هذه مقارنة مؤشرات أداء بين السعودية والإمارات عبر الناتج المحلي والسكان والطاقة والثروة السيادية والتنويع ومسار الرؤى الوطنية. وعلى الرغم من الروابط الثقافية والجغرافية العميقة بين البلدين، تكشف مساراتهما الاقتصادية وهياكلهما الديموغرافية ورؤاهما الاستراتيجية عن فوارق جوهرية تُشكّل قرارات الاستثمار والتحليل الجيوسياسي عبر منطقة الشرق الأوسط.
الناتج المحلي الإجمالي والحجم الاقتصادي
تتصدر المملكة العربية السعودية بفارق واضح من حيث حجم الاقتصاد. فبناتج محلي إجمالي اسمي يتخطى 1.1 تريليون دولار، تحتل المملكة موقع أكبر اقتصاد في العالم العربي في إطار رؤية 2030 والثامن عشر عالمياً. أما الإمارات، وإن كانت أصغر حجماً بناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 510 مليارات دولار، فتحقق نصيباً للفرد أعلى بكثير نظراً لصغر قاعدتها السكانية. ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المملكة نحو 32,000 دولار، فيما يتجاوز 50,000 دولار في الإمارات، مما يعكس تمركز الثروة في الإمارات على عدد أقل من المواطنين.
شهد كلا الاقتصادين نمواً قوياً عامَي 2023 و2024، مدفوعاً بإيرادات الهيدروكربونات المرتفعة وتسارع التوسع في القطاع غير النفطي. وتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في المملكة معدلات الأرقام الرئيسية باستمرار، محققاً متوسطاً فوق 4.5 بالمئة سنوياً منذ إطلاق رؤية 2030.
السكان والديموغرافيا
يتفوق سكان المملكة العربية السعودية البالغون نحو 33 مليون نسمة بفارق كبير على 10 ملايين مقيم في الإمارات. غير أن التركيبة الديموغرافية تحكي قصة أكثر دقة. إذ يُشكّل الوافدون في الإمارات نحو 88 بالمئة من مجموع المقيمين، مما يُؤسس لسوق عمل دولية بامتياز. أما في المملكة فتبلغ نسبة الوافدين نحو 38 بالمئة، ويعمل برنامج السعودة (نطاقات) بفاعلية على رفع مشاركة القوى العاملة الوطنية.
كلا البلدين يتميزان بهياكل سكانية شابة. فأكثر من 60 بالمئة من المواطنين السعوديين دون الخامسة والثلاثين، مما يُمثّل تحدياً للتوظيف وفرصة ديموغرافية تسعى رؤية 2030 إلى استثمارها. أما المواطنون الإماراتيون فعددهم أقل لكنهم يستفيدون من مستوى تعليمي مرتفع واستثمار عالٍ في رأس المال البشري.
إنتاج النفط والطاقة
المملكة العربية السعودية أكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم وتمتلك ثاني أكبر احتياطيات مثبتة بنحو 267 مليار برميل. وتتخطى طاقتها الإنتاجية 12 مليون برميل يومياً، وإن كانت التزامات أوبك+ تُقيّد الإنتاج عادةً عند 9-10 ملايين برميل يومياً.
تحتل الإمارات المرتبة السابعة عالمياً في إنتاج النفط بطاقة تقارب 4.2 مليون برميل يومياً واحتياطيات مثبتة تبلغ نحو 98 مليار برميل. وتحرّك أبوظبي عبر شركة أدنوك العمليات الاستخراجية الإماراتية، فيما يكاد يكون إنتاج دبي النفطي هامشياً. يتمتع كلا البلدين بنفوذ واسع داخل أوبك+، وإن منحت أرامكو السعودية دورها القيادي في الكارتيل قدرة تسعيرية استثنائية.
التنويع الاقتصادي
التنويع في صميم الأجندتين الاستراتيجيتين لكلا البلدين. وقد قطعت الإمارات أشواطاً أبعد على منحنى التنويع، إذ تُسهم القطاعات غير النفطية بنحو 70 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي. وبنت دبي تحديداً منصات ذات حضور عالمي في السياحة والخدمات اللوجستية والخدمات المالية والعقارات. وتمتد جهود تنويع أبوظبي عبر مبادلة وADQ لتشمل التكنولوجيا والرعاية الصحية والتصنيع المتقدم.
