، مدعومةً بعلم الصون الحديث حيث تستلزم ذلك متطلبات الاستقرار الهيكلي أو متانة المواد.
وقد استقدم البرنامج خبرات صون دولية إلى جانب متخصصين سعوديين، مما بنى قدرة وطنية في مجال صون التراث — وهو مجال يتنامى أهميةً مع تطوير المملكة لقطاعها السياحي الثقافي. والتوثيق، بما فيه التسجيل الرقمي بالتصوير الفوتوغرامتري والمسح بالليزر، يُنشئ سجلات شاملة للمباني التاريخية في حالتها قبل الترميم.
الاندماج مع الرياض
العلاقة بين بوابة الدرعية والرياض عامل نجاح محوري. فالوجهة مُصمَّمة لتؤدي دورها مكاناً متميزاً بطابعه الخاص، مع بقائها متكاملة مع شبكات النقل والضيافة والثقافة في العاصمة. ويربط تحسينات الطرق واتصالات النقل العام ومنظومات التوجيه بوابةَ الدرعية بالنسيج الحضري للرياض.
ويُأثّر التطوير أيضاً في مسار التطوير الحضري للرياض، مُثبتاً أن التطوير المرتكز على التراث والمستند إلى الثقافة قادر على تحقيق نجاح تجاري ومخرجات جودة حياة تُنافس النماذج الحضرية الاعتيادية بل تتجاوزها. وبهذا المعنى، تخدم بوابة الدرعية مختبراً لمناهج التطوير الحضري التي يمكن أن تُوجِّه مشاريع مستقبلية في الرياض وما بعدها.
التوقعات
تقف بوابة الدرعية في مصاف مشاريع رؤية 2030 الأكثر دلالةً ثقافية. ولا يُقاس نجاحها بأعداد الزوار والعوائد المالية وحسها، بل بمساهمتها في الفهم الثقافي الذاتي لدى المملكة العربية السعودية وقدرتها على توصيل الموروث السعودي للجماهير الدولية، وإثباتها أن التطوير والحفاظ قادران على السير جنباً إلى جنب. وبالنسبة للمتخصصين في التراث والفنادق والتجزئة والمؤسسات الثقافية الذين يُقيّمون الفرص السعودية، تُمثّل بوابة الدرعية أحد أكثر سياقات التطوير إثارةً وتميّزاً في العالم.