قُدّرت الثروة المعدنية السعودية بنحو 1.3 تريليون دولار في خط الأساس الأصلي لمسح هيئة المساحة الجيولوجية السعودية لعام 2016، ثم أُعيد تقييمها في يناير 2024 إلى 9.375 تريليون ريال، أي نحو 2.5 تريليون دولار. وتُمثّل هذه الثروة إحدى أوسع الأقاليم التعدينية غير المُطوَّرة على وجه الكوكب. يحتضن الدرع العربي، التكوين القاعدي الممتد من حقبة ما قبل الكامبري تحت الثلث الغربي من البلاد، رواسب الذهب والفضة والنحاس والزنك والرصاص والكروم والنيكل والتنتالم والنيوبيوم ومواقع العناصر الأرضية النادرة. أما الأحواض الرسوبية في الشمال والشرق فتحوي الفوسفات والبوكسيت والمغنيزيت والكاولين والحجر الجيري. وبعد عقدين من ضعف الاستثمار مقارنة بقطاع البترول، أصبح التعدين الركيزة الثالثة في البرنامج الوطني لتنمية الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية ورافعةً قابلة للقياس داخل الإطار الأشمل للتنويع الذي ترسمه رؤية 2030.
الموارد المعدنية
رصدت حملات المسح التي موّلتها وزارة الصناعة والثروة المعدنية ونفّذتها هيئة المساحة الجيولوجية السعودية أكثر من 5,300 موقع معدني. وقد رفعت إعادة التقييم لعام 2024، التي أُعلنت في منتدى التعدين الدولي بالرياض، الرقم المُعلَن بنسبة 90 بالمئة فوق تقدير 2016. وجاء هذا الارتفاع من ثلاثة مصادر: حمولات إضافية في رواسب الفوسفات والنحاس والزنك والذهب المُثبَتة، واكتشافات جديدة لعناصر أرضية نادرة ومعادن انتقالية خارج الأحزمة المعدنية المرصودة تاريخياً، وإعادة تقييم بأسعار السوق العادلة للسلع داخل الموقع وفقاً لأسعار البيع الفوري لعامَي 2023 و2024.
ويحوي حوض الفوسفات الشمالي حول وعد الشمال احتياطياً يُقدَّر بملياري طن من خام الفوسفات، ما يضع المملكة إلى جانب المغرب والصين في صدارة الدول المنتجة لصخر الفوسفات. كما تُغذّي احتياطيات البوكسيت في الزبيرة مصفاة الألومينا والمصهر المتكاملَين في رأس الخير على ساحل الخليج العربي. وتمتدّ التمعدنات الذهبية على طول الدرع العربي من مهد الذهب شمالاً إلى السوق جنوباً، مع تسعة مناجم على الأقل في طور التشغيل أو التطوير تحت إدارة معادن. ويظهر النحاس والزنك والرصاص في أنظمة الكبريتيدات الكتلية البركانية في جبل سيد والعمار وخنيقية. كما رصدت مسوحات جوية جيوفيزيائية حديثة، غطّت نحو 600,000 كيلومتر مربع خلال 2024، شذوذات في العناصر الأرضية النادرة ومحاليل ملحية حاوية لليثيوم لم تظهر في جرد عام 2016.
وأكّدت أرامكو في أواخر 2024 وجود تركيزات ليثيوم تصل إلى 400 جزء في المليون في المحاليل الملحية لحقل الغوار النفطي، ثم أعلنت في أوائل 2025 عن مشروع تجريبي للاستخلاص المباشر لليثيوم. ويسمح مسار الاستخلاص المباشر، بشراكة مع مزوّدي التقنية SLB وLightOre وLiHyTech، بتجاوز برك التبخّر التقليدية، وتسريع معدلات الاستخلاص، وخفض استهلاك المياه، وكلها قيود حاسمة في بيئات التشغيل القاحلة. وبالتكامل مع آفاق الليثيوم الصخري الصلب في جنوب الدرع العربي، تضع المملكة نفسها مورّداً موثوقاً وغير صيني لكربونات الليثيوم وهيدروكسيده بدرجة البطاريات. كما رُصدت مؤشرات على وجود العناصر الأرضية النادرة في عدد من الشذوذات في الحجاز وعلى الحدود اليمنية، على أن تتأكد العيارات والحمولات عبر برامج الحفر بين عامَي 2026 و2027.