يتسارع التنويع في المملكة العربية السعودية بزخم ملحوظ في إطار رؤية 2030. إذ تُنمّي المملكة قطاعات السياحة (البحر الأحمر ونيوم وبوابة الدرعية) والترفيه (موسم الرياض ودوري روشن) والخدمات المالية (الرياض مركزاً مالياً إقليمياً) والصناعات المتقدمة (التعدين والدفاع والفضاء). وارتفعت الإيرادات غير النفطية من 10 بالمئة من إجمالي إيرادات الحكومة عام 2015 إلى أكثر من 36 بالمئة بحلول 2025.
الثروة السيادية
يُشغّل كلا البلدين صناديق ثروة سيادية ضمن كبريات هذه الصناديق عالمياً. وبلغت أصول صندوق الاستثمارات العامة في المملكة أكثر من 930 مليار دولار مع هدف 2 تريليون دولار بحلول 2030. ويضطلع الصندوق بدور المحرك الرئيسي لتنفيذ رؤية 2030 ناشراً رأس المال عبر المشاريع العملاقة والاستثمارات الدولية والبطولات الوطنية.
يتسم المشهد السيادي الإماراتي بتوزيع أكبر لكنه أضخم مجتمعاً. فجهاز أبوظبي للاستثمار يُدير ما يُقدَّر بـ990 مليار دولار، فيما تُضيف مبادلة (300 مليار) وADQ (200 مليار) ومؤسسة الاستثمار في دبي (320 مليار) ما يتجاوز مجموعه 1.8 تريليون دولار. يعكس هذا النموذج الموزَّع الهيكل الاتحادي للإمارات والاستراتيجيات الاقتصادية المتميزة لكل إمارة.
استراتيجيات الرؤية الوطنية
رؤية 2030 المُعلَنة عام 2016 تحت قيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تُمثّل أطموح أجندات الإصلاح في المملكة، مستهدفةً التنويع الاقتصادي والانفتاح الاجتماعي وتطوير السياحة ونمو القطاع الخاص. وتستند الاستراتيجية إلى 13 برنامجاً لتحقيق الرؤية وتُقاس وفق مؤشرات أداء رئيسية تفصيلية.
يتشكّل الإطار الاستراتيجي الإماراتي من خطط متداخلة متعددة، منها مئوية الإمارات 2071 ورؤية أبوظبي الاقتصادية 2030 وأجندة D33 لدبي. النهج الإماراتي أكثر لامركزية، مع تبنّي كل إمارة أهدافاً متميزة لكنها متكاملة. ولدى الإمارات سجل أطول في الإصلاح الاقتصادي، إذ أسّست المناطق الحرة وأطر الملكية الأجنبية والبنية التحتية السياحية قبل عقود من التحول الراهن في المملكة.
الانعكاسات الاستثمارية
للمستثمرين والمؤسسات التي تُقيّم السوقين، تُفرز المقارنة عدة رؤى. توفر المملكة حجماً لا مثيل له وسوقاً استهلاكية أوسع ومرحلة تسارع في الإصلاح تُوجد فرصاً للسبق. بينما توفر الإمارات بيئة أعمال أكثر نضجاً وأسواق رأس مال أعمق واتصالاً دولياً راسخاً. تحتفظ كثير من الشركات متعددة الجنسيات بمقار إقليمية في الإمارات بينما توسّع بصماتها التشغيلية في المملكة، مُدركةً الطبيعة التكاملية للسوقين.
يتصاعد التنافس بين الرياض ودبي على مكانة المقر الإقليمي، لا سيما في ظل برنامج المقار الإقليمية السعودي الذي يحفّز على الانتقال. ويواصل البلدان استقطاب مستويات قياسية من الاستثمار الأجنبي المباشر، مما يُشير إلى أن التنافس قد يكون تعاونياً أكثر من كونه صفرياً في دفع النمو الاقتصادي على مستوى الخليج.