مؤشر القطاع غير الربحي في السعودية
يقيس مؤشر القطاع غير الربحي في رؤية 2030 مدى تحوّل المجتمع المدني السعودي إلى شريك تنموي أكبر وأكثر احترافاً. ويتمثل الهدف الرئيسي في رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي من أقل من 1% إلى 5%، مع متابعة مؤشرات مساندة تشمل التطوع وتمكين مستفيدي المساعدات المالية.
ويستلزم هدف رؤية 2030 القاضي برفع مساهمة القطاع غير الربحي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي تحولاً جذرياً على صعيدَي الحجم والطابع معاً. وتحقيق ذلك لا يقتصر على الزيادة العددية للمنظمات، بل يستوجب إعادة هيكلة البنية المؤسسية التي تعمل ضمنها هذه المنظمات بشكل جوهري، سواء من حيث الحوكمة أو نماذج التمويل أو الكفاءات المهنية أو العلاقة مع الحكومة والمجتمعات المستفيدة.
وتنتمي هذه الأولوية إلى الركيزة الثالثة من رؤية 2030 — “وطن طموح” — وترتبط ارتباطاً بشكل ملموس بالأهداف الأشمل للتنمية الاجتماعية والمشاركة المجتمعية، والتطور التدريجي للعقد الاجتماعي بين الدولة السعودية ومواطنيها.
السياق التاريخي: الخيرية والقيود
تميّز المشهد غير الربحي في المملكة العربية السعودية تاريخياً بهيمنة المنظمات الخيرية التي انصبّ اهتمامها في المقام الأول على تخفيف وطأة الفقر والتعليم الديني والمساعدة الاجتماعية المباشرة. وعملت هذه المنظمات في ظل إطار تنظيمي اتسم بالرقابة الحكومية المشددة ومحدودية الاستقلالية التشغيلية وتقييد آليات التمويل.
وقد أعاقت عدة عوامل هيكلية نمو هذا القطاع:
- الحذر التنظيمي: أفضت مخاوف الأمن التي أعقبت عام 2001 إلى تصاعد التدقيق في المنظمات الخيرية وتدفقاتها المالية، مما أسفر عن لوائح ضوابطية كانت تعالج أهدافاً أمنية مشروعة، غير أنها أعاقت في الوقت ذاته التطور المؤسسي وجمع التبرعات.
- مركزية الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية: أبقت دولة الرفاه السعودية — بما توفره من تعليم ورعاية صحية ودعم سكني وتحويلات مباشرة — على هامش تشغيلي ضيق نسبياً للأنشطة التكميلية للقطاع غير الربحي.
- القدرة على الحوكمة: افتقرت كثير من المنظمات غير الربحية إلى الإدارة المهنية والمساءلة المالية والتخطيط الاستراتيجي اللازمة للنضج المؤسسي.
- العوامل الثقافية: كان النشاط الخيري سائداً بصورة غير رسمية وشخصية في معظمه، إذ كانت التبرعات تجري عبر شبكات الأفراد والمؤسسات الدينية بدلاً من المنظمات الاحترافية.
ثورة التطوع
من أبرز أوجه أولوية القطاع غير الربحي قياساً بالنجاح الملموس، كان توسيع نطاق التطوع. فقد حددت رؤية 2030 هدفاً بمليون متطوع بحلول عام 2030، وقد تجاوزت المملكة هذا الهدف مبكراً بتسجيل أكثر من 1.2 مليون متطوع، وهو إنجاز يعكس حشداً اجتماعياً حقيقياً إلى جانب التيسير المؤسسي الفعّال.
المنصة الوطنية للتطوع
أسهمت منصة التطوع الوطنية الموحدة — في إطار تحول الحكومة الرقمية الأشمل — إسهاماً بشكل ملموس في ربط المتطوعين المحتملين بالفرص المتاحة وتتبع المشاركة وتقديم التقدير. وتجمع المنصة الفرص المتاحة من الجهات الحكومية والمنظمات غير الربحية وبرامج المسؤولية الاجتماعية للشركات في واجهة رقمية موحدة.