معادن: البطل الوطني للتعدين
معادن هي الأداة المؤسسية الرئيسية لتحويل جيولوجيا المملكة إلى قيمة تجارية. مُدرَجة في تداول منذ 2008، وتسيطر عليها أغلبيةً صندوق الاستثمارات العامة، فيما دخلت أرامكو شريكاً استراتيجياً في 2025 ضمن المشروع المشترك للّيثيوم والمعادن الانتقالية. وتدير معادن أربع وحدات أعمال محورية: الذهب والمعادن الأساسية، والفوسفات والأسمدة، والألومنيوم، ووحدة جديدة للمعادن تشمل الليثيوم والتوسعات في النحاس والعناصر الأرضية النادرة.
وبلغ إنتاج الذهب نحو 400,000 أوقية في السنوات الأخيرة موزّعاً على مجمعات مهد الذهب وبلغة والسوق والدويحي والمنصورة-المسرة. ووجّهت الإدارة بالوصول إلى 500,000 أوقية في 2025 و700,000 أوقية بحلول 2028، مع طموح أبعد مدى يتمثّل في مضاعفة الإنتاج بحلول 2030 ورفعه أربعة أضعاف بحلول 2040 مع تقدّم الاكتشافات الجديدة في مرحلة دراسات الجدوى. وأفصحت معادن في منتدى التعدين الدولي في يناير 2025 عن أن أعمال الاستكشاف خلال 2024 أضافت نحو 7.8 مليون أوقية من الذهب إلى الموارد المعدنية القابلة للإفصاح، وهي أكبر إضافة سنوية في تاريخ الشركة.
أما قطاع الفوسفات، الذي يعمل عبر مشروع شركة معادن وعد الشمال للفوسفات المشترك مع موزاييك وسابك، فقد أنتج رقماً قياسياً بلغ 6.72 مليون طن من فوسفات ثنائي الأمونيوم في 2025، بارتفاع 9 بالمئة على أساس سنوي. وحقّقت شعبة الفوسفات إيرادات بلغت 20.77 مليار ريال في 2025، مع اتساع هوامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء إلى 47 بالمئة بفعل تصلّب أسعار الأسمدة عالمياً. وإلى جانب منجم الجلاميد الأقدم ومجمع المعالجة في رأس الخير، أصبحت المملكة ثالث أكبر مُصدّر في العالم لأسمدة الفوسفات بعد المغرب والصين.
وتُعدّ منشأة الألومنيوم في رأس الخير من أكبر المجمعات المتكاملة بالكامل عالمياً: منجم بوكسيت في الزبيرة يغذّي مصفاة ألومينا (1.8 مليون طن سنوياً) تُغذّي بدورها مصهراً أولياً بطاقة 740,000 طن، ومن خلفه مصنع درفلة ينتج صفائح علب المشروبات وصفائح السيارات. ويلتقط مجمع رأس الخير الصناعي، المُقام داخل منطقة استثمار رأس الخير، سلسلة القيمة الكاملة من الخام إلى المنتج النهائي في موقع واحد. وبلغت مبيعات الألومنيوم 10.99 مليار ريال في 2025، بارتفاع 9 بالمئة بفعل تحسّن الأسعار في بورصة لندن للمعادن.
ويتمحور إنتاج المعادن الأساسية حول جبل سيد، منجم النحاس الذي يُدار باعتباره مشروعاً مشتركاً مناصفةً بين معادن وباريك تحت مظلة شركة معادن باريك للنحاس. وقد بلغ المنجم في 2023 طاقته التصميمية البالغة نحو 130 مليون رطل من النحاس المحتوى سنوياً، ويجري التوسع به نحو 100,000 طن من مركّز النحاس سنوياً. وأنجز مقاول الأعمال الجوفية باينكت 4,300 متر من أعمال التطوير الكبرى للمنجم، ونقل 3.1 مليون طن من الخام، وحفر 270,000 متر من ثقوب الإنتاج خلال 2025.
