السياق الاستراتيجي
شكّل اللقاء التاريخي عام 1945 بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت على متن السفينة يو إس إس كوينسي لبنةَ العلاقة السعودية-الأمريكية، التي غدت واحدة من أكثر الشراكات الثنائية أثراً في حقبة ما بعد الحرب. قامت هذه العلاقة على صفقة تأسيسية مؤداها تبادل أمن الطاقة بالحماية العسكرية، وأثبتت صموداً أمام الأزمات بدءاً من حظر النفط عام 1973 وما أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وصولاً إلى قضية جمال خاشقجي عام 2018. غير أن هذه الشراكة تشهد اليوم أعمق إعادة معايرة لها منذ عقود، يدفعها تحولات هيكلية في سوق الطاقة العالمية وتباين في الأولويات الاستراتيجية وبروز شراكات بديلة لكلا البلدين.
أحدثت ثورة النفط الصخري الأمريكي تحولاً جذرياً في الاعتماد المتبادل على الطاقة الذي أرسى دعائم العلاقة على مدى سبعين عاماً. فالاكتفاء الذاتي الأمريكي في مجال الطاقة قلّص الاعتماد المباشر على النفط السعودي، فيما أفضى في الوقت ذاته إلى ديناميكية تنافسية في أسواق الطاقة العالمية. فالمملكة العربية السعودية، التي كانت مورداً لا غنى عنه، باتت تتنافس مع المنتجين الأمريكيين في مجال النفط الصخري على الحصص السوقية، مع الإبقاء على طاقتها الإنتاجية المرنة التي تستلزمها أسواق عالمية مستقرة.
وعلى الصعيد الاستراتيجي اضطربت الشراكة بالقدر ذاته. فتحول واشنطن نحو المحيط الهندي-الهادئ، وتراجع شهيتها للانخراط العسكري في الشرق الأوسط، وتآكل الدعم الكونغرسي من الحزبين لصفقات الأسلحة مع المملكة، كل ذلك أضعف ثقة الرياض في متانة الضمانات الأمريكية. وجاءت هجمات 2019 على منشأتَي أرامكو السعودية في أبقيق وخريص، المنسوبة على نطاق واسع لإيران ووكلائها، والتي رُئي الرد الأمريكي عليها قاصراً، لتُبلور المخاوف السعودية من موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية.
الديناميكيات الراهنة
يعكس الوضع الراهن للعلاقات السعودية-الأمريكية تشابكاً معقداً من التعاون والاحتكاك يأبى أي توصيف مبسّط. لا يزال التعاون الدفاعي الركيزة الأكثر رسوخاً في هذه العلاقة؛ إذ يحتفظ الجيش الأمريكي بحضور وازن في المملكة، يبلغ نحو خمسة آلاف عنصر منتشرين في قاعدة الأمير سلطان الجوية ومنشآت أخرى. وتتواصل التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل الاستخبارات وبرامج التشغيل المتبادل بوتيرة عالية، وتظل المملكة العربية السعودية من أكبر مشتري المعدات الدفاعية الأمريكية، مع برامج نشطة تشمل مقاتلات متطورة وأنظمة دفاع صاروخي ومنصات بحرية.
بيد أن العلاقة الدفاعية اعترتها تعقيدات جراء القيود الكونغرسية على صفقات الأسلحة المدفوعة باعتبارات تتصل بالنزاع في اليمن وملف حقوق الإنسان. وأفضت التأخيرات في تسليم الذخائر الدقيقة الموجهة وفرض شروط على الأسلحة الهجومية إلى إحباط المخططين الدفاعيين السعوديين وعجّلت بتنويع المملكة لموردي التسليح ليشمل مصادر أوروبية وصينية ومحلية. ويمثّل إرساء المملكة لقاعدتها الصناعية الدفاعية الخاصة، وهو هدف رئيسي في رؤية 2030 يستهدف توطين خمسين بالمئة من الإنفاق العسكري، استجابةً جزئية للاعتمادية المُدركة على المنظومة الصناعية الأمريكية.
وتظل علاقات الطاقة مصدر توترات متقطعة. فقيادة المملكة العربية السعودية لقرارات إنتاج أوبك+، ولا سيما التخفيضات الرامية إلى دعم أسعار النفط، استقطبت انتقادات حادة من واشنطن التي ترى في ارتفاع أسعار الطاقة عاملاً تضخمياً ومُكلفاً سياسياً. وشكّل خفض إنتاج أوبك+ في أكتوبر 2022، الذي أُعلن قُبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، نقطة الحضيض في علاقات الطاقة، وأشعل دعوات كونغرسية لاتخاذ تدابير انتقامية تشمل سحب القوات الأمريكية من المملكة.