التركيبة الديموغرافية للمتطوعين
تكشف التركيبة الديموغرافية لقاعدة المتطوعين عن ديناميكيات اجتماعية بالغة الأهمية:
| البُعد الديموغرافي | الملاحظة |
|---|---|
| الفئة العمرية | الشباب في المقام الأول (18-35 عاماً)، بما يتوافق مع استراتيجية المشاركة في رؤية 2030 |
| التوازن بين الجنسين | مشاركة نسائية واسعة، تنسجم مع أهداف تمكين المرأة الأشمل |
| التوزيع الجغرافي | يتركز في المراكز الحضرية الكبرى مع جهود توسع نحو المدن الأصغر |
| التركيز القطاعي | الصحة والتعليم والبيئة والتنمية المجتمعية هي الأكثر شيوعاً |
يوحي التحقق المبكر لهدف التطوع بوجود طاقة كامنة للمشاركة المدنية داخل المجتمع السعودي، كانت تفتقر في السابق إلى التنشيط الكافي بسبب القيود المؤسسية. ويبدو أن إيجاد قنوات رسمية وأطر للتقدير قد حفّز مشاركة كانت تنتظر بيئة مؤسسية ملائمة.
التطوع في الفعاليات الكبرى
أتاح التقويم السعودي المتنامي للفعاليات الكبرى — فورمولا 1 وتحضيرات كأس العالم 2034 وموسم الرياض وموسم جدة وعمليات الحج والعمرة — فرصاً تطوعية واسعة النطاق تخدم في آنٍ واحد احتياجات الفعاليات اللوجستية وتبني الطاقة المؤسسية للمشاركة المدنية. ويرتبط برنامج التطوع في موسم الحج بعمق بالمعنى الديني، مما يوفر إطاراً تحفيزياً قوياً.
المساعدات المالية والتمكين
ترتبط أولوية القطاع غير الربحي ارتباطاً صريحاً بتحول المساعدة الاجتماعية من مجرد نقل سلبي للدعم إلى تمكين فعّال. ويرصد متتبع التقدم نحو هدف 5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويُلخّص المؤشر الرئيسي — نسبة المستفيدين من المساعدات المالية الذين حققوا تمكيناً اقتصادياً والبالغة 33.7% في مقابل هدف 32.5% — هذا التحول.
من الرعاية إلى بناء القدرات
دأب نموذج المساعدة الاجتماعية السعودي التقليدي على توزيع التحويلات النقدية على المستحقين مع حد أدنى من الاشتراطات أو الدعم نحو الاكتفاء الاقتصادي. أما نهج رؤية 2030 فيسعى إلى تكملة المساعدات المالية بما يلي:
- التدريب المهني: برامج للتأهيل المهني والمهني مرتبطة بمتطلبات سوق العمل.
- التوظيف: دمج المستفيدين من المساعدات الاجتماعية في وظائف منتجة بالتنسيق مع أصحاب العمل في القطاع الخاص.
- دعم المشاريع الصغيرة: تمويل وتوجيه وخدمات تطوير الأعمال للمستفيدين الراغبين في العمل الحر.
- المسار التدريجي للخروج: مسارات منظمة من المساعدة الاجتماعية نحو الاكتفاء الذاتي، مع دعم انتقالي للحيلولة دون العودة إلى التبعية.
تُشير نسبة التمكين البالغة 33.7% إلى أن ما يقارب ثلث المستفيدين من المساعدات المالية يتجهون نحو الاكتفاء الاقتصادي، وهي نسبة ذات دلالة رغم أنها تعني في الوقت ذاته أن ثلثيهم لا يزالون في درجات متفاوتة من التبعية. وتسريع نتائج التمكين يستلزم استثماراً أعمق في برامج بناء القدرات وتقريباً أوثق بين المساعدة الاجتماعية ومؤسسات سوق العمل.
إصلاحات حوكمة القطاع غير الربحي
تُعالَج الجودة المؤسسية للقطاع غير الربحي من خلال إصلاحات شاملة للحوكمة تديرها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
تحديث التنظيم
تشمل الإصلاحات التنظيمية الرئيسية:
- تبسيط التسجيل: إجراءات مُيسَّرة لتأسيس منظمات غير ربحية جديدة، تقلل العوائق البيروقراطية أمام الدخول.
- المساءلة المالية: متطلبات معززة للإفصاح المالي وأوامر التدقيق المستقل ومعايير الشفافية المتوافقة مع أفضل الممارسات الدولية.
