نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة في رؤية 2030
يمثل نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة في برنامج رؤية 2030 مقياساً أساسياً لقدرة المملكة على توسيع القطاع الخاص خارج نطاق المشاريع العملاقة التي تقودها الدولة. وتحتل هذه المنشآت موقعاً استراتيجياً في إطار الركيزة الثانية لرؤية 2030 — “اقتصاد مزدهر” — يفوق حجمها الفردي. فجماعاً، تُشكّل هذه المنشآت نسيج الاقتصادات المتنوعة — تُولِّد الوظائف وتُحرّك الابتكار وتسدّ الثغرات في سلاسل التوريد وتُمدّ بالديناميكية التنافسية التي لا تستطيع المنشآت الكبيرة وحدها توليدها. ويستهدف هدف المملكة رفع مساهمة هذه المنشآت في الناتج المحلي الإجمالي من خط أساس يبلغ نحو 20% إلى 35%، فيما بلغ التقدم الراهن نحو 28%.
يُمثّل هذا التقدم بثماني نقاط مئوية منذ انطلاق رؤية 2030 تقدماً هيكلياً حقيقياً، غير أن الفجوة المتبقية حتى الهدف تُجلّي حجم التحول المطلوب. ففي الاقتصادات المتنوعة الناضجة عادةً ما تُسهم قطاعات المنشآت الصغيرة والمتوسطة بما بين 40% و60% من الناتج المحلي الإجمالي. وهدف المملكة بنسبة 35%، رغم طموحه قياساً بنقطة الانطلاق، يُموضع المملكة في الحد الأدنى لهذا النطاق — مع إدراك أن أبعاد المشاريع العملاقة والمنشآت الحكومية في الاقتصاد السعودي ستظل وازنة حتى مع توسع قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
المشهد الأساسي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة
عند انطلاق رؤية 2030، كانت هذه المنشآت تواجه مجموعة من القيود الهيكلية. فالحصول على التمويل كان محدوداً مع توجّه البنوك التجارية بشكل مكثف نحو إقراض الشركات الكبرى وندرة المنتجات المصممة لاحتياجات الأعمال الصغيرة. كما فرّض تعقيد الأنظمة تكاليف امتثال غير متناسبة على المنشآت الأصغر. وكانت ثقافة ريادة الأعمال قائمة لكنها تفتقر إلى المنظومة الداعمة المؤسسية — حاضنات ومسرّعات وشبكات إرشاد ورأس مال مخاطرة — التي تُحفّز تأسيس الأعمال في البيئات الأكثر نضجاً.
أفرزت هيمنة التكتلات الكبرى في الاقتصاد السعودي هياكل سوقية صعبة الاختراق أمام الداخلين الأصغر. وأولت عمليات المشتريات الحكومية الأفضلية للمقاولين الكبار الراسخين. وكانت سلاسل التوريد مُهيَّأة لخدمة المشاركين القائمين لا استقبال الوافدين الجدد. كما أن الإطار التنظيمي لسوق العمل، ولا سيما متطلبات السعودة، فرّض تكاليف امتثال تثقل المنشآت الأصغر ذات الطاقة الإدارية المحدودة.
وأدّى الاقتصاد غير الرسمي دوراً بارزاً كذلك، إذ جرى قدر كبير من النشاط التجاري خارج أطر التسجيل والتنظيم الرسمية، مما حصر الوصول إلى الخدمات المالية وبرامج الدعم الحكومي والحماية القانونية. وشكّل إضفاء الطابع الرسمي على المنشآت غير الرسمية تحدياً وفرصةً معاً في آن.
منشآت: البنية المؤسسية لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة
تُؤدّي الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت)، المُنشأة عام 2016، دور المنصة المؤسسية المتخصصة للمملكة في تطوير قطاع هذه المنشآت. وتمتد ولاية منشآت لتشمل الدورة الكاملة لتطوير الأعمال الصغيرة — من تعزيز ريادة الأعمال وتأسيس الأعمال وصولاً إلى دعم النمو وتيسير التوسع.
