اقتصاد مزدهر: برنامج رؤية السعودية 2030 2026
يتتبع هذا الدليل ركيزة “اقتصاد مزدهر” في رؤية السعودية 2030 بوصفها برنامج تنفيذ لعام 2026: نشر رأس مال صندوق الاستثمارات العامة، وإسهام القطاع الخاص في الناتج، والوظائف، والاستثمار الأجنبي المباشر، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والصادرات غير النفطية، وإنشاء قطاعات جديدة. ويربط الدليل مؤشرات الركيزة الرئيسية بالمؤسسات والبرامج المسؤولة عن نقل قاعدة الإيرادات والقدرة الإنتاجية وهيكل التوظيف بعيداً عن الاعتماد على الهيدروكربونات.
وطموح هذه الركيزة طموحٌ شامل؛ إذ يستدعي تحويل صندوق الاستثمارات العامة إلى قوة استثمارية عالمية، ورفع إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 40 في المئة إلى 65 في المئة، وخلق ملايين الوظائف في القطاع الخاص للمواطنين السعوديين، واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر على نطاق واسع، وتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة بوصفها محركات للنمو، وتوسيع الصادرات غير النفطية، وتنشيط قطاعات اقتصادية جديدة كلياً تشمل السياحة والترفيه والتعدين واللوجستيات والاقتصاد الرقمي.
وتُعدّ الأهداف الاقتصادية المضمّنة في الركيزة الثانية من أكثر المؤشرات استشهاداً بها ودقةً في الرصد ضمن إطار رؤية 2030. وهي في الوقت ذاته أكثر المؤشرات تعرضاً بطبيعتها للمتغيرات الخارجية — أسعار السلع الأولية العالمية، وتدفقات رأس المال الدولي، والديناميكيات الجيوسياسية، واتجاهات التكنولوجيا — التي تقع جزئياً أو كلياً خارج نطاق سيطرة المملكة. ويجعل هذا المزيج من الطموح والانكشاف على العوامل الخارجية من الركيزة الثانية البُعدَ الأكثر إلحاحاً في رؤية 2030 من حيث ضرورة التمحيص التحليلي الدقيق.
صندوق الاستثمارات العامة
تفويض التحول
يقف صندوق الاستثمارات العامة باعتباره الفاعل المؤسسي الأكثر تأثيراً في الركيزة الاقتصادية لرؤية 2030. فقد أُسِّس الصندوق عام 1971 في الأصل أداةً لاحتجاز حصص الحكومة في الأسهم المحلية، ثم تحوّل إلى أحد أكبر صناديق الثروة السيادية وأكثرها نشاطاً في العالم، بتفويض يقوم على دفع عجلة التنويع الاقتصادي عبر الاستثمار الاستراتيجي محلياً ودولياً.
وقد نمت أصول الصندوق تحت إدارته من نحو 160 مليار دولار أمريكي عند إطلاق رؤية 2030 إلى 941.3 مليار دولار — ارتفاع ستة أضعاف يعكس مزيجاً من تحويلات رأس المال الحكومية، وعوائد الاستثمار، وإعادة تقييم الحيازات القائمة. ولا يزال الهدف المُعلَن البالغ تريليوني دولار من الأصول تحت الإدارة بحلول عام 2030 من أكثر الأهداف طموحاً في المشهد العالمي لصناديق الثروة السيادية.
استراتيجية الاستثمار المحلي
تسير استراتيجية الاستثمار المحلي لصندوق الاستثمارات العامة عبر ثلاثة قنوات رئيسية.
