السياق الاستراتيجي
شكّل التنافس السعودي الإيراني الخط الفاصل المحدِّد لجيوسياسية الشرق الأوسط على مدى أكثر من أربعة عقود. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تنافست القوتان الإقليميتان على النفوذ عبر طيف مذهبي وأيديولوجي واستراتيجي صاغ صراعات من لبنان إلى اليمن. وأسدل قطع العلاقات الدبلوماسية في يناير 2016 عقب اقتحام السفارة السعودية في طهران إثر إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر الستارَ على الحضيض الذي بلغته علاقة تأرجحت بين الانخراط الحذر والعدائية الصريحة.
حمل هذا التنافس تكاليف باهظة للبلدين. فقد وجدت المملكة العربية السعودية نفسها منخرطةً في تدخل عسكري مُكلف في اليمن، حيث شكّلت قوات الحوثيين المدعومة إيرانياً تهديداً أمنياً مستمراً على حدودها الجنوبية والبنية التحتية الطاقوية الحيوية. وإيران من جهتها، وقد أنهكتها العقوبات الدولية والأزمة الاقتصادية الداخلية، رأت استراتيجيتها القائمة على الوكلاء الإقليميين تتعثر تحت ثقل صون جبهات نفوذ متعددة. فعرف البلدان، وإن بتحفظ، أن الوضع القائم غير مستدام استراتيجياً.
زاد السياق الإقليمي الأشمل من الضرورة الملحّة للتهدئة. فاتفاقيات أبراهام عام 2020 التي طبّعت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية غيّرت الحساب الاستراتيجي للرياض وطهران معاً. واقتضى برنامج رؤية 2030 التحولي السعودي بيئةً إقليمية مستقرة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي والإيرادات السياحية المحورية في استراتيجيتها للتنويع الاقتصادي. أما إيران، فكانت تحتاج إلى اختراقات دبلوماسية لتخفيف عزلتها الدولية وجمودها الاقتصادي.
الديناميكيات الراهنة
الاتفاقية الاستثنائية التي رعتها الصين في مارس 2023 لاستعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية مثّلت تحولاً زلزالياً في جيوسياسية الشرق الأوسط. وقد كانت اتفاقية بكين، التي رأى فيها البلدان الموافقةَ على إعادة فتح السفارات واحترام السيادة والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، دالةً في جوهرها وفي وسيلتها في آنٍ واحد. فدور الصين وسيطاً آذن بحقبة جديدة يمكن فيها لقوى غير غربية تشكيل النظام الإقليمي، وهو تطور ذو تداعيات بالغة على الولايات المتحدة والنظام الدولي الأشمل.
منذ استعادة العلاقات الدبلوماسية، اتسمت مسيرة العلاقات السعودية الإيرانية بالانخراط الحذر ذا الجوهر. فقد تبادل البلدان السفراء وعادت الرحلات الجوية المباشرة وانعقدت سلسلة من الاجتماعات الثنائية على مستوى الوزراء تناولت ملفات من أمن الملاحة البحرية إلى تيسير التجارة. وزيارات وزير الخارجية الإيراني للرياض والانخراط الدبلوماسي السعودي المتبادل مع طهران أرست إيقاعاً من الحوار يمثّل، وإن دون مستوى الشراكة الاستراتيجية، قطيعةً جوهرية مع الموقف العدائي الذي ساد العقد الماضي.
النتائج العملية للتقارب كانت الأجلى في المسرح اليمني. فتهدئة العداء السعودي الحوثي، وإن نتجت من عوامل متعددة من بينها الوساطة العُمانية وإرهاق الحرب لدى الجميع، جرى تيسيرها مادياً من خلال الحوار السعودي الإيراني. واستعداد إيران لاستخدام نفوذها على الحوثيين لدعم مفاوضات وقف إطلاق النار، ولو بصورة جزئية، يُمثّل ثمرة ملموسة لاتفاقية بكين. وتراجع الهجمات عبر الحدود على الأراضي السعودية حسّن البيئة الأمنية للأصول الاقتصادية الحيوية في المناطق الغربية والجنوبية من المملكة.
