نظرة عامة
الهيئة الملكية لمحافظة العُلا هي الجهة التي تقود مؤشرات أداء العُلا في السياحة والتراث: نمو الزوار، وصون المواقع الأثرية، وفرص العمل المحلية، والاستدامة، وتسليم الاستثمارات. أُسِّست الهيئة بموجب مرسوم ملكي في يوليو 2017 بمهمة صون وتطوير منطقة العُلا في شمال غرب المملكة العربية السعودية وجهةً عالمية للتراث الثقافي والطبيعة والسياحة المستدامة.
تعمل الهيئة بوصفها هيئةً مستقلة ترفع تقاريرها مباشرةً إلى ولي العهد، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية الموصولة بتطوير العُلا في إطار رؤية 2030 الأوسع.
تحتضن العُلا بعض أبرز الأصول الأثرية والتراثية الطبيعية في شبه الجزيرة العربية، من بينها الحِجر (مدائن صالح القديمة) أول موقع سعودي مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. المشهد الطبيعي الاستثنائي للمنطقة بتشكيلاته الحجرية الرملية وهضابه البركانية ووديان واحاته يحمل آثار سكن بشري يمتد لآلاف السنين، مُنتِجاً سجلاً أثرياً متعدد الطبقات يمتد عبر حضارات الدادانيين واللحيانيين والأنباط.
منطقة العُلا
تمتد منطقة العُلا على نحو 22,561 كيلومتراً مربعاً من محافظة المدينة المنورة، محتضنةً مشهداً طبيعياً آسراً من الصحراء والجبال والوديان والواحات الزراعية. يتمركز السكان المعاصرون في مدينة العُلا، المجتمع الصغير الذي كان تاريخياً مستوطنةً زراعية ومحطة عبور للحجاج المتوجهين إلى المدينة المنورة.
تكمن أهمية المنطقة في توليفتها الفريدة من الأصول الأثرية والتاريخية والطبيعية. قليلة هي المواقع في العالم التي تُقدِّم مثل هذه الكثافة من التراث في مثل هذا الإطار الطبيعي المبهر. إن التاريخ المتراكم للسكن البشري، من النقوش الصخرية ما قبل التاريخية إلى ممالك دَدان ولحيان القديمة وصولاً إلى الحضارة النبطية والعصر الإسلامي، يُنتج روايةً ذات عمق وثراء استثنائيَّين.
الحِجر والتراث الأثري
الحِجر، المعروف عربياً بمدائن صالح، هو تاج تراث العُلا الأثري؛ هذه المدينة النبطية القديمة، التي هي النظير الجنوبي للبتراء في الأردن، تضم أكثر من مئة مقبرة صخرية ضخمة محفورة في النتوءات الحجرية الرملية، إلى جانب آبار وقنوات مائية ونقوش وبقايا أخرى لتجمع حضري راقٍ ازدهر في القرون الأولى قبل الميلاد وبعده.
أُدرج الحِجر على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، ليغدو أول موقع في المملكة العربية السعودية ينال هذا التصنيف. اعترف الإدراج بالقيمة العالمية الاستثنائية للحِجر بوصفه أكبر موقع محفوظ للحضارة النبطية جنوبي البتراء ومثالاً استثنائياً على الإنجازات المعمارية والهندسة الهيدروليكية للأنباط.
فضلاً عن الحِجر، تحتضن منطقة العُلا مواقع أثرية عديدة بالغة الأهمية؛ يضم دَدان عاصمة الممالك الدادانية واللحيانية القديمة مقابر منحوتة ونقوشاً وبقايا نحتية تسبق الحقبة النبطية. يحتوي جبل إكمه، المعروف بالمكتبة المفتوحة في المملكة، آلاف النقوش الصخرية بلغات قديمة متعددة. تُمثِّل البلدة القديمة في العُلا بمنشآتها الطينية المتلاصقة المؤرخة للحقبة الإسلامية طبقة تراثية أحدث لا تقل قيمةً.
إطار التطوير
يسترشد إطار تطوير الهيئة بمبدأ أن منطقة العُلا يجب أن تُطوَّر بوصفها متحفاً حياً تتعايش فيه الحماية التراثية وتنمية المجتمع والسياحة وتتكامل في علاقة مستدامة ومتبادلة التعزيز. هذا النهج يُميِّز مشروع العُلا عن نماذج تطوير السياحة التقليدية التي تُقدِّم البنية التحتية لاستقبال الزوار على حساب النزاهة التراثية ورفاه المجتمع.
تُتصوَّر في المخطط الرئيسي للعُلا، المُطوَّر بشراكة مع الوكالة الفرنسية لتطوير العُلا (AFALULA) بموجب اتفاقية ثنائية بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، إقامة وجهة سياحية ثقافية على مستوى عالمي تستقبل الزوار مع حماية المواقع الأثرية والمشاهد الطبيعية والمجتمعات المحلية التي تمنح المنطقة طابعها المتميز.
يُرسي إطار التطوير أحياءً ثقافية حول المواقع الأثرية الكبرى، يُزوَّد كل منها ببنية تحتية لاستقبال الزوار ومرافق التفسير وخطط إدارة الحفاظ. تربط المسارات التراثية والطبيعية هذه الأحياء ببعضها خالقةً تجربة غامرة تشجع الزوار على استكشاف أصول المنطقة على مدى أيام متعددة بدلاً من اجتيازها في زيارة يومية واحدة.