وأقفلت المجموعة عام 2025 بإيرادات بلغت 38.58 مليار ريال (بزيادة 19 بالمئة) وصافي ربح بلغ 7.35 مليار ريال (بزيادة 156 بالمئة) وإنتاج قياسي عبر منتجات أسمدة الفوسفات والذهب وصفائح الألومنيوم المدلفنة. وتؤكّد نتائج 2025 نقطة الانعطاف التي بدأت في 2023، حين تعافت أرباح معادن من ضعف أسعار الأمونيا والألومنيوم وانطلق التشغيل في مجمع المنصورة-المسرة الذهبي الجديد.
استراتيجية تطوير قطاع التعدين
يُعدّ نظام الاستثمار التعديني السعودي الصادر عام 2020، الذي حلّ محلّ نظام 2004، المرتكزَ التنظيمي للقطاع. وتشمل الإصلاحات الجوهرية رخص استغلال مدتها 30 عاماً قابلة للتجديد لعشرين عاماً، ورخص استكشاف يمكن تمديدها إلى سبع سنوات، ومعدلات إتاوات معايرة عند الربيع الأدنى للولايات القضائية المنافسة، وترخيصاً إلكترونياً عبر منصة تعدين، وحماية تشريعية لحقوق المستثمرين من الإلغاء التعسّفي للتراخيص. ويجري فصل هيئة المساحة الجيولوجية عن الوزارة لتصبح هيئة وطنية مستقلة للمساحة الجيولوجية بهدف تعزيز احترافية طبقة البيانات والإسراع بالأعمال الجيولوجية ما قبل التنافسية.
وتستقرّ استراتيجية قطاع التعدين داخل البرنامج الوطني لتنمية الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، وهو أحد برامج تحقيق رؤية 2030 الأحد عشر. والهدف الحكومي الراهن، الذي أعادت الوزارة تأكيده في الفترة 2024-2025، هو رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 64 مليار ريال (نحو 17 مليار دولار) في 2024 إلى 240 مليار ريال (نحو 64 مليار دولار) بحلول 2030، مع توفير ما بين 200,000 و250,000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة. وستُرفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي غير النفطي، التي تقع حالياً في خانة الآحاد المنخفضة، إلى ما بين 5 و6 بالمئة وفق الخطة، لتغذّي مسار نمو الناتج المحلي غير النفطي الذي ترصده رؤية 2030.
وتستند هذه الأهداف إلى ثلاث روافع تشغيلية. الأولى الاستكشاف: ضخّت الوزارة نحو 300 مليون دولار في الإنفاق على الاستكشاف خلال 2024، أي خمسة أضعاف ما أُنفق في 2020، فيما ارتفع عدد شركات الاستكشاف العاملة من ست شركات في 2020 إلى 226 شركة بحلول منتصف 2025، تحمل 702 رخصة سارية. وأصدرت الوزارة 736 رخصة تعدين جديدة في 2025 وحده، شملت 479 رخصة استكشاف، و127 رخصة محاجر مواد بناء، و61 حقاً لاستغلال التعدين والمحاجر الصغيرة، و52 رخصة بحث تنقيبي، و17 ترخيصاً للمعادن الفائضة، بقفزة بلغت 220 بالمئة على أساس سنوي في إصدار رخص استغلال التعدين. والثانية المعالجة في المراحل التحويلية: وضعت المملكة هدفاً ليكون اقتصادها بحلول 2030 ضمن أكبر سبعة مراكز عالمية لمعالجة المعادن، مرتكزةً على رأس الخير ووعد الشمال ومدينة معادن ثالثة مزمعة قرب ينبع. والثالثة ضخّ رؤوس الأموال: حدّد إعلان فبراير 2025 خطة استثمار قيمتها 100 مليار دولار في قطاع التعدين حتى 2030، تتوزع التزاماتها على الاستكشاف والمعالجة والميتالورجيا التحويلية وحصص الملكية في الخارج. وتُقرن الخطةُ إنفاقَ الوزارة بمنح استكشاف مشتركة التمويل لصالح المشغّلين من القطاع الخاص، وهي مُصمَّمة لضغط منحنى الاكتشاف في الأقاليم غير المختبرة التي تحمّلت فيها شركات الاستكشاف الصغيرة عبر التاريخ كامل المخاطر الجيولوجية.