غير أن توترات هيكلية لا تزال قائمة تحت القشرة الدبلوماسية. فالبرنامج النووي الإيراني يواصل تقدمه بمستويات تخصيب تقترب من عتبات أسلحة تُقلق صانعي القرار السعوديين وتُعقّد الحسابات الأمنية الإقليمية الأشمل. وشبكة طهران من الحلفاء غير الحكوميين في العراق وسوريا ولبنان واليمن لا تزال سليمة، حتى وإن هدأ الإيقاع التشغيلي لأنشطة الوكلاء. ويُبقي المخططون الدفاعيون السعوديون على وضعية التحوط الاستراتيجي، مُحافظين على القدرات العسكرية والهياكل التحالفية القابلة للتنشيط إذا عثر التقارب.
الديناميكيات السياسية الداخلية في البلدين تُضيف طبقات من الغموض. ففي المملكة، يخدم التقارب الرؤيةَ الاستراتيجية لولي العهد للاستقرار الإقليمي بوصفه شرطاً مسبقاً للتحول الاقتصادي. غير أن في إيران فصائل متشددة داخل الحرس الثوري الإسلامي والمؤسسة السياسية تنظر إلى التسوية بتشكيك، رائيةً فيها هدنة تكتيكية لا إعادة توجه استراتيجي. وتُدخل تحولات القيادة في إيران، ومنها إعادة التعيينات السياسية التي أعقبت التغييرات الرئاسية الأخيرة، متغيرات إضافية في المعادلة.
الانخراط الاقتصادي بين البلدين يبقى محدوداً قياساً بالتقدم الدبلوماسي. فأحجام التبادل التجاري، وإن تنامت من مستوى شبه معدوم، يُقيّدها العقوبات على إيران والتنافرات الهيكلية في الاقتصادين وغياب القنوات المالية المتينة. والانخراط الخاص السعودي مع إيران يبقى ضئيلاً، مع تبنّي مؤسسات الأعمال نهج الترقب الذي يعكس تقييماً حصيفاً للمخاطر لا انحيازاً استراتيجياً.
الانعكاسات على رؤية 2030
يحمل التقارب السعودي الإيراني تداعيات جوهرية لرؤية 2030 عبر أبعاد متعددة. أبرز المنافع الفورية هو تحسين ملف المخاطر الأمنية للمملكة. فتراجع هجمات الحوثيين على البنية التحتية السعودية، ولا سيما توقف ضربات الصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت النفط والمطارات المدنية، أزاح رادعاً مادياً للاستثمار الأجنبي وتطوير السياحة. وأقساط التأمين على الأصول والعمليات السعودية اعتدلت، وانخفضت تكلفة ممارسة الأعمال في المملكة انخفاضاً مباشراً نتيجة تراجع مخاطر الصراع.
قطاع السياحة، ركيزة استراتيجية التنويع في رؤية 2030، حساس بصفة خاصة لتصورات الأمن الإقليمي. وقد أسهم التقارب في ترسيخ رواية مفادها أن المملكة قوة مُستقرِّة في المنطقة، داعماً عرضها لاستقطاب عشرات الملايين من الزوار السنويين المُتصوَّرين وفق الاستراتيجية الوطنية للسياحة. وتسير مشاريع تطوير الساحل الغربي للبحر الأحمر، ومنها نيوم ووجهات البحر الأحمر العالمي، بثقة أكبر حين يتضاءل خطر الصراع عبر الحدود.
بالنسبة لقطاع الطاقة، يُيسّر التقارب تنسيقاً أكثر فاعلية داخل أوبك+. فبينما كثيراً ما اصطدمت المملكة وإيران على حصص الإنتاج داخل أوبك+، مكّن الانفراج الدبلوماسي من حوار أكثر بنائية حول إدارة السوق. وهذا التوافق، مهما شابه من قصور، يُعزز موقف المملكة في إدارة تقلبات السوق النفطية العالمية خلال المرحلة الحيوية لتوليد الإيرادات في رؤية 2030.
الأثر الإشاري الجيوسياسي للتقارب يمتد خارج العلاقات الثنائية. فبإظهار قدرتها على الدبلوماسية البراغماتية وتهدئة الإقليم، عزّزت المملكة مكانتها لدى الشركاء والمستثمرين الدوليين الرئيسيين. ورواية مملكة قادرة على إدارة أعقد تنافساتها الإقليمية تُعزز الثقة بالمشروع الأشمل لرؤية 2030.
