مؤشر نمو القطاع الخاص: الضرورة الاقتصادية المحورية لرؤية 2030
يرصد مؤشر نمو القطاع الخاص إحدى أولويات الركيزة الثانية لرؤية 2030 — “اقتصاد مزدهر” — لكنه يتجاوز كونه مقياساً منفرداً ليصبح شرطاً هيكلياً لنجاح منظومة التنويع الاقتصادي. والهدف المرسوم لا لبس فيه: رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من خط الأساس البالغ نحو 40% إلى 65%. ويضع التقدم الراهن الرقم عند نحو 48%، مما يعكس تقدماً حقيقياً في الوقت ذاته يُجلّي الفجوة الكبيرة المتبقية قبل بلوغ الهدف المنشود.
يُلخّص هذا المؤشر جوهر التحول الذي تسعى إليه المملكة العربية السعودية. فاقتصاد يُولّد فيه القطاع الخاص ما يقارب ثلثَي الناتج المحلي الإجمالي هو اقتصاد مختلف جذرياً عن ذلك الذي تُحرّكه الإنفاق الحكومي المموَّل بعوائد الهيدروكربونات. وتحقيق هدف 65% يستلزم ليس تعديلاً تدريجياً بل إعادة هيكلة شاملة للبنية الاقتصادية للمملكة — بيئتها التنظيمية وأسواقها الرأسمالية وقاعدة رأس مالها البشري وديناميكياتها التنافسية وثقافتها المؤسسية.
نقطة البداية الهيكلية
كان الاقتصاد السعودي عند انطلاق رؤية 2030 يتسم بهيمنة حكومية واضحة. فالإنفاق الحكومي، مباشرةً وعبر الشركات المملوكة للدولة، كان يُشكّل المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي. أما القطاع الخاص، رغم حجمه الكبير بالمطلق، فقد عمل في معظمه في قطاعات تعتمد على العقود الحكومية والمدخلات المدعومة أو الحماية التنظيمية. كانت المشاريع الخاصة الحقيقية الموجهة بالسوق قائمة لكنها تمركزت في قطاعات محددة — التجزئة والعقارات وبعض الخدمات — بدلاً من الامتداد عبر رقعة الاقتصاد بأسره.
كشف انهيار أسعار النفط بين 2014 و2016 بجلاء عن هشاشة هذا النموذج. إذ تراجعت الإيرادات الحكومية بحدة، مما أجبر على تقليص الإنفاق الذي انتشر أثره في القطاع الخاص عبر تراجع منح العقود وتأخر المدفوعات. وكشفت التجربة أن قطاعاً خاصاً يعتمد على الإنفاق الحكومي ليس مستقلاً فعلاً — بل هو مجرد وسيط للإنفاق العام.
لذا يستهدف برنامج نمو القطاع الخاص في رؤية 2030 توسعاً كمياً لا بل تحولاً نوعياً: تنمية مشاريع خاصة تُدرّ إيراداتها من الطلب السوقي لا من المشتريات الحكومية، وتنافس دولياً عوضاً عن العمل في أسواق محلية محمية، وتوفر فرص عمل للمواطنين السعوديين بشروط تجارية مستدامة.
برنامج شريك: التزام بـ5 تريليونات ريال
يُمثّل برنامج شريك، الذي أُعلن في مارس 2021، أهم التزام منظم بالاستثمار في القطاع الخاص في تاريخ المملكة. بموجبه، تعهدت كبرى الشركات السعودية بشكل جماعي بضخ 5 تريليونات ريال (نحو 1.33 تريليون دولار) استثمارات محلية حتى 2030 وما بعدها، وُزِّعت الالتزامات على خطط استثمارية قطاعية محددة وأهداف لخلق الوظائف وتحقيق متطلبات المحتوى المحلي.
يعكس تصميم البرنامج نهجاً مميزاً في تنسيق الدولة مع القطاع الخاص. فبدلاً من الاستناد فقط إلى حوافز السوق أو الأوامر التنظيمية، يُرسي شريك إطاراً من الالتزامات التفاوضية التي تتعهد فيها الشركات السعودية الكبرى — كأرامكو السعودية وسابك وشركة الاتصالات السعودية والتكتلات العائلية الكبرى — بمسارات استثمارية محددة مقابل استقرار السياسات والوضوح التنظيمي وتيسير الحكومة لمتطلبات الاستثمار.
الرقم البالغ 5 تريليونات ريال تحويلي في حجمه. موزعاً على قطاعات الأولوية في المملكة — الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والسياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والخدمات المالية — تكفي هذه القاعدة الرأسمالية لتغيير التركيبة القطاعية والقدرة التنافسية للاقتصاد السعودي تغييراً جذرياً. ويعمل البرنامج كمُعجِّل يضغط في عقد ما قد يحتاج جيلاً لتطوير القطاع الخاص.