فرص الاستثمار الدولي
فتحت المملكة العربية السعودية قطاع التعدين بالكامل أمام رأس المال الأجنبي. فقد ظفرت الشركات الأجنبية بنحو 35 بالمئة من رخص التعدين الممنوحة في 2025. ويضمّ المشاركون الدوليون شركات استكشاف من المرتبة المتوسطة من أستراليا وكندا وجنوب إفريقيا والصين والولايات المتحدة، وقد وقّع عدد منهم تحالفات استكشاف مع معادن أو تقدّموا مباشرة بعطاءات في جولات الترخيص التي تطرحها الوزارة. ويلتقي الهيكل التكلفوي التنافسي، وتعرفات الكهرباء الصناعية التي تقلّ عن 30 دولاراً للميجاوات/ساعة، وغياب ضريبة دخل اتحادية على الكيانات غير المُدرَجة دون عتبة معينة، والقرب من أسواق الصهر الأوروبية والآسيوية عبر قناة السويس وموانئ البحر الأحمر، ليُشكّل بديلاً قابلاً للتطبيق عن الولايات الحدودية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا.
وقد تحوّل منتدى التعدين الدولي السنوي، المُطلَق في 2022 والمنعقد كل يناير في مركز الملك عبد العزيز للمؤتمرات الدولية بالرياض، إلى التجمّع التعديني الرئيسي للإقليم الممتدّ من إفريقيا إلى الشرق الأوسط ووسط آسيا. واستقطبت دورة 2025 ثمانية عشر ألف مشارك من 165 دولة، واستضافت 405 متحدثين، ويسّرت توقيع 126 اتفاقية بقيمة إجمالية مُعلَنة بلغت 107 مليار ريال موزّعة على الاستكشاف والبحث والتطوير والاستدامة. ومن أبرز الإعلانات: المشروع المشترك بين أرامكو ومعادن للّيثيوم والمعادن الانتقالية، واكتشافات معادن الاستكشافية في الذهب والنحاس، وتوسعة شركة حديد بقيمة 25 مليار ريال، والتزام شركة باوستيل ببناء أول مصنع متكامل لها للصلب خارج الصين داخل المملكة. وتُعقد الدورة الخامسة في الفترة من 13 إلى 15 يناير 2026 تحت شعار “فجر قضية عالمية”.
منارة للتعدين والاستراتيجية الخارجية
منارة للتعدين، مشروع مشترك مناصفةً تأسّس في يناير 2023 بين معادن وصندوق الاستثمارات العامة، هي الأداة المخصصة لتملّك حصص خارجية في أصول المعادن الحرجة. وتتمثّل ولاية الشركة في أخذ حصص أقلية في أصول النحاس والنيكل وخام الحديد والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة المنتجة أو القريبة من الإنتاج، التي يتعذّر على المملكة محاكاتها محلياً بنفس النطاق، مع فتح ممرات شراء آجلة لطاقة المعالجة السعودية.
