المدن الصناعية السعودية هي مناطق التصنيع والخدمات اللوجستية التي ترتكز عليها استراتيجية التنويع الصناعي ضمن رؤية 2030، وفي مقدمتها الجبيل وينبع ورأس الخير وسدير والمدن الصناعية الكبرى التابعة لمدن حول الرياض والدمام وجدة.
وتجمع الشبكة بين مجمّعات الصناعات الثقيلة ومدن التصنيع التابعة لمدن والمناطق الاقتصادية الخاصة الأحدث، بما يوضح أين تتركّز الطاقة الإنتاجية السعودية. وتُدير الشبكةَ جهتان تشغيليتان: الهيئة الملكية للجبيل وينبع التي تتولى المجمّعات الكبرى للصناعات الثقيلة المرتكزة على البتروكيماويات والتكرير ومعالجة المعادن، والهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) التي تُشرف على محفظة أوسع تضمّ 37 مدينة موزّعة على مختلف المناطق وتحتضن نحو 9,557 مصنعاً وعقد خدمات ومستأجرين لوجستيين، يعمل لديها أكثر من نصف مليون عامل. ويُضاف إلى ذلك هيئة المدن الاقتصادية والمناطق الخاصة (إكزا) التي تُشرف على المناطق الاقتصادية الخاصة الأربع التي أُطلقت عام 2023 بمنظومة حوافز مغايرة موجَّهة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر في التصنيع المتقدم والحوسبة السحابية والخدمات اللوجستية.
وتحتضن هذه المناطق مجتمعةً الطاقة الإنتاجية الكامنة وراء البرنامج الوطني لتنمية الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (نيدلب) الذي ساهم بمقدار 986 مليار ريال سعودي (263 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي عام 2024، ويستهدف رفع حصة قطاع التصنيع من الناتج المحلي إلى نحو 20% بحلول 2030. كما تُمثّل القناة الرئيسية التي يُوظِّف من خلالها صندوق الاستثمارات العامة وأرامكو السعودية وسابك ومعادن إنفاقَهم الرأسمالي الصناعي داخل المملكة. ويُقدّم هذا الدليل ترتيباً لأكثر المدن اعتماداً على الصناعة في المملكة، ويستعرض هرمية الجهات المُشغِّلة، ويُسلّط الضوء على المشاريع التي ستُحرّك الموجة المقبلة من الطاقات الإنتاجية حتى 2030.
مدن: المُشغّل الرئيسي
تأسست الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) عام 2001 لدمج ما كان قبل ذلك شبكة متفرّقة من المُجمّعات الصناعية الإقليمية الخاضعة لإشراف وزارة الصناعة. وتُشغّل اليوم 37 مدينة صناعية، وثمّة شريحة أخرى قيد التطوير. وتختصّ ولايتها بصلاحية ضيّقة لكنها كثيفة رأس المال، تتمثّل في توفير الأراضي الصناعية المُجهّزة والطرق والمياه ومعالجة الصرف والكهرباء والاتصالات ونافذة ترخيص موحّدة، ثم ترك الجهات الخاصة لتشييد المصانع على القسائم.
وتُبيّن أرقام عام 2025 لماذا تُعدّ مدن المرتكز الهيكلي للتصنيع السعودي. فقد بلغ إجمالي الاستثمارات التراكمية المستقطبة في مدنها نحو 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) خلال 2025 وحده، بزيادة 25% على أساس سنوي. وتضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر الجديد ليتجاوز 12 مليار ريال (3.2 مليارات دولار). وارتفع عدد المنشآت — مصانع ووحدات جاهزة للتصنيع ومستأجرين لوجستيين وعقود خدمات — إلى 9,557 منشأة، منها 2,244 وحدة صناعية جاهزة وحدها. وتُشير التقارير إلى أن العمالة في مواقع مدن تبلغ نحو 517,000 عامل، منهم نحو 200,000 سعودي، فيما البقية من المقيمين.