وتطور البُعد الاستثماري في العلاقة تطوراً ملحوظاً؛ إذ ضخّ صندوق الاستثمارات العامة مليارات الدولارات في قطاعات التكنولوجيا والترفيه والألعاب والعقارات الأمريكية، مما أفرز ترابطاً اقتصادياً يُعزز الركائز التقليدية للطاقة والدفاع. وتتوغل الشركات الأمريكية، من شركات الاستشارات الإدارية إلى شركات البناء، في تنفيذ المشاريع العملاقة لرؤية 2030، مولّدةً دائرة نفوذ تجارية في الولايات المتحدة لها مصلحة مباشرة في نجاح التحول السعودي.
وتشهد الساحة الدبلوماسية تحولاً أيضاً. فقبول المملكة العربية السعودية للوساطة الصينية في المصالحة مع إيران، وعضويتها في تكتل بريكس، ورفضها الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، كلها إشارات تدل على سياسة خارجية أكثر استقلالية تتحدى توقعات واشنطن باصطفاف الرياض في أولوياتها الاستراتيجية الكبرى. وبينما لا تسعى المملكة إلى استبدال الشراكة الأمريكية، فقد أوضحت أن سياستها الخارجية ستُوجَّه بالمصلحة الوطنية لا بالتزامات التحالف.
ويُلمح الانخراط الدبلوماسي الأخير إلى إدراك متبادل بأن العلاقة، وإن تغيرت، لا تزال لا غنى عنها للطرفين. وتُشير الزيارات رفيعة المستوى والمباحثات المتجددة حول اتفاقية أمنية شاملة محتملة والمفاوضات الجارية بشأن التعاون النووي إلى إرادة مشتركة لتحديث إطار الشراكة. وقد ظلت إمكانية اتفاقية أمنية شاملة تتضمن ضمانات أمنية أمريكية رسمية في مقابل التطبيع السعودي مع إسرائيل ثيمةً متكررة في النقاشات الدبلوماسية، وإن اكتنفتها عقبات جوهرية.
الانعكاسات على رؤية 2030
تتشكّل البيئة التشغيلية لرؤية 2030 بعمق من مسار العلاقات السعودية-الأمريكية على أصعدة الدفاع والاستثمار والتكنولوجيا والدبلوماسية. وتُعدّ الشركات الأمريكية من أبرز المشاركين الأجانب في المشاريع العملاقة السعودية، إذ تضطلع شركات الهندسة والاستشارات والتكنولوجيا والترفيه بأدوار محورية في تحقيق أهداف التحول. وأي تدهور مستدام في العلاقات الثنائية سيُلقي بظلال من الغموض على هذه الارتباطات التجارية وقد يُقيّد تدفق رأس المال الأمريكي والخبرات نحو السوق السعودية.
والبُعد الدفاعي بالغ الأثر على أهداف التصنيع العسكري في رؤية 2030. فهدف المملكة في توطين خمسين بالمئة من إنفاقها على المشتريات العسكرية يستلزم ترتيبات نقل تكنولوجيا وتراخيص تعتمد اعتماداً وثيقاً على القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية. وبينما يوفر التنويع نحو موردين أوروبيين وآسيويين بدائل، تُفرز التبعيات الناجمة عن توافق القوات السعودية مع المنظومات الأمريكية قيوداً هيكلية لا تنفكّ بيسر.
ويمثّل التعاون التكنولوجي ساحة احتكاك ناشئة. فطموحات المملكة في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة تضعها عند نقطة تقاطع التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين. وتُفضي جهود واشنطن للحدّ من وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة، بما فيها ضوابط تصدير الرقائق وقيود التعاون في الذكاء الاصطناعي، إلى قيود محتملة على قدرة المملكة على الشراكة مع النظامين التكنولوجيين في آنٍ واحد. وتستلزم خطط توسعة مراكز البيانات واستراتيجية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وبرامج التحول الرقمي في المملكة التعامل الحذر مع هذا التشعب التكنولوجي.