تتناول المحفظة البرامجية لمنشآت القيود المحددة التي رُصدت في التقييم الأساسي. وتتضمن برامج الوصول إلى التمويل: مخططات ضمان القروض التي تُخفّف مخاطر الإقراض المصرفي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومرافق تمويل مباشر للمنشآت في مراحلها الأولى، وشراكات مع البنوك التجارية لتطوير منتجات مالية ملائمة. وقد أتاح برنامج كفالة لضمان القروض، المُدار بالتنسيق مع صندوق التنمية الصناعية السعودي، مليارات الريالات من القروض الممنوحة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي كانت لتعجز عن الحصول عليها بشروط تجارية بحتة.
يشمل دعم تأسيس الأعمال إجراءات تسجيل مُبسَّطة ومراكز خدمة شاملة ومنصات رقمية تُخفف العبء الإداري لبدء الأعمال. وتراجع الوقت اللازم لتسجيل نشاط تجاري جديد في المملكة تراجعاً حاداً منذ 2016، مما أسهم في تحسين ترتيب المملكة في مؤشرات ممارسة الأعمال لدى البنك الدولي قبل إيقاف هذا المؤشر.
وتشمل برامج دعم النمو خدمات الحضانة والتسريع وشبكات الإرشاد التي تربط رواد الأعمال الصغيرة والمتوسطة بقيادات أعمال ذوي خبرة وخدمات تيسير التصدير التي تساعد هذه المنشآت على الوصول إلى الأسواق الدولية. وتُشغّل منشآت أو تتشارك في شبكة من حاضنات ومسرّعات الأعمال في أنحاء المملكة، توفر مساحات عمل مادية وخدمات تطوير الأعمال وفرص التواصل المهني.
تمويل المنظومة الداعمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة
جُرِّدت البنية التمويلية الداعمة لنمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة بشكل جوهري. وأصدر البنك المركزي السعودي (ساما) متطلبات تنظيمية للبنوك التجارية بشأن الإقراض للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وحدد أهدافاً دنيا لتخصيص المحافظ لضمان أن يخدم القطاع المصرفي الأعمال الصغيرة إلى جانب عميله التجاري التقليدي.
يُحدد برنامج تطوير القطاع المالي، أحد برامج تحقيق رؤية 2030، تمويلَ المنشآت الصغيرة والمتوسطة هدفاً ذا أولوية صريحة. وتشمل مبادرات البرنامج تطوير منصات التقنية المالية التي تُخفض تكاليف الإقراض عبر الكفاءة التكنولوجية وإنشاء مكاتب المعلومات الائتمانية التي تُحسّن قدرة المُقرِض على تقييم الجدارة الائتمانية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وإنشاء قنوات تمويل بديلة تشمل منصات التمويل الجماعي والإقراض من نظير إلى نظير.
توسعت منظومتا رأس المال المخاطر والمستثمرين الملاك بسرعة لافتة، مدعومتين باستثمارات صندوق الاستثمارات العامة في مركبات رأس المال المخاطر المحلية والدولية، والأطر التنظيمية المُيسِّرة لتأسيس الصناديق، والتحولات الثقافية التي باتت تحتفل أكثر فأكثر بالمبادرة الريادية. وأسهمت شركة رأس المال المخاطر السعودية (SVC)، المُنشأة بوصفها شركة تابعة للصندوق، في تحفيز سوق رأس المال المخاطر المحلي عبر الاستثمارات في صناديق الصناديق وبرامج الاستثمار المشترك.
ويُوفّر السوق الموازي (نمو) في تداول مساراً لأسواق رأس المال أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة النامية، مُمكِّناً الوصول إلى تمويل الأسهم في مرحلة أبكر مما تسمح به متطلبات إدراج السوق الرئيسية. وتُصمَّم متطلبات الإدراج المُيسَّرة وتكاليف الامتثال المنخفضة تحديداً لاستيعاب الواقع التشغيلي للمنشآت الأصغر.