وقد شهد مزيج الاستثمارات في 2025 تحوّلاً لافتاً. فقد ارتفعت الاستثمارات الصناعية ذاتها 16% لتصل إلى 22 مليار ريال. وقفزت استثمارات التقنية داخل مناطق التقنية التابعة لمدن 140% لتتجاوز 7 مليارات ريال. ونمت الاستثمارات اللوجستية 35% لتبلغ 553 مليون ريال، وأضاف قطاع الخدمات داخل المدن 748 مليون ريال إضافية. ويعني ذلك أن مدن لم تعد مجرّد مخزون أراضٍ لمصنّعي مواد البناء ومُعالجي الأغذية ذوي الهوامش المنخفضة، بل باتت متزايدة الدور بوصفها المالك العقاري للتصنيع المتقدم ومراكز البيانات المتاخمة للأحمال الصناعية، والبنية اللوجستية الخارجية التي تنسج الشبكة كلها.
وتتبع استراتيجية مدن الجغرافية حركةَ الطلب. فمدن الرياض الصناعية الثلاث (الأولى والثانية والثالثة، التي لا تزال الأخيرة تتوسّع جنوب العاصمة) تقع الأقرب إلى أكبر سوق استهلاكي في المملكة. وتتمركز المدن الصناعية في الدمام بالقرب من منظومة البتروكيماويات والطاقة في المنطقة الشرقية. وتخدم المدن الصناعية في جدة ممرَّ التجارة عبر البحر الأحمر والطلبَ على الأغذية والسلع الاستهلاكية الذي يحرّكه موسم الحج والعمرة في المنطقة الغربية. وتؤدي المدن الأصغر التابعة لمدن في حائل والقصيم وتبوك وعسير ونجران وجازان والجوف دور المرتكز للتشغيل الإقليمي وتمنع تركّز النشاط الصناعي بكامله في الوسط والشرق.
وأطلقت مدن في أواخر 2025 برنامج متمم لتعميق التكامل بين الصناعات الأولية (البتروكيماويات والمعادن) ومستأجري التصنيع التحويلي. ويُؤسس متمم لآلية رسمية للمواءمة بين منتجي المواد الأولية ومُشترِيها، ويُحفّز التموضع المشترك للموردين حول المنتجين المرساة، ويربط تخصيص مدن للأراضي بتكامل صناعي قابل للإثبات بدلاً من الاكتفاء بتحصيل الإيجار.
مدينة الجبيل الصناعية: عاصمة البتروكيماويات
تُعدّ مدينة الجبيل الصناعية الواقعة على الخليج العربي على بُعد نحو 100 كيلومتر شمال الدمام، أكبر مُجمّع صناعي من نوعه في العالم. وتغطي ما يزيد على 1,000 كيلومتر مربع، ويُقدَّر أنها وحدها تُسهم بنحو 7% من الناتج المحلي السعودي. وقد جرى تصوّر المدينة في منتصف السبعينات بوصفها أحد المشروعَين الرئيسَين للهيئة الملكية للجبيل وينبع، وتوسّعت دون انقطاع منذ ذلك الحين.
وتجاوز الاستثمار الصناعي التراكمي في مدن الهيئة الملكية للجبيل وينبع 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) بنهاية 2025، تستأثر الجبيل منها بالحصة الأكبر. وتُشغّل سابك، عملاق الكيماويات المملوك لـصندوق الاستثمارات العامة والذي استحوذت عليه أرامكو السعودية عام 2020، ثلاث عشرة من أصل ست عشرة منشأة إنتاجية لها في المملكة داخل مدينة الجبيل الصناعية، بما فيها مشاريع مشتركة في منطقتي الجبيل وينبع مع إكسون موبيل وميتسوبيشي وسوميتومو وشل. ويُنتج المُجمّع الإيثيلين والبولي إيثيلين والبولي بروبيلين والمونو إيثيلين غلايكول والميثانول والأمونيا واليوريا وسلسلة طويلة من المشتقات بطاقات إنتاجية بمستوى عالمي.
ويتعادل البصمة التحويلية لأرامكو في الجبيل في الثقل. إذ تُشغّل شركة أرامكو السعودية وتوتال للتكرير والبتروكيماويات (ساتورب) مصفاةً بطاقة 460,000 برميل في اليوم، وتتشارك مع توتال إنرجيز في توسعة بتروكيماوية كبرى أُعلنت عام 2022 ستُدمج طاقة 1.65 مليون طن سنوياً من الإيثيلين. ويحتضن مُجمّع الجبيل أيضاً مشاريع الكيان السعودي وبترو رابغ وصدارة المشتركة (بعضها عبر ينبع ورابغ، لكن تُتّخذ الجبيل مقرّاً للعمليات الفنية والتجارية).