غير أن التقارب يحمل أيضاً مخاطر على رؤية 2030 إذا أفضى إلى استرخاء مُطمئن حول الأمن الإقليمي أو أفضى إلى تخفيف مبكر لجاهزية الدفاع. ويتوقف نجاح البرنامج التحولي على استدامة الاستقرار، وأي انتكاسة في العلاقات السعودية الإيرانية قد تُفجّر تدهوراً أمنياً بتداعيات متتالية على تدفقات الاستثمار والجداول الزمنية للمشاريع وإيرادات السياحة.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: التطبيع المتعمّق (الاحتمال: 35%) تواصل العلاقات السعودية الإيرانية نضجها مع توسيع الروابط الاقتصادية ومقاربات منسّقة تجاه الصراعات الإقليمية وآليات مؤسسية لإدارة النزاعات. يُحقق هذا السيناريو أقصى استفادة لرؤية 2030 بخلق بيئة إقليمية مستقرة مواتية للنمو المستدام في الاستثمار والسياحة. تشمل المؤشرات الدالة اتفاقيات التجارة الثنائية والبروتوكولات الأمنية المشتركة والتعاون الإيراني على تعزيز سلام اليمن.
السيناريو الثاني: التنافس المُدار (الاحتمال: 45%) يرسم المسار الأرجح مشهد علاقات دبلوماسية مُحافَظ عليها لكن محدودة النطاق، حيث يتابع البلدان مصالحهما المتوازية دون انحياز استراتيجي عميق. تستمر المنافسة عبر القنوات السياسية والاقتصادية لا الوكلاء العسكريين، وتُدار التوترات الدورية عبر آليات دبلوماسية. يُوفر هذا السيناريو ظروفاً ملائمة ولكن غير مثلى لرؤية 2030، مع اندلاع فلتانات أمنية عرضية تستدعي إدارة الأزمات.
السيناريو الثالث: انهيار التقارب (الاحتمال: 20%) يقود حدث مُحرّك، كتصعيد البرنامج النووي الإيراني أو امتداد أزمة وكلاء أو تحول سياسي داخلي في إحدى العاصمتين، إلى انهيار العلاقة الدبلوماسية. يُلحق هذا السيناريو ضرراً جسيماً بمناخ الاستثمار في رؤية 2030 ويُضخّم الإنفاق الدفاعي على حساب الإنفاق التحولي ويُعيد مخاطر الأمن التي سعى التقارب إلى تخفيفها. تشمل المحرّكات الرئيسية: التسليح النووي الإيراني، أو استئناف هجمات الحوثيين، أو حادثة كبرى في البر أو البحر.
التوقعات
دخلت العلاقة السعودية الإيرانية مرحلتها الأكثر بناءً منذ عقود، لكن متانة التقارب تبقى رهينة بعوامل لا تتحكم فيها أيٌّ من الحكومتين تحكماً كاملاً. فالمسار النووي الإيراني وتطور شبكة وكلائه والديناميكيات السياسية الداخلية في كلا العاصمتين والبيئة الأمنية الإقليمية الأشمل ستُشكّل جميعها مسار العلاقة.
لمخططي رؤية 2030، ينبغي التعامل مع التقارب بوصفه فرصة استراتيجية لا وضعاً دائماً. فالنافذة الراهنة من التوتر المخفّض تُتيح تقدماً مُسرَّعاً في الأهداف التحويلية، لا سيما في السياحة والبنية التحتية واستقطاب الاستثمار الأجنبي. غير أن التخطيط للطوارئ استعداداً لتدهور في العلاقات يبقى ضرورة قائمة، ويجب أن يواصل التحديث الدفاعي مساره بالتوازي مع الانخراط الدبلوماسي.
أبرز التداعية الاستراتيجية للتقارب قد يكون في كشفه عن الدور المتنامي للصين وسيطاً في الشرق الأوسط. فاستعداد المملكة لقبول الوساطة الصينية يُشير إلى تنويع في شراكاتها الاستراتيجية ينسجم مع التوجه متعدد الأقطاب لسياستها الخارجية. ستُشكّل هذه الديناميكية بصورة متزايدة البيئة الجيوسياسية التي تعمل فيها رؤية 2030، مُخلّقةً فرصاً وتعقيدات في آنٍ واحد مع إبحار المملكة في حقبة التنافس بين القوى الكبرى في الخليج.
الشهور الاثنا عشر إلى الثمانية عشر المقبلة ستكون محورية في تحديد ما إذا كان التقارب سيترسّخ في إطار دائم أم يتراجع إلى عدائية مُدارة. ينبغي للمستثمرين وصانعي السياسات رصد المفاوضات النووية الإيرانية وسلوك الحوثيين في اليمن وتواتر الانخراط الدبلوماسي السعودي الإيراني ومحتواه بوصفها مؤشرات استباقية على مسار العلاقة.