المشاريع العملاقة — يُعدّ صندوق الاستثمارات العامة المستثمرَ الرئيسياً، وفي أغلب الأحيان المساهمَ الوحيد أو الأغلبية، في المشاريع التحويلية الكبرى في المملكة العربية السعودية. وتشمل هذه المشاريع:
نيوم: مشروع تطوير المدينة المستقبلية البالغة تكلفته 500 مليار دولار في منطقة تبوك، ويضمّ مشروع “ذا لاين” (مدينة خطية بطول 170 كيلومتراً)، وتروجينا (وجهة سياحية جبلية مُصمَّمة لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029)، وأوكساجون (مدينة صناعية عائمة)، وسندالة (منتجع جزيرة فاخر). ويمثّل نيوم أكثر مشاريع التطوير الفردية طموحاً في تاريخ البشرية من حيث الالتزام الرأسمالي.
البحر الأحمر العالمية: تطوير وجهات سياحية فاخرة وصديقة للبيئة على امتداد الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية، تشمل أكثر من 50 جزيرة ومناطق واسعة لصون البيئة البحرية.
قدية: وجهة ترفيهية ورياضية وثقافية بمساحة 366 كيلومتراً مربعاً، تقع جنوب غرب الرياض.
روشن: مطور مجتمعي وطني يُنجز مجمعات سكنية واسعة النطاق في أرجاء المملكة، داعماً بذلك مستهدف تملّك المساكن بصورة مباشرة.
بوابة الدرعية: وجهة تاريخية وثقافية وضيافة وتجزئة تُحيط بموقع التراث العالمي لليونسكو في منطقة البجيري.
إنشاء القطاعات — أسّس صندوق الاستثمارات العامة شركاتٍ مملوكة له بالكامل لتحفيز قطاعات اقتصادية جديدة يكون فيها نشاط القطاع الخاص قاصراً أو منعدماً. وتشمل هذه الكيانات شركات في التصنيع الإلكتروني والسيارات (سيّر والاستثمار في لوسيد موتورز)، والطيران (طيران الرياض)، وتصنيع الفولاذ (إعادة هيكلة الشركة السعودية للحديد والصلب — حديد)، والزراعة وتربية الأحياء المائية، والطاقة المتجددة (حصة في أكوا باور).
الحصص الاستراتيجية — يحتفظ صندوق الاستثمارات العامة بمراكز ملكية جوهرية في كبرى الشركات السعودية، من بينها: أرامكو السعودية، والشركة السعودية للاتصالات (stc)، والبنك الأهلي السعودي، وسابك، ومعادن، إلى جانب محفظة دولية متنامية تمتد عبر قطاعات التكنولوجيا (استثمارات جوهرية في شركات تكنولوجيا عالمية) والألعاب الإلكترونية والبنية التحتية والخدمات المالية.
المحفظة الدولية
يخدم برنامج الاستثمار الدولي لصندوق الاستثمارات العامة أهدافاً متعددة: توليد العوائد لتنمية الأصول تحت الإدارة، وتأمين نقل التكنولوجيا وشراكات المعرفة، وتعزيز موقع المملكة العربية السعودية ضمن شبكات الاستثمار العالمية. وقد أجرى الصندوق استثمارات ملحوظة في قطاعات تشمل السيارات الكهربائية والقيادة الذاتية وتكنولوجيا الفضاء والتكنولوجيا الحيوية والبنية التحتية الرقمية.
وتعمل المحفظة الدولية أيضاً بوصفها جسراً دبلوماسياً وتجارياً، إذ تُرسي علاقات استثمارية ثنائية تدعم أهداف المملكة في السياسة الخارجية والتجارة الدولية بمفهومها الأشمل.
تقييم الأداء
يبدو المسار التصاعدي لصندوق الاستثمارات العامة مثيراً للإعجاب بأي مقياس كان. وقد نجح الصندوق في تنفيذ تفويضه ليصبح مؤسسة استثمارية فاعلة ومنخرطة على المستوى العالمي. غير أن المسير من 941.3 مليار دولار إلى تريليوني دولار في أربع سنوات يُفرز تحدياً رياضياً جسيماً. ويستلزم بلوغ الهدف على الأرجح مزيجاً من تحويلات إضافية لأسهم أرامكو (تحتفظ الحكومة حالياً بنحو 82 في المئة من أرامكو، فيما يملك الصندوق نحو 16 في المئة)، وعوائد استثمارية قوية ومستدامة، وربما استيعاب كيانات استثمارية حكومية أخرى.