وما يُميّز الجبيل هيكلياً عن سائر المواقع الصناعية السعودية هو عمق التكامل. فشبكات الأنابيب تنقل الإيثان والبروبان والنفتا مباشرة من مصانع غاز أرامكو إلى وحدات التكسير دون نقل بالشاحنات. ويُتقاسم البخار والكهرباء والهيدروجين والغازات الصناعية بين المنشآت عبر ممرات مرافق مخصّصة. ويتعامل ميناء الملك فهد الصناعي المُتكامل مع المدينة، مع صادرات كيماوية ونفطية بالجملة بحجم يستحيل إلحاقه بمُجمّع صناعي أصغر. كما تحتضن الجبيل عدداً سكنياً يتجاوز 350,000 نسمة، ما يجعلها واحدة من المدن الصناعية القليلة المُصمّمة لغرض محدّد عالمياً والتي بلغت حجم مدينة متوسطة قائمة بذاتها.
مدينة ينبع الصناعية: المرتكز على البحر الأحمر
تقع مدينة ينبع الصناعية على ساحل البحر الأحمر على بُعد نحو 350 كيلومتراً شمال غرب جدة، وتُمثّل النظير الغربي للجبيل. وتمتد على نحو 606 كيلومترات مربعة، وتعمل بوصفها المحطة الغربية لخط أنابيب الشرق-الغرب الذي ينقل خام أرامكو ومُنتجات الغاز السائلة من المنطقة الشرقية عبر المملكة. وتُشكّل جغرافيا هذا الخط الأصلَ الاستراتيجي المُحدِّد للمدينة، إذ يمنح المملكة خياراً للتصدير عبر البحر الأحمر يتجاوز مضيق هرمز، ويُتيح لمُجمّعات التكرير والبتروكيماويات في ينبع تأمين اللقيم من ذات منظومة الإنتاج التي تُغذّي الجبيل.
وتحتضن ينبع ثلاث مصافٍ كبرى: مصفاة ينبع المملوكة كلياً لأرامكو السعودية، ومصفاة سامرف المشتركة مع إكسون موبيل بطاقة نحو 400,000 برميل في اليوم، ومصفاة ياسرف المشتركة بين أرامكو وسينوبك بطاقة نحو 430,000 برميل في اليوم. وفي أواخر 2024 وقّعت إكسون موبيل وأرامكو وسامرف اتفاقية إطار مشروع لتقييم ترقية كبرى لمصفاة سامرف وتوسعتها إلى مُجمّع بتروكيماوي متكامل، بما يعكس توجّه التحوّل من الخام إلى الكيماويات الذي يُعيد تشكيل صناعة التكرير العالمية. كما أعلنت سينوبك وأرامكو عن توسعة بتروكيماوية موازية في ياسرف (ما يُعرف بمشروع “ياسرف+”) لدمج التكسير البخاري والكيماويات التحويلية في البصمة التكريرية القائمة.
ومن مستأجري ينبع البتروكيماويين شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات (ينساب) وشركة ينبع السعودية للبتروكيماويات (ينبت) ومنشآت البوليمرات والمنتجات الوسيطة التابعة لسابك. كما تحتضن المدينة منطقة لمعالجة المعادن مرتبطة بسلسلة قيمة البوكسيت إلى الألومنيوم لمعادن، ومجمّعاً متنامياً للشركات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة في تحويل البلاستيك والكيماويات المتخصصة. ويجعل التوجّه التصديري لينبع — إذ يُشحن معظم إنتاجها من ميناء الملك فهد الصناعي بينبع — المدينةَ حسّاسة بشكل خاص للدورات السلعية العالمية، لكنه يعني كذلك أن ينبع كانت تاريخياً ميدان الاختبار لمشاريع المملكة الأولى من نوعها في وحدات التكسير والمصافي والمُجمّعات المتكاملة.
رأس الخير: مدينة المعادن والفلزات
تُعدّ مدينة رأس الخير الصناعية الواقعة على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال الجبيل على الخليج العربي، المركزَ الذي صُمّم لغرض محدّد لاستضافة المعادن والفلزات في المملكة. وقد خصّصتها الهيئة الملكية وطوّرتها في أواخر العقد الأول من الألفية لاحتضان سلاسل القيمة المتكاملة للألومنيوم والفوسفات المرتكزة على معادن، شركة التعدين العربية السعودية.
