الهوية الوطنية في إطار رؤية 2030
تقع الهوية الوطنية والتراث الثقافي في صميم الركيزة الأولى من رؤية 2030؛ “مجتمع حيوي”، إلى جانب الطموحات الاقتصادية الأشهر مثل الناتج المحلي غير النفطي والاستثمار الأجنبي المباشر والمشاريع العملاقة والثروة السيادية. وتعالج هذه الأولوية صون الهوية السعودية واللغة العربية والمواقع التراثية والمشاركة الثقافية والفخر الوطني. وتنطلق من قناعة راسخة بأن التحديث والاستمرارية الثقافية ليسا قوتين متعارضتين، بل ضرورتان متعزّزتان.
تستمد الهوية الوطنية السعودية روافدها من منابع متعددة: العقيدة الإسلامية التي ترسو عليها شرعية الدولة، واللغة العربية وعاءً للموروث الديني والأدبي، والثقافات القبلية والإقليمية التي تنسج النسيج الاجتماعي للمملكة، والسردية التاريخية للتوحيد التي تمنح الدولة الحديثة قصتها التأسيسية.
وزارة الثقافة
مثّل تأسيس وزارة الثقافة عام 2018، المنبثقة من وزارة الثقافة والإعلام السابقة، علامةً فارقة في السياسة الثقافية بالمملكة العربية السعودية. فللمرة الأولى، باتت الثقافة تمتلك تمثيلًا وزاريًا مستقلًا، مُعلِنةً أن الدولة تنظر إلى التنمية الثقافية أولويةَ حوكمة توازي الصحة والتعليم والصناعة.
يُؤطّر الإطار الاستراتيجي للوزارة الثقافةَ قيمةً ذاتية وأصلًا اقتصاديًا في آنٍ واحد. فالصناعات الثقافية والإبداعية تُسهم في الناتج المحلي الإجمالي وتُولّد العمالة وتستقطب السياحة وتُعزّز سمعة المملكة الدولية.
الهيئات الثقافية الإحدى عشرة
يُمثّل إنشاء إحدى عشرة هيئة ثقافية متخصصة أبرز ابتكارات الحوكمة الثقافية السعودية. تُوزّع هذه الهيئات الخبرة والمساءلة عبر الطيف الكامل للنشاط الثقافي:
هيئة التراث السعودية تضطلع بتحديد التراث الثقافي المادي وغير المادي وتوثيقه وصونه وتعزيزه.
هيئة الأدب والنشر والترجمة تُنمّي المنظومة الأدبية السعودية، وتدعم الكُتّاب والناشرين والمترجمين.
هيئة الأفلام السعودية أشرفت على الانفتاح الدراماتيكي لـقطاع السينما وإنتاج الأفلام منذ رفع الحظر عام 2018.
هيئة الموسيقى تدعم تطوير المشهد الموسيقي السعودي عبر مختلف الأجناس.
هيئة العمارة والتصميم تُعنى بالبيئة المبنية بوصفها تعبيرًا ثقافيًا.
هيئة الأزياء تُموضع المملكة العربية السعودية داخل صناعة الأزياء العالمية.
هيئة فنون الطهي توثّق الموروث الطهوي السعودي وتُعزّزه.
تُكمل الهيئات المتبقية المنظومة لتُغطي الفنون البصرية والفنون الأدائية والمتاحف والمكتبات.
الحفاظ على اللغة العربية وتعزيزها
تحتل اللغة العربية مكانةً فريدة في الهوية الوطنية السعودية. فهي لغة القرآن الكريم، ووعاء الفكر الإسلامي الكلاسيكي، واللسان الحيّ لسكان المملكة. وتُدرك رؤية 2030 أن حيوية اللغة العربية لا يمكن أن تُؤخذ مُسلَّمًا بها في عصر العولمة والتواصل الرقمي وهيمنة الإنجليزية في العلوم والتقنية والأعمال.
يُضطلع بجهود الحفاظ عبر مسارات متعددة: تطوير المحتوى الرقمي باللغة العربية، ودعم اللغويات الحاسوبية ومعالجة اللغة العربية الطبيعية، وتعزيز الخط العربي فنًّا حيًّا، وإدراج الموروث الأدبي العربي في المناهج الدراسية.
ويحمل الخط العربي أهميةً خاصة؛ إذ اعترفت اليونسكو به تراثًا ثقافيًا غير مادي للإنسانية، كما استقطب الاستثمار عبر معارض وبرامج تعليمية وأعمال فنية عامة.
صون التراث خارج البيئة المبنية
يمتد التراث الثقافي السعودي إلى ما وراء المباني والمواقع الأثرية. وقد ضطلعت هيئة التراث السعودية ببرنامج منهجي لتوثيق التراث غير المادي، يشمل: رقصة العرضة السيفية، وفن القط العسيري في الجدران (المسجّل في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية)، وتقاليد تحضير القهوة العربية والضيافة.
التنوع الثقافي الإقليمي محور اهتمام خاص؛ إذ تُعامل الهيئة التقاليد المتمايزة لمناطق المملكة الثلاث عشرة — من الموروث البحري في المنطقة الشرقية إلى الأساليب المعمارية في منطقة عسير — أصلًا وطنيًا لا تجانسًا يُراد تسويته.
الفخر الوطني والهوية المدنية
تشمل هذه الأولوية تنمية روح الانتماء الوطني لدى المواطنين السعوديين، ولا سيما الشباب. وقد توسّع اليوم الوطني السعودي وذكرى يوم التأسيس وسائر المناسبات الوطنية وتجدّدت في إطار رؤية 2030.
تضطلع المتاحف والمؤسسات الثقافية بدور محوري. وتُعدّ الدرعية — بوصفها مهدًا لأول دولة سعودية — التعبير الأكثر طموحًا عن هذا النهج، إذ تجمع بين الحفاظ على التراث والضيافة والتجزئة والبرمجة الثقافية.
الدبلوماسية الثقافية الدولية
تتّسم مساعي تنمية الهوية الوطنية بامتداد خارجي؛ إذ انتهجت المملكة استراتيجية دبلوماسية ثقافية أكثر فاعليةً تشمل المشاركة في بيناليات الفن الدولية واستضافة المهرجانات الثقافية وإعارة القطع الأثرية للمتاحف العالمية. وتُجسّد مشروع العلا، المرتكز على الشراكة مع الوكالة الفرنسية لتطوير العلا، هذا النهج — إذ يجمع بين الحفاظ على التراث الأثري والتعاون الثقافي الدولي.
التقييم الاستراتيجي
تحتلّ أولوية الهوية الوطنية والتراث الثقافي مكانةً متميزة ضمن رؤية 2030. فهي الأكثر لا ملموسيةً بين أولويات المملكة الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته الأكثر تطوّرًا مؤسسيًا بفضل وزارة مخصصة وإحدى عشرة هيئة متخصصة والتزام ميزاني.
تقع التحديات المقبلة في العمق والاستدامة أكثر منها في البناء المؤسسي. فالتحوّل الثقافي لا يمكن أن يُفرَض من الأعلى؛ يستلزم مشاركة عضوية من المجتمعات والفنانين والمثقفين والمواطنين. والبنية المؤسسية قائمة، لكن حيوية الحياة الثقافية السعودية ستتوقف في نهاية المطاف على مدى انخراط المواطنين في المنظومة الثقافية التي أرستها رؤية 2030 ومساهمتهم فيها.