وأقفلت منارة أول صفقة كبرى في منتصف 2024 بدفعها 2.5 مليار دولار للحصول على حصة 10 بالمئة من شركة فالي للمعادن الأساسية المحدودة، الكيان القابض الذي يضمّ محفظة فالي لمعادن مرحلة التحول في الطاقة، وتغطي أصول النحاس والنيكل في البرازيل وكندا وإندونيسيا. وفي الفترة 2024-2025، دخلت منارة في مفاوضات حصرية مع حكومة باكستان للاستحواذ على حصة تتراوح بين 10 و20 بالمئة من مشروع ريكو ديك للنحاس والذهب، المشروع الذي تشغّله باريك بقيمة 9 مليارات دولار في إقليم بلوشستان، على أن تُهيكَل الحصة في شريحتين: 10 بالمئة عند التوقيع و5 بالمئة إضافية عند قرار الاستثمار النهائي. كما تقدّمت في 2024 محادثات مع شركة فيرست كوانتم مينرالز للاستحواذ على ما بين 15 و20 بالمئة من عملياتها للنحاس والنيكل في زامبيا بقيمة تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار. وبحث صندوق الاستثمارات العامة ومعادن إضافةً إلى ذلك إنشاء منصة إفريقية للمعادن بقيمة 3 مليارات دولار تمتدّ على جمهورية الكونغو الديمقراطية وولايات قضائية أخرى، فيما تُهيكِل منارة ذراعاً للتجارة المعدنية لتسييل تدفّقات الحجم عبر محفظتها. وفي يناير 2026، أفادت AGBI بأن صندوق الاستثمارات العامة يعتزم نقل منارة من هيكل المستثمر الصرف إلى مشغّل قادر على تولّي مواقع السيطرة في أصول مختارة.
وتُحاكي استراتيجية منارة الأسلوب الذي اعتمدته بيوت التجارة اليابانية وشركات التعدين الحكومية الصينية على مدى العقدَين الماضيَين: حصص أقلية لتأمين الإمدادات، وحقوق شراء آجل تتدفّق إلى المعالجة المحلية، وتصاعد تدريجي نحو التشغيل حيث يسمح الأصل والولاية القضائية المضيفة بذلك. وبالنسبة للمملكة، يضغط هذا المسار الزمن المطلوب لتأمين سلسلة إمداد متكاملة، من عشرين عاماً من الاستكشاف الجديد إلى نحو خمس سنوات من الاستحواذ على حصص الملكية مضافاً إليها التوسعة في الأصول القائمة في الداخل.
تطوير البنية التحتية
يستلزم التعدين بنية تحتية لمناولة المواد السائبة تتجاوز نطاق البصمة الصناعية السعودية التاريخية. فالسكك الحديدية الشمالية الجنوبية، التي اكتمل إنشاؤها على مراحل بين 2010 و2017 وتشغّلها الخطوط الحديدية السعودية، تربط حوض الفوسفات في الجلاميد ووعد الشمال بمجمع المعالجة في رأس الخير على الخليج العربي، عبر ممرّ شحن مخصص بطول 1,400 كيلومتر، قادر على نقل 5 ملايين طن سنوياً من الفوسفات السائب وكميات إضافية من البوكسيت. كما اكتملت أعمال تطوير الطرق إلى مجمعات مهد الذهب والدويحي والمنصورة-المسرة الذهبية ضمن البرامج الرأسمالية لرؤية 2030، فيما تتولى موانئ تعدين مخصصة في رأس الخير على الساحل الشرقي وينبع على البحر الأحمر مناولة أحجام التصدير.
وتُعدّ وعد الشمال نموذجاً للمدينة التعدينية المتكاملة. فقد بُنيت حول حوض الفوسفات وتجمع توليد الطاقة، والمياه المُحلّاة الواردة من خط أنابيب مخصص، وإسكان العمال، والمدارس، والرعاية الصحية، والروابط بالسكك الحديدية والطرق، في موقع واحد مرخّص. وعلى نهج هذا النموذج، تعمل الوزارة والهيئة الملكية للجبيل وينبع على دراسة مدينة معدنية مماثلة قرب ينبع لتأنيب صهر النحاس وفصل العناصر الأرضية النادرة وتصنيع المركّبات الأولية للبطاريات، مع انتقال هذه السلاسل القيمية من مرحلة دراسات الجدوى إلى مرحلة التنفيذ.
