يمثّل سوق الحوسبة السحابية في المملكة العربية السعودية إحدى قصص البنية التحتية المحورية في رؤية 2030، مدفوعاً باستثمارات مزودي السحابة العالميين، وسياسة السحابة أولاً الحكومية، وتبنّي المؤسسات في قطاعات المصارف والرعاية الصحية والتجزئة والقطاع الصناعي. وأفضى التقاطع بين متطلبات سيادة البيانات والطلب المتنامي على الحوسبة إلى استقطاب مليارات الدولارات من الاستثمار في البنية التحتية، مُرسِّخاً مكانة المملكة مركزاً رئيسياً للحوسبة السحابية في الشرق الأوسط، مدعوماً باستثمار البنية التحتية لمراكز البيانات.
دخول المزوّدين الضخمين والاستثمار في البنية التحتية
أسّست Google Cloud منطقتها السحابية في المملكة العربية السعودية عام 2023، نشرت فيها مناطق توافر متعددة في منطقة الدمام مع خطط للتوسع إلى مواقع إضافية. يُوفر الاستثمار الذي تتجاوز قيمته مليار دولار أمريكي خدمات Google Cloud Platform بما فيها Compute Engine وBigQuery وKubernetes Engine وخدمات الذكاء الاصطناعي/التعلم الآلي مع إقامة البيانات داخل المملكة.
افتتحت Oracle منطقتها السحابية في جدة ضمن توسع شامل في الشرق الأوسط، مقدِّمةً خدمات Oracle Cloud Infrastructure (OCI) بما فيها قاعدة البيانات ذاتية التشغيل والحوسبة والتخزين وخدمات التطبيقات. يُعالج توجيه Oracle التمييزي نحو تطبيقات المؤسسات، لا سيما مجموعات ERP وHCM السحابية، السوق السعودية الضخمة لبرمجيات المؤسسات.
أطلقت Amazon Web Services (AWS) بنيتها التحتية للمنطقة المحلية في الرياض مع الإبقاء على منطقتها الرئيسية في الشرق الأوسط في البحرين، مُعلنةً اهتماماً بتوسيع بنيتها التحتية السعودية استجابةً لمتطلبات العملاء لمعالجة البيانات داخل المملكة.
تعمل Microsoft Azure عبر مناطقها الإماراتية القاعدة مع اتصالية سعودية متنامية، مع التخطيط لبنية تحتية سحابية سعودية مخصصة. يُخلق التموضع المتكامل لـ Microsoft عبر خدمات Azure وMicrosoft 365 وDynamics 365 وPower Platform عرضاً مُقنعاً للمؤسسات المستثمرة في المنظومة البيئية لـ Microsoft.
أسّس كلٌّ من Alibaba Cloud وHuawei Cloud وغيرهما من المزوّدين الدوليين مستويات متفاوتة من الحضور في السوق السعودية، مما يُضيف ضغطاً تنافسياً ويوسع خيارات العملاء. طوّر مزوّدو الخدمات السحابية المحليون بمن فيهم STC Cloud وموبايلي وزين خدمات سحابية محلية، كثيراً في شراكة مع شركات تقنية دولية.
سيادة البيانات والإطار التنظيمي
كانت سيادة البيانات المحرك الجوهري للاستثمار في البنية التحتية السحابية بالمملكة. أرست الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA) متطلبات تنظيمية للحوسبة السحابية تُلزم بإقامة البيانات لتصنيفات بيانية محددة، لا سيما البيانات الحكومية والبيانات الشخصية للمواطنين السعوديين.
يُصنّف إطار تنظيم الحوسبة السحابية الذي طوّرته هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية والهيئة الوطنية للأمن السيبراني مشتركاً البياناتِ إلى مستويات مع متطلبات تخزين ومعالجة مقابلة لها. يجب تخزين ومعالجة بيانات المستوى الأول، التي تشمل أكثر المعلومات الحكومية والشخصية حساسية، داخل المملكة. في حين تتيح المستويات الأقل حساسية درجات متفاوتة من المعالجة العابرة للحدود.
كانت هذه المتطلبات المحفّز الأساسي لاستثمارات المزوّدين الضخمين في البنية التحتية المحلية لمراكز البيانات. يتعيّن على مزوّدي الخدمات السحابية الراغبين في خدمة العملاء الحكوميين والصناعات الخاضعة للتنظيم إثباتُ الامتثال لمتطلبات إقامة البيانات وشهادات الأمان والمعايير التشغيلية.
انتهجت الحكومة سياسة السحابة أولاً للمشاريع التقنية الجديدة، مُلزِمةً الجهات الحكومية بتقييم الحلول السحابية قبل النظر في البدائل المحلية. عجّلت هذه السياسة من تبنّي الحكومة للسحابة وأوجدت سوقاً مُستهدَفاً ضخماً لمزوّدي الخدمات السحابية.