ويُمثّل مُجمّع الألومنيوم في رأس الخير أكبر موقع متكامل لإنتاج الألومنيوم في العالم. إذ يجمع مصفاة بوكسيت ومصفاة ألومينا ومصهراً أولياً ومصنع درفلة وتحويلاً تحويلياً في عنوان صناعي واحد. وقد تراوحت الإرشادات الإنتاجية بين 850,000 و1.15 مليون طن من الألومنيوم الأولي سنوياً. ويتصف مُجمّع الفوسفات بتكامل مماثل: إذ تُنقل صخور الفوسفات بالقطار عبر نحو 1,400 كيلومتر من منجم الجلاميد في شمال المملكة إلى رأس الخير على خط شحن السكك الحديدية المُخصّص لمعادن، ثم تُحوّل إلى أسمدة فوسفات داي أمونيوم وفوسفات أمونيوم للتصدير إلى الهند والبرازيل وسائر الأسواق الزراعية. كما تُشغّل معادن مصفاة ذهب في الموقع نفسه.
وفي 2025 أعلنت معادن عن خطط لنشر نحو 110 مليار دولار من الإنفاق الرأسمالي خلال العقد المقبل عبر ثمانية مشاريع عملاقة، بهدف صريح هو مضاعفة أعمال الفوسفات والذهب ثلاث مرات ومضاعفة أعمال الألومنيوم. وستستوعب رأس الخير حصة جوهرية من هذا الإنفاق. وأطلقت الهيئة الملكية كذلك المنطقة الاقتصادية الخاصة في رأس الخير تحت إشراف إكزا، إذ تُضاف حوافز ضريبية وجمركية إلى مدينة المعادن القائمة لاستقطاب المستأجرين الدوليين في صناعة السفن وإصلاحها وتصنيع المعادن التحويلية. ويُمثّل حوض الصناعات البحرية الدولية، وهو مشروع مشترك بين أرامكو والبحري ولامبريل وهيونداي للصناعات الثقيلة، الاستثمار الرئيسي في هذه التوسعة. ويستهدف التموضع المشترك لصناعة السفن مع إنتاج الصلب والألومنيوم تحقيق أهداف المحتوى المحلي لبرنامج إجمالي القيمة المضافة المحلية (اكتفاء).
مدينة سدير الصناعية: التصنيع الدفاعي والمتوسط التقنية
تُعدّ مدينة سدير الصناعية الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً شمال الرياض على طريق القصيم، إحدى أكبر التطويرات الفردية لمدن من حيث المساحة. وقد طُرحت في الأصل بوصفها مدينة صناعية متعددة الاستخدامات للمنطقة الوسطى، إلا أنها أُعيد تموضعها تدريجياً لتُمثّل منطقة الأولوية في المملكة للصناعات العسكرية والتصنيع المتقدم المُلحَق بها.
وتُمثّل منظومة الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي)، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، الراسي الرئيسي في سدير بوصفها موقع الإنتاج الأساسي. وتختصّ ولاية سامي برفع نسبة التوطين الصناعي الدفاعي إلى 50% بحلول 2030؛ وقد بلغت نسبة التوطين نحو 19.4% عام 2024. ويتطلّب الانتقال من 19% إلى 50% طاقة مادية ضخمة، وتُشيَّد هذه الطاقة في سدير. وتعمل أو هي قيد الإنشاء داخل سدير مشاريع مشتركة مع لوكهيد مارتن وبوينغ وبي إيه إي سيستمز وتاليس ونافانتيا وغيرها، تُغطي أنظمة الرادار والذخيرة والمركبات المُدرّعة والطائرات بدون طيار والبنى المركّبة والإلكترونيات. وتقع شركة سامي للمُركّبات المحدودة المُطلَقة عام 2024 ضمن مُجمّع سدير.