المخاطر والتحديات
لا يخلو مسار التطوير من احتكاكات. فكثير من الرواسب ذات الأولوية يقع في تضاريس نائية في شمال الحجاز ونجد والربع الخالي، حيث البنية التحتية شحيحة وتكاليف التشغيل أعلى مما توحي به أرقام دراسات الجدوى المنشورة في بادئ الأمر. وتُمثّل المياه القيد الحاكم لمعظم خيارات المعالجة، وستتنافس معالجة المعادن على نطاق واسع مع الطلب البلدي والزراعي ما لم تُغذَّ بالتحلية بالتناضح العكسي المرتبطة ببرنامج المملكة لبناء مصادر الطاقة المتجددة.
والفجوة في العمالة الماهرة قائمة فعلياً. إذ تتنافس معادن وشركات الاستكشاف الصغيرة والمقاولون على رصيد محدود من المهندسين والجيولوجيين والميتالورجيين والمشرفين السعوديين على الأعمال الجوفية، فيما تتجاور أهداف السعودة مع تفضيل سياسي صريح لنقل التقنية عبر تعيين الكفاءات الأجنبية. وقد وسّعت جامعات منها الملك عبد العزيز والملك فهد للبترول والمعادن والملك سعود برامج هندسة التعدين والهندسة الجيولوجية، غير أن الفاصل الزمني بين القيد الجامعي والخبرة التشغيلية في المنجم يُقاس بالسنوات.
كما تشدّدت اشتراطات الترخيص البيئي والاجتماعي. فالوزارة، بالتنسيق مع المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، تشترط الآن دراسات تقييم الأثر البيئي والاجتماعي، وخطط إغلاق المناجم، وخطط إدارة المياه، وبروتوكولات إشراك المجتمع، بنسق يقترب عموماً من معايير الأداء التي تتبنّاها مؤسسة التمويل الدولية. كما يتعيّن على عمليات التعدين أن تتسق مع التزام المملكة بالحياد الكربوني بحلول 2060، ما يُقيّد خيارات الطاقة في عمليات الصهر ويدفع المشغّلين نحو اتفاقيات شراء طاقة متجددة، ونقل كهربائي للمعادن، وتصاميم عمليات قابلة لاحتجاز الكربون.
ويُمثّل التعرّض لأسعار السلع المخاطر الدورية. فقد ارتدت نتائج معادن في 2025 على وقع تماسك أسعار الذهب وفوسفات ثنائي الأمونيوم إلى جانب تسجيل أحجام قياسية، وأي تراجع مستدام في إحدى السلعتَين سيضغط الهوامش ويُبطئ تمويل الإنفاق الرأسمالي للنمو. وتُضيف المخاطر الجيوسياسية على أصول منارة الخارجية طبقة أخرى: فمشروع ريكو ديك يقع في بلوشستان، ومحفظة فالي للمعادن الأساسية تشمل تعرّضاً للنيكل الإندونيسي، والنظام المالي في زامبيا تبدّل مرتين خلال الدورة السابقة. ولذا تتوقف استراتيجية التعدين على تنويع المحفظة عبر السلع والمواقع الجغرافية ومراحل سلسلة القيمة، عوضاً عن التركيز في أصل بعينه.
النظرة المستقبلية حتى 2030
بحلول 2030، تبقى مؤشرات التسليم المنظورة في المتناول. إذ يجب أن يقفز الناتج المحلي الإجمالي لقطاع التعدين من نحو 64 مليار ريال إلى 240 مليار ريال، ما يستلزم نمواً حقيقياً سنوياً في النطاق العالي ضمن خانة العشرات، وهو معدل ينسجم مع وتيرة الترخيص الراهنة. ولإنتاج الذهب مسار واضح من 400,000 أوقية اليوم إلى 700,000 أوقية بحلول 2028 ثم نحو مليون أوقية بحلول 2030 إذا تحوّلت المنصورة-المسرة وتوسعات الدويحي والكوكبة الاستكشافية المقبلة إلى إنتاج وفق الجدول. ومن المستهدف أن يرتفع إنتاج أسمدة الفوسفات إلى ما يزيد على 9 ملايين طن سنوياً مع اكتمال المرحلة الثالثة من مجمع وعد الشمال. ومن المتوقع أن يقترب إنتاج النحاس من 200,000 طن سنوياً بين جبل سيد وتطوير خنيقية وأي اكتشافات إضافية. كما سيدخل المشروع المشترك للّيثيوم بين أرامكو ومعادن، الذي يُستهدف بدء إنتاجه التجاري في 2027، المملكةَ في النقاش العالمي لإمدادات البطاريات في الوقت الذي تتسابق فيه شركات صناعة السيارات الأصلية الغربية على ضمان لقيم غير صينية.
