حركة التطوع في السعودية هي أحد مؤشرات المشاركة المجتمعية في رؤية 2030، وتقوم على تسجيل المتطوعين واحتساب الساعات الموثقة وبلوغ مستهدف وطني بدأ بمليون متطوع سنوياً. وتحوّل منصة التطوع السعودية هذا الهدف إلى منظومة عملية تربط المواطنين والجهات غير الربحية والوزارات والشركات بفرص معتمدة.
منصة التطوع السعودية
تُعدّ منصة التطوع السعودية التي طوّرتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وتديرها المنصةَ الرقمية المركزية التي تصل المتطوعين الأفراد بالمنظمات والفرص المتاحة. وتُيسّر المنصة التسجيل ومطابقة المهارات وإدارة الفعاليات وتتبع الساعات، مما يوفر للمتطوعين والمنظمات على حدٍّ سواء إطاراً منظماً للمشاركة. وتُسجَّل ساعات التطوع الموثقة ويمكن الاحتجاج بها في طلبات التوظيف والقبول الجامعي وملفات التطوير المهني، مما يُرسي حوافز ملموسة للمشاركة المستدامة.
وتستضيف المنصة فرصاً تمتد عبر قطاعات الصحة والتعليم والبيئة والاستجابة الإنسانية والفعاليات الثقافية والتنمية المجتمعية. وخلال الفعاليات الوطنية الكبرى كموسم الرياض وموسم جدة وموسمَي الحج والعمرة، يُحشَد آلاف المتطوعين عبر المنصة لدعم إدارة الحشود وخدمات الزوار والترجمة واللوجستيات.
الإطار المؤسسي
تتوزع حوكمة التطوع على عدة جهات مؤسسية. وتوفر وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية الإطار التنظيمي والمنصة الرقمية. ويدعم المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي المنظماتِ غير الربحية في تصميم برامج التطوع وإدارتها. وتُشغّل الجهات الحكومية والمؤسسات المملوكة للدولة والشركات الخاصة بصفة متزايدة برامجَ تطوع مؤسسي تتوافق مع الأهداف الوطنية.
يُرسي نظام التطوع المُصدَر لتقنين الوضع القانوني للمتطوعين حقوقَهم والتزاماتهم والتزامات المنظمات المضيفة، بما فيها ضمانات المسؤولية وتغطية التأمين وحظر توظيف المتطوعين بديلاً عن العمالة المأجورة. وتعالج هذه الأحكام المخاوف من احتمال استخدام برامج التطوع للتحايل على أنظمة سوق العمل أو إزاحة الوظائف المدفوعة الأجر.
انخراط الشباب
يُشكّل الشباب السعودي بعمره الغالب قاعدة طبيعية للتطوع. فمع تجاوز ستين بالمئة من السكان سن الخامسة والثلاثين، يغدو انخراط الشباب في الأنشطة المدنية أمراً بشكل ملموس لتحقيق أهداف التماسك الاجتماعي التي تتبناها رؤية 2030. وقد دمجت الجامعات والمدارس الثانوية متطلبات الخدمة المجتمعية في مناهجها الدراسية، وتعمل منظمات متطوعة طلابية في مختلف أرجاء الحرم الجامعية الكبرى في المملكة.
ويضطلع المجلس الوطني للشباب والمنظمات الشبابية المنتسبة إليه بدور قنوات تُوجّه الطاقة الشبابية نحو أنشطة تطوعية منظمة. وتربط برامج التبادل التطوعي الدولي الشبابَ السعودي بمنظمات التنمية العالمية، مما يُنمّي الكفاءة الثقافية المتقاطعة إلى جانب الالتزام المدني.
الأثر ورأس المال الاجتماعي
تُسهم حركة التطوع في تحقيق أهداف رؤية 2030 بما يتجاوز الخدمات المباشرة المُقدَّمة. إذ يبني التطوع رأس المال الاجتماعي — وهو شبكات العلاقات والأعراف والثقة التي تُمكّن من العمل الجماعي — وهو ما لا غنى عنه لازدهار مجتمع مدني حيّ. وفي بلد اضطلعت فيه الدولة تاريخياً بدور الوسيط في معظم خدمات الرعاية الاجتماعية، يُمثّل تطوير ثقافة التطوع تحولاً جذرياً نحو توزيع المسؤولية الاجتماعية.
وتشير الدراسات التجريبية في اقتصادات مماثلة إلى ارتباط حركات التطوع القوية بمستويات أعلى من الثقة والصمود المجتمعي والمشاركة المدنية. ويسعى البرنامج السعودي إلى تحقيق هذه المكاسب الاجتماعية مع فتح مسارات لتطوير المهارات واستكشاف الفرص المهنية والتواصل الاجتماعي عبر الحدود الديموغرافية والجغرافية.
التطوع المؤسسي والشركاتي
أصبح القطاع الخاص مشاركاً متنامي الأهمية في منظومة التطوع. وتُشجّع أطر المسؤولية الاجتماعية للشركات المرتبطة في الغالب بالسعودة وتقارير الاستدامة الشركاتِ على تيسير أيام التطوع للموظفين وتقديم الخدمات المهنية التطوعية وبرامج الشراكة المجتمعية. وتُشغّل كبرى جهات التوظيف من بينها أرامكو السعودية وسابك والمصارف الكبرى برامجَ تطوع منظمة تُسهم بآلاف الساعات سنوياً في مبادرات التعليم والبيئة والرفاه الاجتماعي.
وأنشأت المؤسسات الحكومية برامجها التطوعية الخاصة، فيما تضمّن الوزارات والجهات برامجَ تطوع ضمن مؤشرات الأداء الوظيفي واستراتيجيات الانخراط الوظيفي. ويُشكّل الجمع بين التطوع الفردي والمؤسسي والشركاتي منظومةً متعددة الطبقات تُعزز معايير المشاركة في مختلف أوساط المجتمع السعودي.
التحديات
تظل الحفاظ على انخراط المتطوعين ما بعد التسجيل الأولي تحدياً قائماً. إذ يقتصر كثير من المتطوعين المسجّلين على المشاركة في فعالية واحدة دون الاستمرار، ويتباين عمق الالتزام تبايناً ملحوظاً في قاعدة المتطوعين. وتُبلّغ المنظمات عن قيود في طاقتها على إدارة المتطوعين ونشرهم بفاعلية، ولا سيما المنظمات غير الربحية الأصغر ذات الموارد الإدارية المحدودة. كما يعني تركيز الفرص في المدن الكبرى أن سكان المدن الثانوية والمناطق الريفية يحظون بخيارات أقل للمشاركة المحلية.
الأعراف الثقافية المتعلقة بالمشاركة المدنية في تطور مستمر لم يبلغ نضجه الكامل بعد، ويتعين موازنة رسمنة التطوع عبر المنصات الحكومية مع الطابع العضوي المجتمعي الذي يمنح حركات التطوع أصالتها وصمودها.