رسّخت المملكة العربية السعودية مكانتها واحدةً من أبرز أسواق الصكوك في العالم، انعكاساً لمركزية المملكة في منظومة التمويل الإسلامي العالمية والخيارات السياسية المتعمّدة التي اتُّخذت في إطار رؤية 2030 لتطوير سوق محلية للدخل الثابت عميقة وسائلة. والصكوك، التي كثيراً ما توصف بأنها السندات الإسلامية، أدوات مالية متوافقة مع أحكام الشريعة تمنح المستثمرين عوائد من خلال مطالبات تعاقدية على أصول كامنة أو أنشطة تجارية، لا عبر مدفوعات الفائدة المحرّمة شرعاً. ويشمل سوق الصكوك السعودية الإصداراتِ السيادية الصادرة عن المركز الوطني لإدارة الدين، وإصداراتٍ شبه سيادية لجهات مرتبطة بالحكومة، وحجماً متنامياً من صكوك الشركات من مُصدرين في القطاع الخاص السعودي.
هيكل السوق
يعمل سوق الصكوك السعودية عبر منصتين محلية ودولية. فمحلياً، تُدرج الصكوك وتُتداول على منصة الدخل الثابت في تداول، التي توفّر سوقاً ثانوية منظّمة تُعزّز السيولة وشفافية التسعير. ودولياً، يصل المُصدرون السعوديون إلى سوق الصكوك العالمية من خلال عروض مدرجة في بورصات دولية تشمل بورصة لندن وبورصة أيرلندا (Euronext Dublin) وناسداك دبي.
يُعدّ المركز الوطني لإدارة الدين المُصدرَ السيادي الرئيسي، إذ ينفّذ إصدارات شهرية منتظمة من الصكوك المحلية بالريال السعودي عبر آجال استحقاق متعددة، مُرسياً منحنى عوائد يُشكّل مرجعاً للمُصدرين من الشركات ويدعم تطوير سوق الدخل الثابت الأوسع بوصفه أصلاً وطنياً استراتيجياً. وقد صُمّم برنامج إصدار المركز لتمويل عجز الميزانية وإدارة هيكل الدين الحكومي وتطوير سوق رأس المال المحلية.
واستقطبت إصدارات الصكوك السيادية الدولية بالدولار الأمريكي وعملات أخرى عشرات المليارات من الدولارات، جاذبةً قاعدة مستثمرين عالمية تضمّ البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد وشركات التأمين ومديري الأصول. وتستقطب الصكوك السيادية السعودية باستمرار طلبيات قوية تفوق بكثير أحجام الإصدار، مما يعكس طلباً متيناً من المستثمرين على التعرض الائتماني السعودي والتصنيفات الائتمانية السيادية للمملكة بدرجة الاستثمار.
برنامج الإصدار السيادي
يُشكّل برنامج الصكوك للمركز الوطني لإدارة الدين العمودَ الفقري لسوق الدخل الثابت السعودية. وتوفّر الإصدارات الشهرية المحلية، وهي عادةً شرائح مقوّمة بالريال السعودي تمتد آجالها من القصير إلى بعيد المدى، عرضاً منتظماً يبني عمق السوق ويدعم سيولة السوق الثانوية. وينشر المركز خطة اقتراض سنوية توفّر للسوق رؤية مسبقة لأحجام الإصدار المتوقعة، مما يُعزّز اليقين التخطيطي للمستثمرين والتجار الأوليين.
يوظّف برنامج الصكوك السيادية هياكل متعددة متوافقة مع الشريعة الإسلامية، من بينها المرابحة والإجارة والوكالة. وتتيح هذه المرونة الهيكلية للمركز تحسين تكاليف تمويله، ومطابقة ملامح الالتزامات مع متطلبات التدفق النقدي الحكومي، والاستجابة لتفضيلات المستثمرين في ظروف السوق المختلفة.
يضطلع التجار الأوليون المعيَّنون من كبار البنوك السعودية والدولية بوظائف التوزيع وصناعة السوق ودعم السيولة التي تُقوّم البنية التشغيلية لسوق الصكوك المحلية. ويضمن نظام التجار الأوليين وصول الصكوك السيادية إلى قاعدة عريضة من المستثمرين، كما يدعم تداول السوق الثانوية صانعو السوق الملتزمون.
صكوك الشركات
توسّع قطاع صكوك الشركات توسّعاً ملحوظاً في إطار رؤية 2030، إذ أصدرت البنوك السعودية وشركات المرافق وشركات العقارات والمجموعات المتنوعة صكوكاً في الأسواق المحلية والدولية. وقد يسّرت هيئة السوق المالية إصدارات الشركات عبر تطوير إطار تنظيمي لعروض الدين والصكوك يوفر وضوحاً بشأن متطلبات الإفصاح والميزات الهيكلية وشروط الإدراج.