وتحتضن سدير كذلك مصنّعين غير دفاعيين استقطبهم القرب من الرياض ووفرة الأراضي بأسعار مدن وقاعدة لوجستية متنامية. وقد صُنِّفت المدينة من ضمن المواقع ذات الأولوية لدفعة المملكة لتوطين السيارات الكهربائية والبطاريات، إذ تعمل شركة لوسيد موتورز المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة في مصنع تجميعها السعودي في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ويتجه المُجمّع السياراتي الأوسع بشكل متزايد إلى سدير لاستقبال مصانع المُكوّنات.
مدن أخرى لمدن جديرة بالمعرفة
إلى جانب اللاعبين الكبار، ثمّة عدة مدن لمدن تحظى بأهمية في صناعات مُحدّدة.
المدن الصناعية في الدمام (1 و2 و3) تقع بين الدمام والجبيل وتحتضن آلاف المصانع التي تخدم اقتصاد خدمات النفط والغاز: معدّات الحفر وخدمات حقول النفط والصمامات والأنابيب والمضخات وعبوات الصناعة البتروكيماوية، فضلاً عن قائمة متنامية من مستأجري التصنيع المتقدم. وقد ركّزت الدمام 3 خصوصاً على الوحدات الصناعية الجاهزة لخدمة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تستطيع تبرير الإنفاق الرأسمالي لمصنع مُخصَّص.
المدن الصناعية في الرياض (1 و2 و3) تختصّ بالتصنيع الموجَّه للمستهلك — معالجة الأغذية والمشروبات ومواد البناء وتحويل البلاستيك والتعبئة والتغليف والأدوية والسلع الاستهلاكية. والرياض 3 هي الأكبر بين الثلاث من حيث المساحة، وتستهدف مُجمّعات التقنية والأدوية. ويجعل القرب من المشتريات الحكومية وقوائم التوطين في الاستراتيجية الصناعية الوطنية وأكثف سوق استهلاكي في المملكة، مدنَ مدن في الرياض نقطةَ الدخول الأقل مخاطرة للمستثمرين الصناعيين الجدد.
المدن الصناعية في جدة تخدم الطلب الاستهلاكي للمنطقة الغربية وممرّ التصدير عبر البحر الأحمر. وتحتضن واحة مدن في جدة مُجمّع إيرو بارك ون للطيران بمساحة 1.2 مليون متر مربع، فضلاً عن مجمّع الصناعات الغذائية أول مُجمّع تصنيع غذائي في المملكة مُصمّم لغرض محدّد بمساحة تتجاوز 11 مليون متر مربع ويحتضن حالياً 75 مصنعاً. ويتمتع المُجمّع الغذائي بأهمية هيكلية، إذ يُوحّد المعالجين الغذائيين السعوديين المُتفرّقين قرب ميناء جدة الإسلامي، أكبر ميناء حاويات في البلاد، ويُقلّل الاعتماد على الاستيراد في الألبان والمخبوزات والوجبات الخفيفة والمشروبات.
المدن الإقليمية لمدن — حائل والقصيم وتبوك والجوف وعسير وجازان ونجران — تعمل بوصفها مرتكزات للتشغيل الإقليمي، وتحتضن صناعات مرتبطة بالقواعد الموردية المحلية (الإسمنت بالقرب من رواسب الحجر الجيري ومعالجة الأغذية بالقرب من الزراعة وصناعات التعدين التحويلية بالقرب من الرواسب). وتقترن جازان في الجنوب الغربي بمدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية التابعة للهيئة الملكية، التي تحتضن مصفاة جازان لأرامكو ومحطة التغويز المتكاملة بالدورة المُركّبة (IGCC).
وفي المُجمل أضافت المدن الصناعية لمدن نحو 1.3 مليون متر مربع من المساحات الصناعية القابلة للتأجير في النصف الأول من 2025 وحده — وهو وتيرة نشر تُشير إلى طلب فعلي لا إلى بناء مضاربي.
المناطق الاقتصادية الخاصة: طبقة إكزا
في أبريل 2023 أنشأ مجلس الوزراء السعودي هيئة المدن الاقتصادية والمناطق الخاصة (إكزا)، وأطلق أربع مناطق اقتصادية خاصة بمنظومة حوافز مُتميّزة وأكثر تنافسية من مدن أو مدن الهيئة الملكية. وتستهدف المناطق الاقتصادية الخاصة المستثمرين الدوليين تحديداً، وتُركّز على القطاعات التي تتنافس فيها المملكة عالمياً على الاستثمار الأجنبي المباشر، لا مجرّد تخصيص الأراضي للتوسع الصناعي المحلي.