ثقافة ريادة الأعمال ورأس المال البشري
يمتد برنامج المنشآت الصغيرة والمتوسطة في رؤية 2030 ما وراء الدعم الهيكلي والمالي ليشمل التحول الثقافي. تُروَّج لريادة الأعمال بفاعلية عبر المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية والتقدير العلني لرواد الأعمال السعوديين الناجحين. وقد سجّلت الدراسات السنوية للمراقبة العالمية لريادة الأعمال ارتفاعاً في معدلات النوايا الريادية بين السكان السعوديين منذ 2016.
استجابت المؤسسات التعليمية لهذا التوجه بإطلاق دروس تأسيس الأعمال ومختبرات الابتكار وبرامج الشركات الناشئة للطلاب. وأنشأت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وغيرها من الجامعات السعودية الرائدة مكاتب لنقل التكنولوجيا وبرامج دعم التسويق تُحوّل مخرجات البحث العلمي إلى مشاريع ريادية.
وتُشغّل مؤسسة مسك، التي أسسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، برامج ريادة أعمال للشباب تجمع بين تطوير المهارات والإرشاد وتمويل البذرة. وتستهدف هذه البرامج الفئة السكانية الشابة بما يتوافق مع توجيه الطاقة الديموغرافية نحو الإنتاج المؤسسي.
وبرزت ريادة أعمال المرأة شريحةً بالغة الديناميكية. إذ أسهم إلغاء اشتراطات موافقة وليّ الأمر لتسجيل الأعمال وتوسيع القطاعات المفتوحة للمشاركة النسائية وبرامج الدعم المستهدفة في ارتفاع حاد في تأسيس الأعمال الذي تقوده النساء. وتتنامى المنشآت التي تقودها نساء بوصفها نسبة من إجمالي تسجيلات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مما يُنوّع القاعدة الريادية للمملكة.
المشتريات والوصول إلى السوق
يُمثّل إصلاح المشتريات الحكومية محرّكاً بشكل ملموس لنمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة. يُتابع موقعنا التقدم في رصد المؤشرات. وأدخلت المملكة متطلبات تخصيص إلزامية لمشاركة هذه المنشآت في العقود الحكومية، لضمان إمكانية وصول الأعمال الصغيرة جزئياً إلى الحجم الضخم للإنفاق على المشتريات العامة. وتُرقِّم منصة اعتماد عمليات الشراء الحكومية، مُخفِّفةً عدم التماثل المعلوماتي وتكاليف المعاملات التي كانت تُضعف الموردين الأصغر.
تُوجِد متطلبات المحتوى المحلي، التي تُديرها هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، فرصاً سوقية أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة في سلاسل التوريد التي كانت تهيمن عليها السلع والخدمات المستوردة أو كبار الشركات المحلية. وقد طُوِّر برنامج القيمة المحلية الكلية (IKTVA)، الذي نشأ أصلاً لقطاع النفط والغاز، وجرى توسيعه ليشمل قطاعات أخرى، مما أتاح مسارات منظمة لدخول المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى سلاسل توريد المشاريع الكبرى.
وفّر ظهور منصات التجارة الإلكترونية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة قنوات وصول للسوق تتجاوز حواجز التوزيع التقليدية. فالسوق السعودية للتجارة الإلكترونية المتنامية بسرعة — التي تسارعت بفعل أنماط التبني في حقبة جائحة كوفيد-19 — تُمكّن المنشآت الصغيرة من الوصول إلى العملاء على المستوى الوطني دون الاستثمار الرأسمالي اللازم لشبكات البيع بالتجزئة المادية.
