العلاقات السعودية الصينية: تعمّق الشراكة الاستراتيجية
شهدت العلاقة السعودية الصينية تحولاً استثنائياً على مدى العقدين الماضيين، إذ انتقلت من مجرد تبادل تجاري قائم على النفط مقابل البضائع إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تمتد عبر الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والدفاع والدبلوماسية. ويعكس صعود الصين لتصبح أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية متجاوزةً الولايات المتحدة تحولاتٍ هيكلية في مركز الثقل الاقتصادي العالمي، تحمل تداعيات بالغة على تموضع المملكة الاستراتيجي وبرنامجها التحولي رؤية 2030.
القاعدة الطاقوية للعلاقة هائلة الحجم؛ فالصين تستورد نحو 1.7 مليون برميل يومياً من الخام السعودي، مما يجعلها أكبر عميل منفرد لـأرامكو السعودية. يُفرز هذا الاعتماد الطاقوي تقارباً طبيعياً في المصالح: تحتاج الصين إلى إمدادات هيدروكربونية آمنة وموثوقة لتغذية تنميتها الاقتصادية المستمرة، بينما تحتاج المملكة إلى طلب مستقر وبأحجام ضخمة على صادراتها الرئيسية خلال المرحلة الانتقالية الحرجة من رؤية 2030. وتتجاوز العلاقة ديناميكيات البائع والمشتري البسيطة، لتشمل استثمارات أرامكو السعودية في طاقات التكرير والبتروكيماويات الصينية، ومشاركة شركات صينية في مشاريع سعودية قُطبية.
رفّعت الزيارة الدولة التي أداها الرئيس شي جين بينغ إلى الرياض في ديسمبر 2022 العلاقةَ إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مع توقيع ما يزيد على ثلاثين اتفاقية بقيمة إجمالية تبلغ نحو تسعة وعشرين مليار دولار. وقدّمت هذه الزيارة التي شملت قممًا مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية نيةَ بكين في تعزيز حضورها بوصفها فاعلاً رئيسياً في الشرق الأوسط، واستعداد الرياض لاستقبال الشراكة الصينية عبر قطاعات كانت حكراً في السابق على الشركات الغربية.
تعمل هذه العلاقة في سياق أشمل تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين استراتيجياً، مما يُفرز فرصاً وقيوداً في آنٍ واحد للمملكة. وتبقى قدرة المملكة على الحفاظ على شراكات منتجة مع القوتين العظميين دون الاضطرار إلى اختيار أحدهما تحدياً محورياً في سياستها الخارجية المعاصرة، بانعكاسات مباشرة على تنفيذ رؤية 2030.
الديناميكيات الراهنة
توسّع البُعد التجاري في العلاقة السعودية الصينية بسرعة عبر قطاعات تتوافق مع أولويات رؤية 2030. فالشركات الصينية، ومنها هواوي، منخرطة بعمق في البنية التحتية للاتصالات السعودية، إذ شُيّدت شبكات الجيل الخامس اعتماداً بشكل ملموس على التكنولوجيا الصينية. وتُشغّل شركة Alibaba Cloud مراكز بيانات في المملكة، فيما تسعى شركات صناعة السيارات الكهربائية الصينية من بينها BYD وNIO إلى تأسيس حضور تصنيعي وتوزيعي في السوق السعودية. تعكس هذه المشاركات قدرات الصين التنافسية تحديداً في قطاعات التكنولوجيا التي تستهدفها المملكة لتنويع اقتصادها.
تُوفّر مبادرة الحزام والطريق إطاراً مؤسسياً للانخراط الصيني في الطموحات الإنشائية السعودية. فرغم أن المملكة ليست طرفاً رسمياً في المبادرة بالمفهوم التقليدي، فإن التوافق بين القدرات الإنشائية الصينية ومتطلبات المشاريع السعودية العملاقة أفرز نشاطاً تجارياً ضخماً. وتشارك شركات البناء الصينية في مشاريع منتشرة عبر المملكة، من البنية التحتية للسكك الحديدية إلى المرافق الصناعية، مستثمرةً قدرتها التنافسية في التسعير وسرعة الإنجاز.