وعلى صعيد مناخ الاستثمار، تُشكّل استقرار العلاقات السعودية-الأمريكية مقياساً لمدى الثقة الدولية بالمملكة. وتُجسّد صناديق الاستثمار المؤسسية وصناديق الثروة السيادية وشركات الأسهم الخاصة الأمريكية مجتمعةً أحد أضخم مجمّعات رأس المال لمشاريع رؤية 2030. وتؤثر مُدركات المخاطر السياسية الناجمة عن التوترات الثنائية مباشرةً على قرارات تخصيص رأس المال، مما يجعل إدارة العلاقة عاملاً مادياً في قدرة المملكة على استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر اللازم للتحول الاقتصادي.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: التجديد الاستراتيجي (الاحتمالية: 30%) تُبرَم اتفاقية أمنية شاملة تُحدّث الشراكة الثنائية بتقديم ضمانات أمنية أمريكية رسمية في مقابل تنازلات سعودية بشأن التطبيع ومعايير التعاون النووي والتوافق الاستراتيجي. سيكون هذا السيناريو إيجابياً بدرجة بالغة لرؤية 2030، من خلال فتح آفاق أوسع للتعاون الدفاعي ونقل التكنولوجيا وثقة المستثمرين.
السيناريو الثاني: التباعد المُدار (الاحتمالية: 50%) المسار الأرجح هو أن تستمر العلاقة في نمطها الراهن من التعاون في صميم المصالح الدفاعية والتجارية جنباً إلى جنب مع الاحتكاك في سياسات الطاقة وحقوق الإنسان والتوافق الاستراتيجي. تعمل الشراكة بكفاءة على المستوى التشغيلي فيما يبقى الاتصال الاستراتيجي منقوصاً. وتمضي رؤية 2030 بمشاركة أمريكية كافية وإن لم تكن مثلى.
السيناريو الثالث: الانجراف الاستراتيجي (الاحتمالية: 20%) تتراكم التوترات — ربما جراء قرار إنتاج أوبك+ أو إجراء كونغرسي في ملف الأسلحة أو أزمة ذات صلة بحقوق الإنسان — لتقود إلى تراجع ملموس في العلاقة. وبينما يظل الانهيار الكامل مستبعداً للغاية، فإن مرحلة من الانجراف الاستراتيجي ستُفضي إلى رياح معاكسة حادة لرؤية 2030، عبر تقييد الانخراط التجاري الأمريكي وتصاعد أقساط المخاطر السياسية لدى المستثمرين الدوليين.
التوقعات
تنتقل العلاقة السعودية-الأمريكية من عصر التبعية غير المتكافئة إلى عصر الشراكة التفاوضية بين دولتين ذواتَي مصالح متباينة ومتداخلة. وتعكس الاستقلالية الاستراتيجية المتنامية للمملكة، التجسّدة في دبلوماسيتها متعددة الأقطاب وتنويع مصادر الدفاع، تكيّفاً عقلانياً مع نظام دولي آيل للتغير لا تخلياً عن الشراكة الأمريكية.
والمتطلب الأساسي لرؤية 2030 هو ضمان ألا تُقيّد التوترات الثنائية تدفق رأس المال الأمريكي والتكنولوجيا والخبرات نحو برنامج التحول. ويستلزم ذلك إدارة دبلوماسية مستدامة وبناء دوائر نفوذ تجارية في الولايات المتحدة ومقاربة مُعايَرة في مجالات الاحتكاك تُبقي التعاون حياً في صميم المصالح المشتركة.
والمتغير الأكثر أثراً على المدى المنظور هو نتيجة المباحثات حول اتفاقية أمنية شاملة محتملة. فالتفاوض الناجح سيُوفر إطاراً محدّثاً للعلاقة الثنائية يعالج المخاوف الجوهرية لكلا البلدين ويُرسي قاعدة أوثق للتعاون المرتبط برؤية 2030. أما الإخفاق في التوصل إلى اتفاق، فيترك العلاقة في حالة من الغموض الاستراتيجي الذي يولّد حالة مستمرة من انعدام اليقين لدى المخططين والمستثمرين على حدٍّ سواء.
ومن أبرز المؤشرات الرصدية: أنماط التصويت الكونغرسي في التشريعات المتعلقة بالسعودية، والجداول الزمنية للمشتريات الدفاعية، وديناميكيات قرارات أوبك+، ومسار مباحثات التعاون النووي. فيما يُعدّ تعيين كبار الشخصيات الدبلوماسية ووتيرة التواصل رفيع المستوى مؤشراتٍ قائدة على اتجاه العلاقة.