تبنّي المؤسسات للحوسبة السحابية
سار تبنّي المؤسسات السعودية للحوسبة السحابية وفق منحنى نضج متصاعد، حيث تقود المؤسسات الكبرى والجهات الحكومية التبنّي فيما تهاجر شركات السوق المتوسطة بصورة متزايدة لنقل أعباء عملها. تجاوزت مصروفات المنظمات السعودية على الحوسبة السحابية 15 مليار ريال سعودي في 2025، بمعدلات نمو تتخطى 25 بالمئة سنوياً.
كان القطاع المصرفي من أبرز المتبنّين للسحابة، إذ نقلت كبرى البنوك أعباء العمل غير الجوهرية إلى السحابة العامة مع الإبقاء على أنظمة الخدمات المصرفية الأساسية محلياً أو في بيئات السحابة الخاصة. وفّرت إرشادات ساما للحوسبة السحابية إطاراً تنظيمياً يُتيح التبنّي المصرفي للسحابة مع معالجة متطلبات الأمان والصمود الخاصة بالقطاع المالي.
تسارع تبنّي الرعاية الصحية للسحابة، مدفوعاً بطرح السجلات الصحية الإلكترونية ومنصات الطب عن بُعد ومتطلبات تخزين التصوير الطبي. تضمّن الاستراتيجية الصحية الرقمية لوزارة الصحة البنيةَ التحتية السحابية عنصراً تأسيسياً، مع معالجة متطلبات حوكمة بيانات المرضى عبر المناطق السحابية المحلية.
يُمثّل قطاع النفط والغاز فرصة سحابية ضخمة. نشرت Aramco أكبر مؤسسات المملكة الخدماتِ السحابية لتحليلات البيانات وأعباء عمل المحاكاة والتطبيقات المؤسسية. يستعين برنامج الثورة الصناعية الرابعة للشركة بالبنية التحتية السحابية لمعالجة بيانات إنترنت الأشياء وتحليلات الصيانة التنبؤية وتطوير التوائم الرقمية.
اعتمدت شركات التجزئة والتجارة الإلكترونية الخدماتِ السحابية لبنية الويب القابلة للتوسع وتحليلات البيانات وتخصيص تجربة العملاء. تُفرز أنماط الحركة المرورية الموسمية المرتبطة بفعاليات مثل موسم الرياض ومهرجانات التسوق طلباً متغيراً تستوعبه البنية التحتية السحابية بكفاءة.
نماذج الخدمة السحابية وتوزيع أعباء العمل
تهيمن البنية التحتية كخدمة (IaaS) على الإنفاق السعودي على السحابة، مما يعكس هجرة أعباء عمل الحوسبة والتخزين والشبكات من مراكز البيانات المحلية. توفر مثيلات الآلات الافتراضية وتخزين الكتل والشبكات الافتراضية الأساسَ لعمليات النشر السحابي المؤسسي.
يتنامى تبنّي المنصة كخدمة (PaaS)، إذ تستأثر خدمات قواعد البيانات ومنصات تطوير التطبيقات وخدمات تنسيق الحاويات باعتماد المطوّرين المتزايد. تُخفف خدمات Kubernetes المُدارة والحوسبة بدون خوادم ومنصات إدارة واجهات برمجة التطبيقات من تعقيد تطوير التطبيقات وتُسرّع طرحها في السوق.
حقّق البرمجيات كخدمة (SaaS) انتشاراً واسعاً عبر وظائف المؤسسات. تنتشر مجموعات الإنتاجية (Microsoft 365 وGoogle Workspace) وإدارة علاقات العملاء (Salesforce) وتخطيط موارد المؤسسة (SAP S/4HANA Cloud وOracle Cloud ERP) ومنصات إدارة رأس المال البشري على نطاق واسع.
تُشيع استراتيجيات السحابة المتعددة بصورة متزايدة في المؤسسات السعودية الكبرى، إذ تنشر المنظمات أعباء العمل عبر مزوّدين سحابيين متعددين تحاشياً للارتهان لمورّد واحد وتحسيناً للأداء والاستفادة من قدرات خاصة بكل مزوّد. تُيسّر منصات إدارة السحابة والمعماريات القائمة على الحاويات إمكانية نقل أعباء العمل عبر البيئات السحابية.
الكفاءات والكفاءات البشرية
تُمثّل مهارات الحوسبة السحابية فجوةً حرجة في الكفاءات بالسوق السعودية. أوجدت الوتيرة المتسارعة لتبنّي السحابة طلباً على مهندسي البنية السحابية ومهندسي DevOps ومهندسي البيانات ومتخصصي الأمن يتجاوز العرض المحلي. شهدت برامج شهادات الحوسبة السحابية من AWS وGoogle Cloud وMicrosoft وOracle تزايداً في الالتحاق، يحصل معها آلاف المهنيين السعوديين على شهادات سنوياً.