- حوكمة مجالس الإدارة: اشتراطات لتشكيل مجالس مهنية وتحديد فترات الولاية وهياكل الحوكمة الكفيلة بالمساءلة المؤسسية.
- قياس الأثر: إدخال أطر للأداء تُلزم المنظمات غير الربحية بإثبات النتائج القابلة للقياس لا مجرد مستوى النشاط.
بناء القدرات المؤسسية
أنشأت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برامج دعم لتطوير القطاع غير الربحي تشمل:
- التدريب الإداري: تطوير مهني لقادة المنظمات غير الربحية في التخطيط الاستراتيجي والإدارة المالية والموارد البشرية وإشراك أصحاب المصلحة.
- اعتماد التكنولوجيا: دعم الأدوات والمنصات الرقمية لتحسين الكفاءة التشغيلية وقياس الأثر.
- تنويع التمويل: إرشاد حول تطوير نماذج إيرادات متنوعة تشمل الأوقاف والإيرادات المكتسبة وشراكات الشركات والتعاقد الحكومي.
- التشبيك والتعاون: منصات لتبادل المعرفة والتعاون والعمل الجماعي بين المنظمات غير الربحية.
هدف 5% من الناتج المحلي الإجمالي: المسار والتحديات
يمثّل الطموح إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي من أقل من 1% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي تضاعفاً خمسياً في حجم القطاع. وتحقيق ذلك يستلزم النمو في أبعاد متعددة.
نمو الإيرادات
لا بد من التوسع الجذري في إيرادات القطاع غير الربحي، وتشمل مصادر النمو:
| مصدر الإيراد | الحجم الحالي | إمكانية النمو |
|---|---|---|
| التبرعات الفردية | معتدل | كبيرة، مع منصات العطاء الرقمي وتطوير الحوافز الضريبية |
| الخيرية المؤسسية | محدود | متنامية، مدفوعة بمتطلبات المسؤولية الاجتماعية واعتماد بيئة الاستدامة والحوكمة |
| التعاقد الحكومي | ناشئ | كبيرة، مع إسناد الحكومة تقديم الخدمات الاجتماعية للخارج |
| عائدات الوقف | في مراحل الوليد | في طور التطور عبر تحديث الوقف الإسلامي |
| الإيرادات المكتسبة | ضئيلة | متنامية عبر نماذج المشاريع الاجتماعية |
تحديث الوقف
يُمثّل إصلاح نظام الوقف آلية تمويل يُحتمل أن تكون تحويلية. إذ يمكن لأصول الوقف السعودية، لو أُديرت باحترافية وحُدِّثت، أن تولّد تدفقات دخل جوهرية ومستدامة للأنشطة غير الربحية. وقد أجرت الهيئة العامة للأوقاف إصلاحات لتحسين إدارة الوقف وتنويع استراتيجيات الاستثمار وتطوير الحوكمة.
تطوير المشاريع الاجتماعية
يُمثّل ظهور نماذج المشاريع الاجتماعية — المنظمات التي تسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية من خلال الأنشطة القائمة على السوق — ابتكاراً هيكلياً في المشهد غير الربحي السعودي. وبدأت السياسة الحكومية في الاعتراف بهذه المنظمات الهجينة وتهيئة الفضاء التنظيمي الملائم لها.
المقارنات الدولية
| الدولة | القطاع غير الربحي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي | المتطوعون كنسبة من السكان | السمة الرئيسية |
|---|---|---|---|
| الولايات المتحدة | ~5.7% | ~25% | لا مركزية، مدفوع بالسوق |
| المملكة المتحدة | ~4.5% | ~20% | إطار تنظيمي قوي |
| المملكة العربية السعودية (الهدف) | 5.0% | ~3.5% (حالياً) | نمو بتيسير حكومي |
| الإمارات العربية المتحدة | ~2.0% | معتدل | نموذج قائم على المؤسسات |
| تركيا | ~1.5% | بيانات محدودة | قطاع ناشئ |
تُظهر المقارنات الدولية الطموحَ والتحدي معاً. فالدول التي تُسهم فيها القطاعات غير الربحية بنسبة 4-6% من الناتج المحلي الإجمالي أرست هذه التقاليد على مدى عقود، مدعومةً بأطر تنظيمية ناضجة وهياكل حوافز ضريبية وثقافات مشاركة مدنية راسخة. أما الجدول الزمني المضغوط للمملكة العربية السعودية، فيستوجب هندسة مؤسسية مدروسة لتحقيق في سنوات ما استغرقته الدول المقارنة أجيالاً.
وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية
تضطلع الوزارة بدور المؤسسة الحكومية الرئيسية المشرفة على القطاع غير الربحي، وتشمل صلاحياتها:
- تسجيل المنظمات غير الربحية وتنظيمها
- وضع معايير الحوكمة وإنفاذها
- إدارة برامج التطوع ومنصاته
- تنسيق مبادرات التنمية الاجتماعية
- الإشراف على برامج المساعدة الاجتماعية والتمكين
يُفرز الدور المزدوج للوزارة بوصفها جهة تنظيمية ومحرّضاً في آنٍ واحد توتراً مؤسسياً يمتد عبر جميع الأجهزة التنظيمية المنوط بها السيطرة على قطاعاتها وتنميتها في الوقت ذاته. ومنهج الوزارة يُرجّح عموماً النمو والاحترافية على حساب اللوائح التقييدية، وإن كان التوازن يتفاوت بحسب أنشطة القطاع غير الربحي المختلفة.
مبادرات التنمية الاجتماعية
ترتبط أولوية القطاع غير الربحي بأهداف التنمية الاجتماعية الأشمل في إطار رؤية 2030:
- التنمية المجتمعية: تضطلع المنظمات غير الربحية بدور شركاء محليين في تنفيذ البرامج التنموية الوطنية، مُقدِّمةً حضوراً وخبرة على مستوى المجتمع.
- انخراط الشباب: يوفر القطاع غير الربحي قنوات منظمة لمشاركة الشباب في التنمية المجتمعية والوطنية، تتكامل مع التوظيف الرسمي.
- صون التراث الثقافي: تُسهم المنظمات المعنية بالتراث الثقافي والفنون التقليدية والتاريخ المجتمعي في تحقيق أهداف رؤية 2030 الثقافية.
- الإشراف البيئي: تدعم المنظمات غير الربحية البيئية مبادرة السعودية الخضراء عبر توعية المجتمع والحفاظ على البيئة واستعادة النظم البيئية.
التوقعات والتقييم
تُمثّل أولوية القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تحدياً طويل الأمد للتطوير المؤسسي يعصى التقييم المبسّط. والتحقق المبكر لهدف 1.2 مليون متطوع ونسبة التمكين المالي المتجاوزة لمعيارها مؤشران إيجابيان على الحشد الاجتماعي وفاعلية البرامج.
غير أن هدف 5% من الناتج المحلي الإجمالي لا يزال طموحاً، والمتطلبات الهيكلية لبلوغه — من منظومة تمويل ناضجة وإدارة مؤسسية احترافية وإسناد واسع للخدمات الحكومية وأعراف مشاركة مدنية راسخة — ما زالت في طور التشكّل. ومسار نمو القطاع، رغم إيجابيته، لم يبلغ بعد الإيقاع الكفيل ببلوغ الهدف بحلول عام 2030.
والإصلاحات المؤسسية التي تشرف عليها الوزارة ضرورية وفي الاتجاه الصحيح، وإن كان أثرها يُقاس في جودة المؤسسات لا عددها. وجدول أعمال إصلاح الوقف قد يوفر، إذا نُفِّذ بنجاح، القاعدة التمويلية المستدامة التي يفتقر إليها القطاع حالياً، بيد أن إصلاح الوقف مسعى مؤسسي مُعقَّد تكتنفه حساسيات سياسية ودينية خاصة.
لعل الأهم من ذلك كله أن أولوية القطاع غير الربحي تُجسّد تحولاً ضمنياً في النموذج الاجتماعي السعودي، من دولة تحتكر تقديم الخدمات الاجتماعية إلى دولة ترعى منظمات المجتمع المدني وتتشارك معها. وهذا التحول، إذا استمر، يحمل تداعيات تتخطى المؤشرات الاقتصادية بعيداً، لتمس مسائل جوهرية تتعلق بفاعلية المواطن وحكم المجتمع لذاته وتعددية المبادرة الاجتماعية. قد يكون هدف 5% من الناتج المحلي الإجمالي بالغ الأهمية، لكن التحول النوعي الذي يُلمّح إليه ربما يكون أكثر أهمية من الرقم ذاته.