وستؤثر ظروف الأسواق، ومسارات أسعار النفط، وأداء مراكز صندوق الاستثمارات العامة المركّزة — لا سيما في الأسهم السعودية والمشاريع العملاقة التي تظل تقييماتها غير محددة بطبيعتها — في النتيجة النهائية.
تنويع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي
التحدي المحوري
يُمثّل تنويع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي الضرورة الوجودية لرؤية 2030. فعند إطلاق الاستراتيجية، كانت عائدات النفط تُشكّل نحو 87 في المئة من إيرادات الحكومة، وكان قطاع الهيدروكربونات يهيمن على تركيبة الناتج المحلي الإجمالي. ويستلزم هدف رفع إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 40 في المئة إلى 65 في المئة، وزيادة حصة الصادرات غير النفطية من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي من 16 في المئة إلى 50 في المئة، إعادة توجيه هيكلية للاقتصاد السعودي على نطاق لم تشهده دول مصدّرة للنفط الكبرى في العقود الأخيرة.
التنمية القطاعية
تستهدف استراتيجية التنويع قطاعات متعددة في آنٍ واحد، مما يعكس اتساع نطاق التحدي، والرغبة في تفادي استبدال الاعتماد على النفط بالاعتماد على قطاع بديل وحيد.
التصنيع والصناعة — يُشرف البرنامج الوطني للتنمية الصناعية والخدمات اللوجستية (NIDLP) على توسيع القاعدة الصناعية للمملكة العربية السعودية. وتشمل المبادرات الرئيسية: تطوير المناطق الاقتصادية الخاصة بمزاياها التنظيمية والضريبية التفضيلية، وتوسيع معالجة المنتجات البتروكيماوية المرحلة النهائية، ونمو قطاع التعدين (الذي سيرد ذكره لاحقاً)، وإنشاء صناعة تصنيع السيارات (سيّر، أول علامة سعودية للسيارات الكهربائية)، وتطوير قدرات التصنيع الدفاعي والفضائي من خلال برنامج الصناعات العسكرية السعودية (SAMI).
ويستوجب هدف رفع إسهام الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي توسيعَ الصناعات القائمة — البتروكيماويات (سابك)، والمعادن (معادن)، ومواد البناء — وإنشاء قطاعات تصنيعية جديدة في الوقت ذاته. وتفرض أجندة التوطين، التي تقودها هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، رفع نسبة السلع والخدمات المُستمَدّة محلياً في المشتريات الحكومية وشبه الحكومية.
التعدين — تمتلك المملكة العربية السعودية ثروة معدنية جوهرية لم تُستثمَر بعد، تشمل الفوسفات والبوكسيت والذهب والنحاس والزنك والعناصر الأرضية النادرة. وتستهدف رؤية 2030 تطوير قطاع التعدين ليصبح ركيزةً ثالثة للاقتصاد إلى جانب النفط والبتروكيماويات، بهدف رفع إسهام هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 64 مليار ريال سعودي إلى 240 مليار ريال بحلول عام 2030.
وقد عصرن نظام الاستثمار التعديني الصادر عام 2020 الإطار التنظيمي لاستقطاب شركات التعدين الدولية. وتضطلع معادن (الشركة السعودية للتعدين)، إحدى شركات محفظة صندوق الاستثمارات العامة، بدور البطل الوطني، بعملياتها الممتدة في الفوسفات والألومنيوم والذهب والمعادن الأساسية. وتوسّع برنامج الاستكشاف ومنح التراخيص توسّعاً ملحوظاً، مع قيام هيئة المساحة الجيولوجية السعودية بإجراء مسوحات منهجية لتحديد الثروة المعدنية للمملكة.