ولن يحلّ التعدين محلّ الهيدروكربونات مالياً بحلول 2030، وهذا ليس الهدف التصميمي. فالحجة الداعمة للقطاع هيكلية: يحوّل أصولاً جيولوجية تملكها الدولة فعلاً إلى قيمة، ويستفيد من القدرات الهندسية وقدرات إدارة المشاريع الموجودة، ويتكامل مع التصنيع التحويلي للمعادن في إطار دفعة التنويع الاقتصادي السعودي الأوسع، ويولّد منتجات ذات قيمة مضافة قابلة للتصدير. وبالتلاقي مع محفظة منارة الخارجية، تضع المملكة نفسها لتغدو مورّداً ذا أهمية بنيوية لأسمدة الفوسفات والذهب المُكرَّر والألومنيوم الأولي ومركّز النحاس وليثيوم درجة البطاريات في الشطر الأخير من العقد. وهذا الموقع، لا الرقم الإعلاني المُقدَّر بتريليون دولار، هو المعيار الذي سيُحاكَم به التعدين السعودي.
ويتحدّد بثلاثة بنود رصد ما إذا كانت الأرقام المُعلَنة ستترجم إلى طاقة صناعية مستدامة. الأول هو معدّل تنقّل رخص الاستكشاف عبر أنبوب الاكتشاف-المورد-الاحتياطي؛ فأعداد رخص مرتفعة من دون كثافة حفر مقابلة وبيانات موارد موازية ستُشير إلى نشاط لا إلى تقدّم. والثاني جودة الاستثمار الأجنبي المباشر: تحتاج المملكة ليس إلى رأس المال فحسب، بل إلى الخبرة التقنية المُجسَّدة داخل الفرق التشغيلية، ما يعني تتبّع نسبة المناصب التقنية الكبرى التي يشغلها بناة مناجم ذوو خبرة بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإعلانية للاستثمار. والثالث التحويل التحويلي: إذ يجب على برامج رأس الخير ووعد الشمال ومدينة معادن المرتقبة قرب ينبع أن تستوعب إنتاج المركّز المحلي وأن تُنتج معادن مكرّرة بكلفة تنافسية دولياً، وإلا فإن المملكة تخاطر بالانتهاء مُصدّراً للمركّزات لا مركزاً متكاملاً للمعادن كما تصفه الوثائق السياسية. وتشير وتيرة الترخيص، وسجلّ تنفيذ معادن، وتدفّق صفقات منارة، والمشروع التجريبي للّيثيوم بقيادة أرامكو، مجتمعةً، إلى أن المسار حقيقي، غير أن السنوات الأربع المقبلة هي التي يتعيّن فيها أن يتحوّل الوعد إلى أطنان تشغيلية.
مراجع خارجية
- وزارة الصناعة والثروة المعدنية - بيانات الترخيص واستراتيجية القطاع وإعلانات منتدى التعدين الدولي.
- ملخّصات السلع المعدنية الصادرة عن هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية - معايرة دولية لاحتياطيات الفوسفات والبوكسيت والعناصر الأرضية النادرة.
- تغطية رويترز للتعدين - تدفّق صفقات منارة للتعدين والنتائج الفصلية لشركة معادن.
- Mining Weekly - تحديثات تشغيلية من جبل سيد وريكو ديك وتغطية منتدى التعدين الدولي.
- Arab Gulf Business Insight - خطط الفصل الخاصة بشركة منارة، والمحادثات الزامبية، والاستراتيجية التعدينية الخليجية الأشمل.
- Bloomberg لقطاعَي الطاقة والسلع - سياق أسعار بورصة لندن للمعادن للألومنيوم والنحاس والذهب الذي يخصّ هوامش معادن.