تعمل حوكمة التزامات شريك عبر آليات مراجعة دورية ترصد ضخ الاستثمارات ونتائج التوظيف والأثر القطاعي. ويكفل الإطار المؤسسي للبرنامج ترجمة الالتزامات إلى مشاريع منفَّذة لا مجرد تعهدات تطلعية.
بنية الإصلاح التنظيمي
يستلزم نمو القطاع الخاص بيئة تنظيمية تُيسّر لا تُعيق تأسيس الأعمال وتشغيلها وتوسيعها. وقد أجرت المملكة إصلاحاً تنظيمياً شاملاً عبر أبعاد متعددة منذ 2016.
جُدِّد نظام الشركات بشكل جوهري، مُحدِّثاً الإطار القانوني لتأسيس الأعمال وحوكمتها وإعادة هيكلتها. وقرّبت إجراءات التأسيس المُبسَّطة ومتطلبات رأس المال المخفَّضة ومعايير حوكمة الشركات الجديدة القانون التجاري السعودي من أفضل الممارسات الدولية. كما أرسى نظام الإفلاس، الصادر عام 2018، لأول مرة إطاراً منظماً للتعافي المؤسسي والتصفية المنضبطة، وهي بنية تحتية أساسية لقطاع خاص ديناميكي تكون فيه إخفاقات الأعمال حالة مُدارة ومقبولة.
وتحررت لوائح الاستثمار الأجنبي تدريجياً. فمراجعة نظام الاستثمار الأجنبي، الذي تديره وزارة الاستثمار (مسا)، وسّعت القطاعات المفتوحة للملكية الأجنبية وخففت اشتراطات الترخيص ورسّخت آليات حماية المستثمرين. وأتاح إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة ذات الأنظمة التنظيمية المعززة منافذ دخول إضافية للمستثمرين الدوليين الراغبين في تأسيس عمليات في السوق السعودية.
وتعززت أحكام نظام المنافسة وتطبيقها عبر هيئة المنافسة العامة، لضمان أن تكافئ آليات السوق الكفاءة والابتكار عوضاً عن الرسوخ والنفوذ. وتُسهم أحكام مكافحة الاحتكار وإجراءات مراجعة عمليات الاندماج وتطبيق ممارسات منع المنافسة مجتمعةً في دعم قابلية السوق للطعن التي تُحرّك ديناميكية القطاع الخاص.
أبعاد سوق العمل
لا ينفصل نمو القطاع الخاص في السياق السعودي عن إصلاح سوق العمل. وقد شهد برنامج السعودة (نطاقات) الذي يُلزم القطاع الخاص بنسب دنيا للتوظيف السعودي تنقيحات متتالية لتحقيق التوازن بين أهداف التوطين ومتطلبات الجدوى التجارية.
يعكس تطور البرنامج استخلاص العبر من تجربة التطبيق. فالإصدارات الأولى فرضت متطلبات موحدة لم تراعِ الفوارق القطاعية في متطلبات المهارات وأحوال سوق العمل. وأدخلت المراجعات اللاحقة حصصاً قطاعية محددة وفئات امتثال متدرجة وآليات دعم معززة لأصحاب العمل الساعين بجدية إلى السعودة.
يُوفّر صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) دعماً مالياً لأصحاب العمل في القطاع الخاص الذين يوظفون مواطنين سعوديين، مُخففاً جزءاً من الفارق في الأجور بين العمالة السعودية والوافدة خلال فترة التكيف. كما تُعالج برامج التدريب المُقدَّمة عبر المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والأكاديميات القطاعية المتخصصة الثغرات في المهارات التي حدّت تاريخياً من التوظيف السعودي في الأدوار التقنية والمهنية.
أسهم نمو مشاركة المرأة في سوق العمل — أحد أبرز إنجازات رؤية 2030 — إسهاماً بشكل ملموس في توسيع مجمع المواهب المتاح لأصحاب العمل في القطاع الخاص. وجرى انضمام أكثر من مليون امرأة سعودية إضافية إلى سوق العمل منذ 2016 في المقام الأول في القطاع الخاص، مما نوّع القاعدة البشرية للاقتصاد وأسهم في نمو مخرجات القطاع الخاص.
تطوير أسواق رأس المال
تطوير أسواق رأس المال العميقة والسيّالة ضروري لنمو القطاع الخاص. وشهدت البورصة السعودية (تداول) تحديثاً بشكل ملموس، شمل الإدراج في كبريات المؤشرات الدولية — مؤشر MSCI للأسواق الناشئة وFTSE راسل وS&P داو جونز — مما اجتذب تدفقات استثمار مؤسسي أجنبي ضخمة.