اللوجستيات — يُتيح الموقع الجغرافي للمملكة العربية السعودية — الجامع بين أفريقيا وآسيا وأوروبا بشاطئيه على البحر الأحمر والخليج العربي — ميزةً طبيعية في اللوجستيات وتيسير التجارة. ويُشكّل تطوير مطار الملك سلمان الدولي في الرياض (المصمَّم لاستيعاب 120 مليون مسافر سنوياً)، وتوسعة ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله، وتحديث البنية التحتية للسكك الحديدية (بما يشمل خط السكك الحديدية الشمالي–الجنوبي ومشروع الجسر البري الرابط بين الخليج والبحر الأحمر)، وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة عند العقد النقلية — الأساسَ البنيوي لنمو قطاع اللوجستيات.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للنقل واللوجستيات رفع إسهام قطاع اللوجستيات في الناتج المحلي الإجمالي وتحسين تصنيف المملكة في المؤشرات العالمية للخدمات اللوجستية.
الاقتصاد الرقمي — ضخّت المملكة العربية السعودية استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية ونمو القطاع التكنولوجي. وتشمل هذه الاستثمارات توسيع تغطية الإنترنت بالألياف الضوئية، ونشر شبكات الجيل الخامس (من بين الأوائل عالمياً)، وبناء طاقة الحوسبة السحابية (عبر شراكات مع مزودي الخدمات الكبار، من بينهم Google وOracle وAlibaba Cloud)، وتنمية منظومة الشركات الناشئة التكنولوجية المحلية.
ويدعم نمو الاقتصاد الرقمي البرنامجُ الوطني لتطوير التقنية، وإطلاق مركبات رأس المال الجريء المتخصصة في التكنولوجيا، وإنشاء مراكز الابتكار والحاضنات. وقد شهد القطاع التكنولوجي في المملكة تصاعداً ملحوظاً في استثمارات رأس المال الجريء، مع سعي الرياض إلى ترسيخ موقعها مركزاً تكنولوجياً إقليمياً.
الاستثمار الأجنبي المباشر
الأهمية الاستراتيجية
يُعدّ استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر هدفاً اقتصادياً وآليةً للتحقق من صحة مسار رؤية 2030 في آنٍ معاً. فهدف رفع نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي من 3.8 في المئة إلى 5.7 في المئة يُعبّر عن إدراك بأن رأس المال الأجنبي لا يُوفّر الموارد المالية وحسب، بل ينقل أيضاً التكنولوجيا والخبرة الإدارية والاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.
الإطار المؤسسي
تضطلع وزارة الاستثمار (ميسا)، التي أُنشئت عام 2020 برئاسة الوزير خالد الفالح، بدور المحاور المؤسسي الرئيسي للمستثمرين الأجانب. وتجمع ميسا تحت سقف واحد وظائف تشجيع الاستثمار وتيسيره وترخيصه والرعاية اللاحقة، التي كانت موزعة سابقاً على جهات متعددة.
وتضع الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، التي أُطلقت عام 2021، هدفاً باستقطاب 388 مليار ريال سعودي (ما يعادل نحو 103 مليار دولار أمريكي) من الاستثمار الأجنبي المباشر سنوياً بحلول 2030. وتُحدد الاستراتيجية 18 قطاعاً ذا أولوية لاستقطاب الاستثمار، وتُنشئ فرقاً متخصصة لاستهداف الشركات العالمية الكبرى وصناديق الثروة السيادية.
الإصلاح التنظيمي
أجرت المملكة العربية السعودية إصلاحات تنظيمية مكثفة لتحسين بيئة الاستثمار. وتشمل الإجراءات الرئيسية: إتاحة الملكية الأجنبية بنسبة 100 في المئة في معظم القطاعات (إلغاء الاشتراط السابق للشريك المحلي)، وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة ذات معاملة تنظيمية تفضيلية، وتحديث الأطر القانونية التجارية (بما يشمل أنظمة الإفلاس والمنافسة والملكية الفكرية)، وتبسيط إجراءات منح التراخيص التجارية، وتوسيع آليات حماية المستثمرين.