في قطاع الطاقة، تتعمق العلاقة أكثر من مجرد تجارة الخام. فاستثمارات أرامكو السعودية في طاقات التكرير الصينية، بما فيها حصص في مجمعات تكرير وبتروكيماويات كبرى، ترسم روابط هيكلية طويلة الأمد بين اقتصادَي الطاقة. وتعكس المناقشات المتعلقة بتسعير النفط بالرنمينبي، وإن لم تُفضِ بعد إلى تحوّل كامل عن تسعير الدولار، اهتمام الدولتين بتقليص الاعتماد على النظام المالي الأمريكي وتنويع تعرّضهما للعملات.
باتت الشراكة التكنولوجية الأبعادَ الأكثر حيوية وتأثيراً في العلاقة. فطموحات المملكة في الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والتحول الرقمي تتوافق مع القدرات التكنولوجية الصينية، لا سيما في مجالات قد تفرض عليها الشراكاتُ الغربية قيوداً. ويُمثّل دور هواوي في بنية الجيل الخامس السعودية والمشاركة الصينية في تكنولوجيا المدن الذكية لـنيوم والمشاريع المشتركة في الحوسبة السحابية وتحليلات البيانات ممراً تقنياً متنامياً في نطاقه وأهميته الاستراتيجية.
التعاون الدفاعي، وإن كان أقل تطوراً من العلاقة العسكرية السعودية الأمريكية، توسّع ليشمل منظومات صاروخية باليستية صينية وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة، ومناقشات حول منصات عسكرية أكثر تقدماً. وكشف اقتناء المملكة للطائرات المسيّرة المسلحة الصينية التي كانت الولايات المتحدة تُحجم عن توريدها عن استعداد الرياض لتنويع المشتريات الدفاعية واستعداد بكين لسد الثغرات التي تتركها قيود التصدير الغربية.
كان الدور الصيني في رعاية التقارب السعودي الإيراني عام 2023 تحولاً مائزاً في دبلوماسية بكين بالشرق الأوسط، مُثبتاً اتساع نطاق الانخراط الاستراتيجي الصيني في منطقة الخليج. وبقبول المملكة الوساطة الصينية، أرسلت رسالة براغماتية وإشارة إلى واشنطن بأن لديها بدائل عن الوصاية الأمريكية على أمن المنطقة.
الانعكاسات على رؤية 2030
تُقدّم الشراكة الصينية فوائد جوهرية لتنفيذ رؤية 2030. فالشركات الصينية تحمل قدرة تنافسية في التسعير وسرعة التنفيذ وإمكانات تكنولوجية في قطاعات محورية للبرنامج التحولي. ففي البنية التحتية والتكنولوجيا والتصنيع والطاقة المتجددة، يمكن للشركات الصينية تسريع تسليم المشاريع وخفض التكاليف مقارنةً بالبدائل الغربية.
غير أن التعمق في الانخراط الصيني يُفرز مقايضات معقدة على مخططي رؤية 2030 استيعابها. فالشراكات التكنولوجية مع الشركات الصينية، لا سيما في الاتصالات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للبيانات، تُخاطر بتورط المملكة في حرب التكنولوجيا الأمريكية الصينية. وتُشكّل قيود واشنطن على صادرات التكنولوجيا الصينية وضغوطها على الشركاء للحدّ من وصول هواوي إلى البنى التحتية الحساسة قيداً محتملاً على قدرة المملكة على تعظيم الاستفادة من الشراكات التكنولوجية الصينية دون المساس بالتعاون الأمريكي في مجالات أخرى.
البُعد الاستثماري له وزنه الكبير. فالاستثمار الصيني في المملكة، رغم نموّه، جاء أكثر تواضعاً مما تُوحي به الاتفاقيات المُعلنة. وتحويل مذكرات التفاهم إلى رأسمال مُنصرَف يظل تحدياً قائماً، إذ يتأخر الاستثمار الصيني الخاص في المملكة عن الطموحات الاستراتيجية التي تُصرّح بها الحكومتان. وتتوقف قدرة رؤية 2030 على استقطاب الاستثمار الصيني بأحجام كبيرة على تطوير الأطر المؤسسية والحماية القانونية والبيئات التجارية التي تستوفي متطلبات المستثمرين الصينيين.
