GAMI السعودية: الصناعات الدفاعية ورؤية 2030
GAMI السعودية، أي الهيئة العامة للصناعات العسكرية، هي الجهة التنظيمية والتنموية المسؤولة عن استراتيجية توطين الصناعات الدفاعية في المملكة ضمن رؤية 2030. أُسِّست الهيئة عام 2017 بهدف مركزي يتمثل في توطين 50 بالمئة من الإنفاق العسكري بحلول 2030 وبناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية مكتفية ذاتياً.
تعمل الهيئة وفق ولاية متعددة الأبعاد في آنٍ واحد: تنظيمية وتنموية وتجارية؛ فهي ترخّص شركات الدفاع وتنظّم القطاع وتطوّر الاستراتيجية الصناعية وتُروّج للمملكة وجهةً للتصنيع الدفاعي ومشاركاً في سوق تصدير الأسلحة.
تُصنَّف المملكة العربية السعودية من أكثر دول العالم إنفاقاً على التسليح، إذ تراوحت ميزانيتها الدفاعية السنوية تاريخياً بين 50 و80 مليار دولار، ما يضعها ضمن أعلى خمس أو ست دول إنفاقاً دفاعياً في العالم. غير أنه قبل تأسيس الهيئة، كان يُستورد نحو 98 بالمئة من المشتريات العسكرية من موردين دوليين، مع حضور محلي مقتصر على أنشطة الصيانة والإصلاح والتحديث وإنتاج الذخيرة على نطاق محدود. والمنطق الاقتصادي للتوطين مقنع: فإعادة توجيه حتى جزء من هذا الإنفاق نحو الشركات المصنّعة المحلية يمكن أن يُوجِد عشرات الآلاف من فرص العمل ذات المهارة العالية ويُرسّخ تجمعات صناعية جديدة في الاقتصاد السعودي.
الحوكمة والولاية
تترأس الهيئة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بصفته وزيراً للدفاع، مما يعكس الأولوية الاستراتيجية التي تُوليها المملكة للتصنيع الدفاعي. وترفع الهيئة تقاريرها إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وتعمل وفق ولاية تشمل أربع وظائف جوهرية: تنظيم القطاع والترخيص، والتنمية الصناعية والتوطين، والبحث والتطوير التكنولوجي، وترويج الصادرات.
تشمل الوظيفة التنظيمية ترخيص شركات الدفاع وإرساء المعايير التقنية ومتطلبات إدارة الجودة وإدارة برامج التعويض. وقد أصدرت الهيئة تراخيص تصنيع دفاعية لعدد متنامٍ من الشركات والمشاريع المشتركة المحلية، مُوجِدةً الإطار القانوني والمؤسسي لقطاع لم يكن له وجود على المستوى التجاري قبل عام 2017.
استراتيجية التوطين
يُشكّل هدف توطين 50 بالمئة من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030 حجر الزاوية في عمل الهيئة. ويشمل هذا الهدف الطيف الكامل من المتطلبات الدفاعية: منظومات الأسلحة والذخائر والمركبات العسكرية والسفن البحرية والمنظومات غير المأهولة ومعدات الحرب الإلكترونية وحلول الأمن السيبراني وأنظمة القيادة والسيطرة والصيانة والاستدامة والتدريب والمحاكاة.
تعمل استراتيجية التوطين عبر آليات متعددة. يُقيم التصنيع المباشر إنتاجاً للمعدات الدفاعية داخل المملكة، سواء عبر شركات سعودية مملوكة بالكامل أو مشاريع مشتركة مع كبرى الشركات الدفاعية الدولية. وتضطلع الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي)، إحدى شركات محفظة صندوق الاستثمارات العامة، بدور بطل الدولة الوطني، عبر شركاتها التابعة وشراكاتها التي تمتد لتشمل الفضاء والأنظمة البرية والأسلحة والصواريخ والإلكترونيات الدفاعية. وقد أسّست شراكات سامي مع الشركات الدولية الكبرى عمليات تصنيع وتجميع للمركبات العسكرية والذخائر والأنظمة الإلكترونية داخل المملكة.
تلزم اتفاقيات نقل التكنولوجيا المُرفقة بعقود الشراء الكبرى الموردين الدوليين بإنشاء منشآت تصنيعية ونقل المعرفة التقنية وتطوير قدرات القوى العاملة السعودية شرطاً للفوز بالعقود. ويُحاكي هذا النهج برامج التعويض والتوطين التي تعتمدها دول التصنيع الدفاعي الأخرى بما فيها الإمارات والهند وتركيا وكوريا الجنوبية.