وقد استوجب برنامج المقر الإقليمي (RHQ)، الذي أُطلق عام 2024، على الشركات متعددة الجنسيات الراغبة في العقود الحكومية السعودية تأسيسَ مقراتها الإقليمية داخل المملكة. واستقطب البرنامج أكثر من 200 شركة متعددة الجنسيات إلى الرياض، ويمثّل تحولاً هيكلياً بشكل ملموس في مقاربة المملكة للانخراط في الأعمال الدولية.
التقدم المُحرَز
ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر منذ انطلاق رؤية 2030، وإن كان بلوغ هدف 5.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي يستلزم استمرار هذا الزخم. وقد أسهم مزيج الإصلاح التنظيمي والاستثمار في البنية التحتية وانفتاح السوق في تحسين تنافسية المملكة في تصنيفات الاستثمار العالمية. ويكمن التحدي في استدامة التدفقات على نطاق واسع في مواجهة المنافسة من وجهات استثمارية إقليمية راسخة، مع إدارة الاحتكاكات العملية التي لا تزال تُصادفها الشركات الأجنبية في مجالات كتنظيم العمل، ومعالجة طلبات التأشيرة، وانتظام تطبيق الأنظمة.
التوظيف والسعودة
سياق سوق العمل
يُفرز سوق العمل السعودي تحدياً هيكلياً مميزاً. فعند إطلاق رؤية 2030، كانت نسبة البطالة بين المواطنين السعوديين تبلغ 11.6 في المئة — مُركَّزة في صفوف الشباب والنساء — بينما كان القطاع الخاص يعتمد اعتماداً كبيراً على العمالة الوافدة الأقل تكلفة. وقد استوجب هذا التناقض الصارخ — ارتفاع بطالة المواطنين في مقابل هيمنة العمالة الأجنبية على سوق العمل — مقاربة إصلاحية شاملة.
إطار السعودة
يُصنّف برنامج نطاقات، الآليةُ الرئيسية للسعودة، شركات القطاع الخاص وفق نسب توظيف السعوديين لديها، ويُطبّق حوافز متدرجة وعقوبات. وتحظى الشركات التي تُحقق مستويات أعلى من السعودة بأولوية في الحصول على حصص التأشيرات والخدمات الحكومية، في حين تواجه الشركات التي تقصر عن الحد الأدنى قيوداً تشغيلية.
وقد صقّلت رؤية 2030 إطار السعودة ووسّعته عبر اشتراطات توظيف قطاعية محددة، وحد أدنى لأجور السعوديين في القطاع الخاص، وإدخال إصلاحات التنقل الوظيفي التي تمنح العمال السعوديين مرونة أكبر في تغيير أصحاب العمل.
الإنجاز الرئيسي
يُمثّل خفض نسبة البطالة بين المواطنين السعوديين إلى 7 في المئة — محققاً هدف 2030 قبل الموعد المحدد — أحد أبرز مخرجات رؤية 2030. وتعكس هذه النتيجة الأثر المتضافر لتوجيهات السعودة، وتوسّع القطاع الخاص، والانضباط في التوظيف في القطاع العام، وانضمام المرأة إلى سوق العمل بمعدلات غير مسبوقة.
مشاركة المرأة في سوق العمل
تتجاوز الزيادة في معدل مشاركة المرأة في سوق العمل من نحو 17 في المئة عند الخط الأساسي إلى 36 في المئة بحلول عام 2025 الهدفَ الأصلي البالغ 30 في المئة بهامش واسع. ويعكس هذا التحول الإصلاحاتِ التشريعية (حق القيادة، وتخفيف اشتراطات الولاية)، وتغييراتِ اللوائح التنظيمية للعمل (بما يشمل فتح قطاعات كانت محظورة على المرأة)، والتطور الاجتماعي في الأعراف والقيم، والبرامجَ المخصصة لتشغيل المرأة.