تُعدّ البنوك السعودية من أكثر مُصدري صكوك الشركات نشاطاً، إذ توظّف الصكوك لإدارة مراكزها الرأسمالية والسيولة وفق متطلبات الامتثال لمعيار بازل III. وقد أصدرت كبرى البنوك السعودية صكوك الشريحة الأولى الإضافية وصكوك الشريحة الثانية لتعزيز قواعدها الرأسمالية، مما يعكس تكيّف قطاع التمويل الإسلامي مع أدوات رأس مال البنوك التقليدية في هياكل متوافقة مع الشريعة.
وتُعدّ الجهات المرتبطة بالحكومة، ومنها أرامكو السعودية وشركة الكهرباء السعودية وشركات محفظة صندوق الاستثمارات العامة المختلفة، من المُصدرين البارزين أيضاً. واستقطب برنامج الصكوك الأوّل لأرامكو السعودية اهتماماً عالمياً واسعاً وأثبت عمق الطلب الاستثماري على الائتمان السعودي شبه السيادي. وتُسهم هذه الإصدارات في تطوير السوق بينما تموّل برامج الإنفاق الرأسمالي للجهات الوطنية ذات الأهمية الاستراتيجية.
المكانة العالمية
تتصدّر المملكة العربية السعودية الأسواق الثلاث الكبرى للصكوك عالمياً من حيث الحجم المتداول، إلى جانب ماليزيا والإمارات العربية المتحدة. ويُرسّخ كلٌّ من متانة الائتمان السيادي للمملكة وضخامة متطلبات التمويل المالي وصدق الالتزام السياسي بتطوير سوق الصكوك حضورَها الراسخ في سوق رأس المال الإسلامي العالمي.
أسهمت الإصدارات السعودية في نضج سوق الصكوك العالمية عبر إدخال الابتكار الهيكلي وتوسيع قاعدة المستثمرين وتوفير معيار مرجعي كبير وسائل تُسعّر سائر المُصدرين عروضهم بالقياس إليه. وتضمن مشاركة المملكة في مؤشرات الصكوك الدولية بما فيها تلك التي يديرها كبار مزودي المؤشرات إدراجَ الصكوك السعودية ضمن المعايير التي يتابعها المستثمرون في الدخل الثابت على مستوى العالم.
التطوير التنظيمي والبنية التحتية
استثمرت هيئة السوق المالية والمركز الوطني لإدارة الدين في تطوير البنية التنظيمية والسوقية اللازمة لدعم سوق صكوك عالمية المستوى. وتوفّر منصة الدخل الثابت في تداول سوقاً ثانوية شفافة ومنظّمة بمعلومات تسعير آنية وتسوية عبر مركز إيداع الأوراق المالية. وتستوفي بنية التخليص والتسوية المعاييرَ الدولية، وتتكامل السوق تدريجياً مع البنية التحتية للأسواق المالية العالمية.
يُقدّم الحوكمةَ الشرعية لإصدارات الصكوك هيئاتٌ شرعية مرتبطة بالبنوك الهيكلية، ولبعض البرامج جهاتٌ استشارية شرعية داخلية لدى المُصدر. وتستفيد السوق السعودية من مرجعية راسخة في الفقه المالي الإسلامي وجماعة كبيرة من العلماء المتخصصين في أدوات الأسواق المالية، مما يضمن أن الابتكار الهيكلي الضروري لتطوير سوق الصكوك يحظى بفتاوى شرعية موثوقة.
التوافق الاستراتيجي مع رؤية 2030
يخدم سوق الصكوك رؤيةَ 2030 على مستويات متعددة؛ فمالياً، يمنح الحكومةَ مصدرَ تمويل متنوّعاً يُقلّص الاعتماد على عائدات النفط في تمويل الإنفاق العام. واستراتيجياً، يُعدّ سوق الدخل الثابت المحلي العميق شرطاً ضرورياً لتطوير الرياض مركزاً مالياً إقليمياً، وهو هدف صريح في برنامج تطوير القطاع المالي. واقتصادياً، يُمكّن الوصول إلى تمويل الصكوك الشركاتِ السعودية من تمويل نموها ونفقاتها الرأسمالية بتكاليف تنافسية، مما يدعم تنمية القطاع الخاص الأوسع التي تتطلع إليها رؤية 2030. وسوق الصكوك بذلك أداةُ تمويل وآليةٌ لتطوير أسواق رأس المال وتعبيرٌ عن ريادة المملكة داخل النظام البيئي للتمويل الإسلامي العالمي في آنٍ واحد.