في ما يتعلق بالتحول الطاقوي، يُرسّخ هيمنةُ الصين على تصنيع الألواح الشمسية وتكنولوجيا البطاريات وإنتاج السيارات الكهربائية مكانتَها شريكاً لا غنى عنه في طموحات المملكة للطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء. فخطط المملكة لنشر طاقة شمسية وريحية ضخمة وتطوير صناعة تصدير الهيدروجين الأخضر وتحويل أسطولها من السيارات إلى الكهربائية تُولّد بطبيعتها شراكات مع رواد الصناعة الصينيين.
للبُعد النقدي انعكاسات على الهندسة المالية للمملكة. فرغم أن ربط الريال السعودي بالدولار لا يزال صامداً، تُلمّح المناقشات حول تسعير النفط بالرنمينبي وتوسيع اتفاقيات مبادلة العملات الثنائية إلى تنويع تدريجي في علاقات المملكة النقدية، وهي ديناميكية يتناولها تقييم مخاطر المرض الهولندي بالتفصيل وقد تتسارع إن اشتدت التوترات السعودية الأمريكية.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: نجاح التنويع الاستراتيجي (الاحتمال: 40%) تنجح المملكة العربية السعودية في الحفاظ على شراكات منتجة مع الصين والولايات المتحدة معاً، مستخلصةً أقصى استفادة من كل علاقة دون أن تُضطر إلى الانحياز الاستراتيجي لأيٍّ منهما. هذا السيناريو مثالي لرؤية 2030، إذ يُتيح الوصول إلى البيئتين التكنولوجيتين وكلتا مجموعتي رأس المال وكلا الشبكتين الدبلوماسيتين.
السيناريو الثاني: ضغط الاختيار القسري (الاحتمال: 35%) يُفرز تصاعد المنافسة الأمريكية الصينية ضغوطاً متصاعدة على المملكة لتقليص انخراطها مع إحدى القوتين أو كلتيهما. فقد تُضيّق القيود التكنولوجية والضغوط المرتبطة بالعقوبات والضغط الدبلوماسي هامش حرية المملكة في المناورة. يُفرز هذا السيناريو رياحاً معاكسة لرؤية 2030 بتقييد الشراكات التكنولوجية وتدفقات الاستثمار المتاحة للبرنامج التحولي.
السيناريو الثالث: أولوية الشراكة الصينية (الاحتمال: 25%) يدفع التدهور الحاد في العلاقات السعودية الأمريكية، الذي قد تُشعله تصرفات كونغرسية أو خلافات استراتيجية، المملكةَ نحو تعمّق الانحياز نحو الصين. وبينما يُوفر هذا السيناريو مصادر بديلة للتكنولوجيا والاستثمار، فإنه سيُقلّص على الأرجح الوصول إلى رأس المال والخبرة الأمريكيين والدعم الدبلوماسي، مُخلّفاً منظومة مختلفة من القيود على رؤية 2030.
التوقعات
ستواصل العلاقة السعودية الصينية تعمّقها عبر الأبعاد التجارية والتكنولوجية والدبلوماسية، مدفوعةً بتكاملات هيكلية في الاقتصادين واهتمام مشترك بنظام دولي متعدد الأقطاب. وبالنسبة لرؤية 2030، تُقدّم الشراكة الصينية قدرات لا غنى عنها في تسليم البنية التحتية ونشر التكنولوجيا وتطوير التصنيع، تُكمّل البدائل الغربية وتُنافسها في بعض المجالات.
يظل التحدي الاستراتيجي المحوري الحفاظ على التوازن بين واشنطن وبكين دون الانجرار إلى اختيار ثنائي يُقلّص خيارات المملكة. ونفوذ المملكة في هذه المعادلة المستمَد من مواردها الطاقوية وثروتها السيادية ومحوريتها الجغرافية يُتيح هامش مناورة واسعاً ولكن ليس بلا حدود.
تشمل المؤشرات الرئيسية التي ينبغي رصدها نطاق عمليات نشر التكنولوجيا الصينية في المملكة ومعدلات تنفيذها، ومسار معاملات الطاقة المُسعَّرة بالرنمينبي، ومعدلات صرف الاستثمارات الصينية، وتطور ضوابط صادرات التكنولوجيا الأمريكية مما يؤثر على وصول المملكة إلى التكنولوجيا الصينية والأمريكية. كما سيُشير المسار الدبلوماسي بين الرياض وبكين إلى ما إذا كانت العلاقة تتطور نحو شراكة استراتيجية حقيقية أم تظل في الإطار التجاري البحت.