ويمتد الأثر الاقتصادي لهذا التحول إلى ما هو أبعد من المعدل الرئيسي للمشاركة. إذ تشغل المرأة اليوم مواقع وظيفية عبر قطاعات التجزئة والضيافة والرعاية الصحية والتكنولوجيا والمال والخدمات المهنية — وهي مواقع كانت مغلقة كلياً أو إلى حد بعيد قبل عام 2016. وقد وسّع انضمام المرأة إلى سوق العمل الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وخفّف العبء على رأس الفرد من المستحقات الاجتماعية.
ديناميكيات الأجور والإنتاجية
يظل الفارق في الأجور بين القطاعين العام والخاص تحدياً متواصلاً. فقد كان المواطنون السعوديون في القطاع العام يكسبون تاريخياً أكثر بكثير من نظرائهم في القطاع الخاص، مما أفرز تفضيلاً للتوظيف الحكومي أضعف أهداف التنويع. وقد عالجت رؤية 2030 هذا الخلل من خلال مزيج من اشتراطات الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، ودعم الأجور من صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف)، وضبط التوظيف الحكومي تدريجياً.
وتُعدّ تحسينات إنتاجية العمل ضرورية لاستدامة نمو التوظيف في القطاع الخاص دون الاعتماد إلى أجل غير مسمى على توجيهات السعودة. ويسعى برنامج تنمية القدرات البشرية وتوسيع التدريب التقني والمهني إلى مواءمة مهارات القوى العاملة السعودية مع متطلبات القطاع الخاص، وإن كانت المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات أصحاب العمل لا تزال عملاً جارياً.
المشاريع الصغيرة والمتوسطة
الدور الاستراتيجي
تستهدف رؤية 2030 رفع إسهام المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 20 في المئة عند الخط الأساسي إلى 35 في المئة بحلول عام 2030. ويعكس هذا الهدف الإدراكَ بأن الاقتصاد المتنوع يستلزم قاعدة عريضة من النشاط الريادي، لا مجرد توسّع في الشركات الكبرى والكيانات المرتبطة بالحكومة.
البنية التحتية التمكينية
توسّعت البنية التحتية المؤسسية لدعم تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة توسّعاً ملحوظاً. وتُعدّ منشآت (الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة)، المُنشأة عام 2016، الجهة الحكومية الرئيسية المعنية بسياسات هذه المشاريع ودعمها وتعزيزها. ويشمل تفويضها: تبسيط التنظيم، وتوسيع الحصول على التمويل، وبناء القدرات، وتطوير المنظومة.
وتُوفّر الشركة السعودية للاستثمار الجريء (SVC)، الشركة التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، تمويل مرحلة النمو للشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة السعودية. كما يُوفّر برنامج كفالة ضمانات ائتمانية تُمكّن هذه المشاريع من الحصول على تمويل مصرفي كان سيظل بعيد المنال بسبب محدودية الضمانات.
وعزّزت منصات التكنولوجيا المالية، بما تشمله من حلول الإقراض والدفع الرقمي، وصولَ المشاريع الأصغر إلى الخدمات المالية. وقد أولت برنامج تطوير القطاع المالي عنايةً متعمدة لتعزيز التكنولوجيا المالية باعتبارها مكمّلاً للخدمات المصرفية التقليدية، مع تشغيل ساما بيئةً تجريبية تنظيمية للمنتجات المالية المبتكرة.