حُدِّثت مناهج الجامعات لتضمين محتوى الحوسبة السحابية، مع إبرام شراكات بين مزوّدي السحابة والجامعات السعودية توفر مختبرات سحابية ومواد تدريبية وقسائم شهادات. تقدم الأكاديمية السعودية الرقمية ومزوّدو التدريب الخاص برامج مهارات سحابية مكثفة تستهدف من يتحولون مهنياً والمهنيين في مجال التقنية.
تُضيف متطلبات السعودة في قطاع التقنية تعقيداً إضافياً، إذ يتعيّن على مزوّدي الخدمات السحابية وأقسام تقنية المعلومات المؤسسية تطوير الكفاءات الوطنية مع صون جودة الخدمة ووتيرة الابتكار.
الخدمات المُدارة والتكامل مع الأنظمة
تضمّ المنظومة السحابية مجتمعاً متنامياً من مزوّدي الخدمات المُدارة ومتكاملي الأنظمة وشركات الاستشارات السحابية. يُحافظ المتكاملون الدوليون للأنظمة بما فيهم Accenture وDeloitte وIBM Consulting وWipro على عمليات سعودية كبيرة مُركّزة على هجرة السحابة وتحديث التطبيقات والخدمات المُدارة.
طوّرت شركات التقنية ذات المقر السعودي تخصصات سحابية، مُوفِّرةً خدمات استشارية وتطبيقية وخدمات مُدارة مُحلَّقة. تجمع هذه الشركات القدرات التقنية السحابية مع فهم الممارسات التجارية السعودية والمتطلبات التنظيمية والسياق الثقافي.
توسّعت عروض أسواق السحابة بحلول مُهيّأة مسبقاً لحالات استخدام سعودية محددة تشمل الخدمات الحكومية الرقمية وأنظمة الرعاية الصحية وامتثال الخدمات المالية والتطبيقات بالعربية. تُقلص هذه الحلول الجاهزة الوقت والتكلفة اللازمَين للتطبيق وفق أنماط النشر الشائعة.
التحديات
تظل الاتصالية الشبكية وكمون الشبكة اعتبارَين قائمَين. على الرغم من التحسن الملحوظ في الاتصالية الدولية، تتباين جودة اتصالية الميل الأخير إلى المواقع المؤسسية وتكلفتها. تُقلص المناطق السحابية المحلية الكمون لأعباء العمل السعودية، غير أن المعماريات الهجينة التي تربط البيئات المحلية والسحابية تستلزم اتصالية موثوقة عالية النطاق الترددي.
برزت إدارة التكاليف مجالَ تركيز مع توسع عمليات النشر السحابي. واجهت المنظمات التي نقلت أعباء العمل إلى السحابة دون تحسين المعمارية أو تطبيق حوكمة التكاليف إنفاقاً أعلى مما هو متوقع. وغدت أدوات إدارة تكاليف السحابة واستراتيجيات المثيلات المحجوزة وتحسين المعمارية ممارسات معيارية لدى متبنّي السحابة الناضجين.
يتصاعد تعقيد الأمان والامتثال في عمليات النشر متعدد السحابة. يستلزم ضمان سياسات الأمان المتسقة وإدارة الهوية ورصد الامتثال عبر بيئات سحابية متعددة أدوات متطورة وكفاءات متخصصة.
التوقعات
يُتوقع أن يتجاوز سوق الحوسبة السحابية في المملكة العربية السعودية 30 مليار ريال سعودي من الإنفاق السنوي بحلول 2030، مدفوعاً باستمرار هجرة المؤسسات وسياسات السحابة أولاً الحكومية وتوسع تطوير التطبيقات السحابية الأصيلة. سيدعم توافر المناطق السحابية للمزوّدين الضخمين محلياً إلى جانب تحسّن توافر الكفاءات ونضج ممارسات إدارة السحابة تواصل التبني المتسارع.
ستُمدّ الحوسبة الطرفية قدرات السحابة إلى مواقع موزعة، داعمةً عمليات نشر إنترنت الأشياء وتطبيقات المدن الذكية ومتطلبات المعالجة الفورية. سيُرسي تقاطع الحوسبة السحابية والطرفية مع أعباء عمل الذكاء الاصطناعي الأساسَ التحتي لطموحات المملكة في الاقتصاد الرقمي، مُرسِّخاً مكانة المملكة مركزاً إقليمياً للخدمات التقنية المُقدَّمة سحابياً.