البنية التحتية السياحية
أشرفت الهيئة على تطوير البنية التحتية السياحية شاملةً منتجعات فاخرة وإقامات بوتيكية ومراكز للزوار ومرافق للنقل. جرى تطوير أول مطار دولي للمنطقة بوصلات مباشرة مع كبريات المدن السعودية وعدد من الوجهات الدولية لتحسين إمكانية الوصول.
تُولي استراتيجية الإقامة منشآت ذات كثافة بنائية منخفضة وحساسة بيئياً تُكمِّل المشهد الطبيعي دون أن تهيمن عليه. استُقطبت عدة علامات ضيافة فاخرة عالمية إلى المنطقة بمنشآت مُصمَّمة لتندمج مع البيئة الطبيعية والثقافية. توفر مفاهيم التخييم الفاخر والمنتجعات البيئية خيارات إضافية تتوافق مع تأكيد المنطقة على السياحة الطبيعية والتراثية.
تصميم تجربة الزوار محور التوجه في نهج الهيئة؛ إذ يُثري البرنامج الثقافي المتضمِّن مهرجانات الفنون والجولات الأثرية وتجارب رصد النجوم والمشي في الطبيعة والفعاليات الطهوية تجربةَ الزائر ما وراء المشاهدة السلبية للمواقع التراثية. استقطب مهرجان طنطورة ومهرجان العُلا للفنون اهتماماً دولياً وأثبتا قدرة المنطقة على استضافة فعاليات ثقافية رفيعة المستوى.
الحفاظ البيئي والاستدامة
الحفاظ البيئي مبدأ تأسيسي في تطوير العُلا. أنشأت الهيئة محمية شرعان الطبيعية التي تمتد على مساحة كبيرة من منطقة العُلا وتُخصَّص لحماية النظام البيئي العربي وإعادة تأهيله. أعادت برامج إعادة التوطين البيئي الأنواع الأصلية، بما فيها النمر العربي، إلى موائل كانت قد اختفت منها محلياً.
برنامج النمر العربي ذو أهمية خاصة؛ إذ يُمثِّل هذا النوع المهدَّد بالانقراض بشدة أولويةً حفظ بيولوجي رئيسية للهيئة، وتأسيس مركز التكاثر والموئل المحمي في العُلا يُعدّ أحد أكثر برامج إنقاذ الأنواع المهددة طموحاً في الشرق الأوسط.
ترسيخ الحفاظ على المياه ونشر الطاقة المتجددة وإدارة النفايات المستدامة في إطار التطوير؛ إذ التزمت الهيئة بضمان أن تطوير العُلا لن يُضرَّ بالنزاهة البيئية للمشاهد الطبيعية وموارد المياه والتنوع البيولوجي في المنطقة.
تنمية المجتمع
تُدرك الهيئة أن التنمية المستدامة للعُلا تتوقف على انخراط المجتمعات المحلية والإفادة منها. تشمل برامج تنمية المجتمع تحسين الإسكان والفرص التعليمية وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية وإيجاد فرص العمل والحفاظ على المعرفة والمهارات التقليدية.
تُعدّ البرامج التدريبية سكانَ العُلا للعمل في السياحة والضيافة وإدارة التراث والحفاظ، ضامنةً أن تتدفق الفوائد الاقتصادية من التطوير إلى السكان المحليين. تُوثِّق البرامج الثقافية التقاليد والحرف والممارسات الزراعية المحلية وتحتفي بها، مُدمِجةً تراث المجتمع في التجربة الشاملة للزوار.
الشراكات الدولية
يستفيد تطوير العُلا من شراكات دولية واسعة؛ إذ تنص اتفاقية الشراكة مع فرنسا الموقَّعة عام 2018 على التعاون في الآثار وتطوير المتاحف والسياحة والبرمجة الثقافية والحفاظ. أسهمت المؤسسات الفرنسية كمتحف اللوفر ومعهد العالم العربي والمعهد الوطني للبحوث الأثرية الوقائية (INRAP) بالخبرات في إدارة تراث العُلا والبرمجة الثقافية.
توفِّر الشراكات الإضافية مع الجامعات الدولية ومنظمات الحفاظ والمؤسسات الثقافية خبرات تقنية وقدرات بحثية وشبكات عالمية ترفع من جودة ومصداقية تطوير العُلا.
التوقعات
أرست الهيئة الملكية لمحافظة العُلا نموذج تطوير يُوازن بين الحفاظ التراثي والتنمية الاقتصادية بطرائق تضع معايير جديدة للسياحة الثقافية على مستوى عالمي. الأصول الأثرية الاستثنائية للمنطقة ومشهدها الطبيعي الآسر وجودة إطار التطوير تُرسِّخ العُلا بوصفها إحدى أكثر الوجهات السياحية الناشئة إثارةً للاهتمام في العالم.
تشمل التحديات المقبلة توسيع العمليات السياحية مع الحفاظ على النزاهة التراثية، وبناء طاقة كافية في الإقامة والنقل لاستيعاب الطلب المتوقع من الزوار، وتطوير قوى عاملة محلية ماهرة، وضمان التوزيع المنصف للمنافع الاقتصادية للسياحة داخل المجتمع المحلي. يُوفِّر سجل الهيئة منذ 2017 والمستوى الدولي لشراكاتها أسباباً للثقة بأن هذه التحديات ستُعالَج مع مواصلة العُلا تحولها من كنز خفي إلى وجهة تراثية ذائعة الصيت عالمياً.