التحديات
على الرغم من الدعم المؤسسي الواسع، لا تزال تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة تواجه رياحاً معاكسة مستمرة. فالحصول على التمويل، رغم تحسّنه، لا يزال محدوداً للمشاريع في مراحلها الأولى والمشاريع متناهية الصغر. وأعباء الامتثال التنظيمي، وإن تراجعت، لا تزال تُلقي تكاليف غير متناسبة على الشركات الأصغر. وتُفرز المنافسة مع التكتلات الكبيرة والراسخة العلاقات على العقود الحكومية وحصص السوق مساوئ هيكلية. كما أن التحوّل الثقافي من السعي إلى التوظيف نحو الريادة، وإن كان في طريقه، يستلزم تطوراً جيلياً.
السياحة
إنشاء القطاع
تُمثّل السياحة أوضح مثال على رؤية 2030 وهي تُنشئ قطاعاً اقتصادياً جديداً بالكامل. فقبل عام 2019، لم تكن المملكة العربية السعودية تُصدر تأشيرات سياحية، وكان اقتصاد الزيارات غير الدينية ضئيلاً إلى حد الإهمال. وقد أرست منظومة متكاملة من الإجراءات — إطلاق التأشيرة السياحية في سبتمبر 2019، وتأسيس هيئة السياحة السعودية، وإنشاء صندوق تنمية السياحة، وضخ عشرات المليارات من الدولارات في بنية تحتية للوجهات السياحية — في أقل من سبع سنوات، السياحةَ مُساهِمةً قابلة للقياس ومتنامية في الناتج المحلي الإجمالي.
هندسة الأهداف
تعمل استراتيجية السياحة عبر شرائح متعددة: السياحة الدينية (الحج والعمرة)، والسياحة الترفيهية (الشاطئية والصحراوية والثقافية والمغامرة)، والسياحة التجارية (المؤتمرات والمعارض والفعاليات المؤسسية)، وسياحة الرياضة والترفيه. ويستوعب الهدف المجمّع البالغ 100 مليون زيارة سنوية بحلول 2030 كلاً من الزوار المحليين والدوليين.
الاستثمار في البنية التحتية
يتمركز الاستثمار في بنية تحتية السياحة حول عدة وجهات عملاقة — البحر الأحمر العالمية، وأمالا، والعُلا، والدرعية، ونيوم (سندالة وتروجينا)، وقدية — مع شموله أيضاً ترقية البنية التحتية للسياحة الحضرية في الرياض وجدة وسائر المدن.
ويُشكّل قطاع الطيران ركيزةً محورية في تقديم الخدمة السياحية. فالخطوط السعودية (الناقل الوطني) تُوسّع أسطولها وشبكة رحلاتها، فيما يُصمَّم طيران الرياض — الناقل الجديد المدعوم من صندوق الاستثمارات العامة — لترسيخ الرياض مركزاً للطيران العالمي وتوليد حركة سياحة العبور. ومطار الملك سلمان الدولي بطاقته التصميمية البالغة 120 مليون مسافر هو المرساة البنيوية لهذا الطموح.
ويتوسّع نطاق الإقامة الفندقية بسرعة فائقة عبر شراكات مع العلامات الدولية (ماريوت، وهيلتون، وأكور، وفور سيزونز، وأمان، وسواها) والتطوير المحلي. واستقطب قطاع الضيافة استثمارات أجنبية مباشرة ضخمة، ويُمثّل أحد أسرع شرائح الاقتصاد السعودي نمواً.
إطار الاستدامة
تُدرج استراتيجية تطوير السياحة التزامات صريحة بالاستدامة. وقد أسّس مشروع البحر الأحمر العالمية بصفة خاصة صونَ البيئة ركيزةً تصميمية أساسية، مع التزامات بإعادة تأهيل النظم البيئية البحرية وتحقيق الحياد الكربوني والحد من كثافة التطوير. وسيكون الحفاظ على هذه الالتزامات مع اشتداد الضغوط التجارية اختباراً مهماً لسلامة منهجية الاستراتيجية.