المنظومة الصناعية
أشرفت الهيئة على تطوير منظومة صناعية دفاعية متنامية. وإلى جانب سامي، يضم القطاع شركة الإلكترونيات المتقدمة التي تُنتج أنظمة الاتصالات العسكرية والحرب الإلكترونية، وإنترا ديفنس تكنولوجيز المتخصصة في المركبات المدرعة، وعدداً متنامياً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تُورّد مكوّنات وخدمات وقدرات متخصصة في سلاسل التوريد الدفاعية.
يوفر إنشاء مناطق صناعية مخصصة للدفاع ودمج التصنيع الدفاعي في تطوير المدن الصناعية الأشمل بنيةً تحتية مادية للقطاع. وتُسهم مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) والمراكز البحثية التابعة للجامعات في توفير قدرة البحث والتطوير، وإن كان دورة نضج التكنولوجيا في المنظومات الدفاعية تستغرق عادةً عقوداً لا سنوات.
تنمية الكوادر البشرية
يُعدّ بناء قوى عاملة في مجال الصناعات الدفاعية من أشد أهداف الهيئة تحدياً. فالتصنيع والهندسة الدفاعيان يستلزمان خبرةً متعمقة في علم المعادن والدفع الصاروخي والإلكترونيات الجوية وهندسة البرمجيات وتكامل المنظومات وتخصصات ضمان الجودة، وهي تخصصات لا يمكن بناؤها عبر برامج تدريبية قصيرة الأمد. وقد تشاركت الهيئة مع شركات دفاعية دولية لإنشاء أكاديميات تدريبية، ورعت مهندسين وفنيين سعوديين في مواضع بمنشآت دفاعية خارج المملكة، وعملت مع الجامعات السعودية لتطوير مناهج هندسية وعلوم حاسب ذات صلة بالدفاع.
يُوجِد الجدول الزمني لتنمية كوادر القطاع توتراً مع هدف التوطين لعام 2030. فبينما يمكن شغل أدوار التجميع والصيانة والتصنيع من المستوى الأدنى بسرعة نسبية، تستلزم قدرات هندسة التصميم وتكامل المنظومات التي تُمثّل أعلى القيمة المضافة في التصنيع الدفاعي استثماراً في رأس المال البشري يمتد عبر الأجيال.
طموحات التصدير
تمتد ولاية الهيئة لتتخطى إحلال الواردات نحو تطوير المملكة مُصدِّراً للمعدات الدفاعية. وتوفر العلاقات الاستراتيجية للمملكة في العالم العربي وأفريقيا وجنوب آسيا أسواقاً تصديرية محتملة للمعدات العسكرية المصنّعة سعودياً، وقد شاركت الهيئة في معارض دفاعية دولية لإبراز قدرات الصناعة الدفاعية السعودية.
رسّخ معرض العالم للدفاع، المعرض الدفاعي الذي يُنظَّم كل عامين في الرياض وتُشرف عليه الهيئة، مكانته حدثاً بارزاً في التقويم العالمي للصناعة الدفاعية، مستقطباً مشاركة كبرى الشركات الدفاعية الدولية وموفراً منصةً لإبراز القدرات المتوسعة للصناعة السعودية أمام العملاء والشركاء المحتملين.
التحديات وعوامل المخاطرة
يواجه برنامج توطين الدفاع تحديات هيكلية تشمل: الفجوة التكنولوجية بين الصناعة السعودية وأمم التصنيع الدفاعي الراسخة، وطول دورات التطوير لمنظومات التسليح الرئيسية، وكثافة رأس المال المطلوب لإنشاء منشآت إنتاج معدات معقدة، والتنافس على الكفاءات الهندسية مع قطاعات أولوية أخرى في رؤية 2030. وتُضاف إلى ذلك اعتبارات جيوسياسية تشمل قيود تصدير الأسلحة التي تفرضها بعض دول الموردين وتعقيدات السمعة المرتبطة بالعمليات العسكرية للمملكة.
التوقعات
سيُحدد مسار الهيئة حتى عام 2030 مدى قدرة المملكة على تحويل مكانتها بوصفها مستورداً رئيسياً للتسليح إلى قدرة صناعية دفاعية مكتفية ذاتياً. فهدف توطين 50 بالمئة طموح بالمعايير الدولية، وبلوغه يستلزم استثماراً مستداماً والصبر على جداول نضج التكنولوجيا ومواصلة الشراكات مع كبرى الشركات الدفاعية الدولية. وإذا نجحت هذه المساعي، ستُمثّل القاعدة الصناعية الدفاعية أحد إنجازات رؤية 2030 الأشد أهمية استراتيجية: إيجاد قطاع صناعي عالي التقنية يُعزز الأمن الوطني ويُوجِد فرص عمل ذات مهارة عالية ويُخفّض التدفقات الخارجة من النقد الأجنبي ويُولّد عائدات التصدير في آنٍ واحد.