التوزيع القطاعي والفرص
يتوزع نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة في إطار رؤية 2030 على نطاق قطاعي متسع. فرغم بقاء التجزئة وخدمات الطعام والخدمات الشخصية القطاعاتِ الأكثر عدداً، تُسجَّل أعلى معدلات النمو في التكنولوجيا والخدمات المهنية والسياحة والصناعات الإبداعية — القطاعات المنسجمة مع أهداف تنويع المملكة.
شهد قطاع التكنولوجيا نمواً لافتاً في تأسيس المنشآت الصغيرة والمتوسطة. فالسكان السعوديون الكثيفون المنخرطون رقمياً والاستثمار الحكومي الضخم في البنية التحتية الرقمية يخلقان أحوال طلب داعمة للمشاريع التقنية. وتُمثّل التقنية المالية وتمكين التجارة الإلكترونية وتقنية الخدمات اللوجستية وبرامج المؤسسات قطاعات فرعية نشطة لتأسيس المنشآت الصغيرة والمتوسطة السعودية.
أما السياحة والضيافة، اللتان فُتحتا بوصفهما قطاعين رئيسيين جديدين بفضل التحرير التنظيمي لرؤية 2030، فتُتيحان فرصاً واسعة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. فالضيافة المتخصصة وعمليات السياحة المتخصصة ومفاهيم الغذاء والمشروبات وخدمات السياحة القائمة على التجربة هي بطبيعتها أنشطة ملائمة لحجم هذه المنشآت وتُشكّل مجتمعةً حصة كبيرة من قيمة الاقتصاد السياحي.
التقدم والتحديات المتبقية
يُجسّد التقدم من 20% إلى 28% من الناتج المحلي الإجمالي تقدماً هيكلياً يُثبت صحة منهج السياسة. إذ ارتفعت أحجام تسجيل الأعمال ارتفاعاً ملحوظاً وتحسّن توافر التمويل بصورة قابلة للقياس وباتت المنظومة الداعمة المؤسسية أكثر تطوراً بشكل ملموس مما كانت عليه في خط الأساس.
أما المسير من 28% إلى 35%، فيطرح تحديات تختلف عن تلك التي عُولجت في المرحلة الأولى. فكثير من المنشآت التي تأسست بعد 2016 لا تزال في مراحلها الأولى من التطور، وستؤثر معدلات بقائها ومسارات نموها تأثيراً ملموساً في ما إذا كانت المساهمة الإجمالية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي ستواصل مسارها التصاعدي. وتُشير الشواهد الدولية إلى أن معدلات تراجع المنشآت الصغيرة والمتوسطة تبلغ ذروتها في السنوات الثلاث إلى الخمس الأولى من التشغيل، مما يعني أن الدعم المستمر لقابلية المنشأة للبقاء — لا لتأسيسها فحسب — أمر جوهري.
تبقى ثغرات المهارات قيداً، ولا سيما في القدرات التقنية والإدارية المطلوبة لتوسيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وفيما تُعالج برامج ريادة الأعمال مهارات التأسيس، فإن القدرات اللازمة لتنمية منشأة من 10 موظفين إلى 100 موظف تختلف نوعياً وأقل انتشاراً في السوق السعودية.
ويتطلب الضغط التنافسي من المنظومات الكبرى للمشاريع العملاقة، التي قد تُفضّل كبار المشغّلين الدوليين على الشركات المحلية الأصغر، إدارة سياساتية متعمّدة لضمان حصول المنشآت الصغيرة والمتوسطة على قيمة ملائمة من برامج التطوير الكبرى في المملكة.
بالنسبة للمستثمرين وصانعي السياسات ومزودي خدمات الأعمال، يُمثّل مسار نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية فرصة هيكلية ذات أفق زمني يمتد على مدى عقود. فالملف الديموغرافي للمملكة والبنية التحتية الرقمية والالتزام السياساتي يخلق مجتمعةً شروطاً لتوسع مستمر في قطاع هذه المنشآت عبر 2030 وما بعدها.