تطوير القطاع المالي
أجندة الإصلاح
يُشرف برنامج تطوير القطاع المالي (FSDP) على تحديث الأسواق المالية السعودية وتعميقها. وتشمل الأهداف الرئيسية: رفع حصة المدفوعات الرقمية، وتعميق أسواق رأس المال وتعزيز سيولتها، وتطوير قطاع التأمين، وتعزيز صناعة إدارة الأصول، وبناء منظومة التكنولوجيا المالية.
أسواق رأس المال
نمت البورصة السعودية (تداول) لتصبح أكبر بورصة في الشرق الأوسط وإحدى الكبرى في أسواق الاقتصادات الناشئة. وتشمل المحطات الرئيسية: إدراج أرامكو السعودية في ديسمبر 2019 — أكبر اكتتاب عام أولي في العالم آنذاك — وانضمام المملكة إلى مؤشري MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، وتطوير سوق نمو (نمو) لإدراج المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وتوسّع إصدار الصكوك توسّعاً ملحوظاً، إذ باتت المملكة العربية السعودية في مصافّ أكبر مُصدِري الصكوك السيادية عالمياً. ويُوفّر تطوير سوق الدين المحلي قناةَ تمويل بديلة لكل من المقترض الحكومي والمؤسسي.
التحديث التنظيمي
تتابع كلٌّ من ساما وهيئة السوق المالية (CMA) مساريْن متوازييْن من التحديث التنظيمي. فإطار الخدمات المصرفية المفتوحة لساما، وبيئتها التجريبية للتكنولوجيا المالية، وترخيصها للبنوك الرقمية البحتة، تدعم الابتكار المالي. كما تدعم إصلاحات هيئة السوق المالية في قواعد الإدراج ولوائح صناعة السوق وأطر حماية المستثمرين تطوير أسواق رأس المال.
المدفوعات الرقمية
يعكس نمو المدفوعات الرقمية — من قاعدة منخفضة لا تتجاوز 20 في المئة من المعاملات نحو هدف 70 في المئة — تغيراً في سلوك المستهلك والاستثمار في البنية التحتية في آنٍ واحد. وتُوفّر شبكة بطاقة مدى للسداد المباشر، ومنصتا STC Pay وغيرها من منصات الدفع عبر الهاتف المحمول، ونظام المدفوعات الآنية، البنيةَ التقنية الداعمة لاقتصاد أقل اعتماداً على النقد.
المآل
تُعدّ الأهداف الاقتصادية للركيزة الثانية الأكثر أهميةً والأشد تعرضاً لعوامل عدم اليقين. ويُثبت تحقيق مستهدفَي البطالة ومشاركة المرأة قبل الموعد المحدد إمكانيةَ التحوّل الهيكلي لسوق العمل. ونمو صندوق الاستثمارات العامة، وإن كان دون المسار المستهدف في نهاية المطاف، يُجسّد تحولاً مؤسسياً حقيقياً. وقد أُنشئت قطاعات السياحة والترفيه والاقتصاد الرقمي أو توسّعت توسعاً جذرياً.
وستختبر السنوات الأربع المقبلة ما إذا كان بالإمكان الإبقاء على هذا الزخم. ويتعين على نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وتوسّع القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة أن تتسارع جميعاً للوصول إلى مستهدفات 2030. ويجب أن تبدأ المشاريع العملاقة في تحقيق عائدات تشغيلية لا مجرد نشاط بنائي. وعلى المملكة أن تتعامل مع حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، وديناميكيات التحول في قطاع الطاقة، والضغوط التنافسية من اقتصادات ناشئة أخرى تسلك مسار الإصلاح.
لم يكتمل التحول الاقتصادي للمملكة العربية السعودية بعد، ولا هو مضمون النتائج. بيد أن حجم توظيف رأس المال والإصلاح المؤسسي والتغيير الهيكلي الذي تحقق بالفعل يُرسي قاعدةً تضع المملكة، مع استمرار انضباط التنفيذ، في موقف يؤهّلها بجدية لمستقبل ما بعد النفط.