أصلحت هيئة السوق المالية متطلبات الإدراج وأطلقت أدوات مالية جديدة وطورت أطراً تنظيمية لمنصات الاستثمار البديل. ويُوفّر السوق الموازي (نمو) مساراً للإدراج لأمام الشركات الأصغر التي لم تستوفِ بعد متطلبات السوق الرئيسية، داعماً احتياجات تكوين رأس المال للمشاريع النامية.
وتوسعت أسواق الدين الرأسمالية كذلك، مع تطور سوق السندات وصكوك الشركات السعودية بسرعة. ووصول الشركات الخاصة إلى تمويل الديون ينوّع مصادر التمويل خارج الإقراض المصرفي التقليدي، مُمكِّناً هياكل رأسمالية أكثر كفاءة وداعماً لمشاريع استثمارية أكبر حجماً.
أما منظومتا الاستثمار الخاص والمشاريع الرأسمالية، وإن كانتا لا تزالان تنضجان قياساً بالأسواق الدولية الراسخة، فقد نمتا نمواً ملحوظاً. وقد أسهمت الصناديق الحكومية للصناديق واستثمارات صندوق الاستثمارات العامة في المركبات الرأسمالية المحلية والإصلاحات التنظيمية المُيسِّرة لتأسيس الصناديق مجتمعةً في تحفيز نشأة منظومة مؤسسية لرأس المال الخاص.
التنويع القطاعي
يستهدف برنامج نمو القطاع الخاص التوسع عبر محفظة قطاعية متنوعة بتعمّد. السياحة والترفيه والتكنولوجيا والتصنيع المتقدم والخدمات المالية والخدمات المهنية تُمثّل كلها قطاعات تسعى المملكة إلى تطوير مشاريع خاصة ذات تنافسية عالمية فيها.
تُجسّد السياحة هذه الفرصة في أجلى صورها. قبل رؤية 2030، كان قطاع السياحة السعودي يقتصر في معظمه على الحج الديني. وأتاح إطلاق التأشيرات السياحية وتطوير العروض الترفيهية والثقافية وإنشاء المنتجعات المصمَّمة في الوجهات على ساحل البحر الأحمر ميداناً جديداً كلياً للقطاع الخاص. ويعني هدف 150 مليون زيارة سنوية بحلول 2030 اقتصاداً سياحياً يحتاج مشاركة واسعة من القطاع الخاص في الضيافة والمطاعم والنقل والتجزئة وتقديم التجارب.
أما قطاع الترفيه، الذي نشأ فعلياً من قاعدة الصفر إثر رفع القيود عن دور السينما والترفيه العام، فاستقطب مشغّلين دوليين ورجال أعمال محليين. وتُبيّن سرعة دخول القطاع الخاص عقب تحرير اللوائح الطاقة الريادية الكامنة في الاقتصاد السعودي متى رُفعت عنها القيود.
تقييم التقدم
يُمثّل التقدم من 40% إلى 48% من الناتج المحلي الإجمالي تغيراً هيكلياً حقيقياً، غير أن حسابيات الوصول إلى 65% مُطالِبة. فردم الفجوة المتبقية البالغة 17 نقطة مئوية يستوجب معدلات نمو للقطاع الخاص تفوق بشكل ملموس توسع القطاع العام — ديناميكية تستلزم انضباطاً مالياً حكومياً مستمراً مع تسارع في ضخ الاستثمارات الخاصة.
يُوفّر خط أنابيب برنامج شريك البالغ 5 تريليونات ريال إطار الالتزام الرأسمالي، لكن تحويل الالتزامات إلى استثمار فعّال يُولّد مخرجات اقتصادية مستدامة يستلزم التنفيذ عبر آلاف المشاريع الفردية. وقدرة سلاسل التوريد وطاقة القطاع الإنشائي وتوافر العمالة الماهرة وسرعة المعالجة التنظيمية تُشكّل جميعها اختناقات محتملة.
يُسبغ التقييس الدولي منظوراً مفيداً. فالاقتصادات ذات الحصص بنسبة 65% من القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي — وكثير من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية — طوّرت هذه الهياكل عادةً على مدى عقود طويلة من التطور السوقي العضوي. والمملكة العربية السعودية تسعى إلى تحقيق تحوّل هيكلي مماثل في نحو 15 عاماً عبر تدخل سياساتي متعمد، وهو طموح غير مسبوق يرتكن إلى التزامات استثمارية متوازية مع مستواه.
بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين والاستراتيجيين في الشركات، يُمثّل مسار نمو القطاع الخاص السعودي إحدى أبرز فرص التحول الاقتصادي في الاقتصاد العالمي. فمزيج الضخ الرأسمالي الضخم والتحديث التنظيمي والعوامل الديموغرافية المواتية يهيئ شروطاً لخلق قيمة جوهرية عبر قطاعات متعددة خلال ما تبقى من العقد.