والمناطق الأربع المُطلَقة هي:
- المنطقة الاقتصادية الخاصة في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية — على ساحل البحر الأحمر على بُعد نحو 100 كيلومتر شمال جدة، مرتكزة على ميناء الملك عبدالله العميق المياه (من بين أعلى 100 ميناء حاويات عالمياً). القطاعات المستهدفة: تجميع السيارات والمكوّنات والسلع الاستهلاكية وتقنية المعلومات والاتصالات والتقنيات الطبية والخدمات اللوجستية. ويعمل مصنع التجميع السعودي للوسيد موتورز داخل هذه المنطقة.
- المنطقة الاقتصادية الخاصة في رأس الخير — تُقام فوق مدينة المعادن والفلزات القائمة. القطاعات المستهدفة: بناء السفن وإصلاحها والصيانة والتصليح والعمرة وتصنيع منصّات الحفر والمعادن التحويلية.
- المنطقة الاقتصادية الخاصة في جازان — في ميناء جازان وبجوار مدينة الصناعات الأساسية للهيئة الملكية. القطاعات المستهدفة: معالجة الأغذية وتحويل المعادن والخدمات اللوجستية.
- المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية — منطقة “افتراضية” فريدة تُدار عبر الرياض، وتسمح لمُشغّلي الحوسبة السحابية ومراكز البيانات المرخّصين بالاستفادة من مزايا المناطق الاقتصادية الخاصة دون التموضع المادي داخل منطقة مسوَّرة. وتشمل المستأجرين المرساة شركاء فرط الحجم ومُشغّلي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي المدعومين من صندوق الاستثمارات العامة.
وتُعدّ منظومة حوافز المناطق الاقتصادية الخاصة أكثر جاذبية مادياً من عرض الأراضي والترخيص لمدن: معدّل ضريبة دخل شركات بنسبة 5% مُثبَّت لمدة تصل إلى 20 عاماً، وضريبة استقطاع بنسبة 0% على إعادة تحويل الأرباح من المنطقة الاقتصادية الخاصة إلى الولايات الأجنبية، وتأجيل أو إعفاء من الرسوم الجمركية على المعدات الرأسمالية والمدخلات، وضريبة قيمة مضافة بنسبة 0% على السلع المتداولة داخل المنطقة، وقواعد مرنة بشأن الكفاءات الأجنبية خلال السنوات الخمس الأولى من التشغيل. وبحلول نهاية 2025، وقّعت أكثر من 100 شركة اتفاقيات للتأسيس داخل المناطق الاقتصادية الخاصة الأربع.
وأشارت إكزا إلى أن الشريحة المقبلة ستُوسّع الشبكة من أربع إلى ثماني مناطق اقتصادية خاصة على الأقل بحلول 2028، مع توقّع تركيز المناطق الجديدة على السياحة وتصنيع الترفيه ومُكوّنات الطاقة المتجددة. وللتوسّع في القواعد والمستأجرين، يُرجى مراجعة المناطق الاقتصادية الخاصة وإكزا.
الاستراتيجية الصناعية لرؤية 2030
لا تكتسب المدن الصناعية معناها بوصفها بنية تحتية مادية إلا حين تُقرأ في ضوء استراتيجية السياسات التي تُحرّك الطلب عليها. وثمّة ثلاث وثائق تُمثّل الإطار.
الاستراتيجية الصناعية الوطنية، المنشورة عام 2022، حدّدت الطموح الرئيسي: رفع مساهمة القطاع الصناعي غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي من 88 مليار دولار عام 2020 إلى 377 مليار دولار بحلول 2035، ومضاعفة الصادرات الصناعية إلى 148 مليار دولار بحلول 2030 ثلاث مرات، وخلق 2.1 مليون وظيفة صناعية بحلول 2030. وقد عيّنت الاستراتيجية 12 قطاعاً فرعياً ذا أولوية، من بينها الأدوية والأجهزة الطبية والسيارات والآلات والمعدات ومكوّنات الطاقة المتجددة والمستلزمات الصناعية.
نيدلب هو برنامج تحقيق الرؤية الذي يُموّل ويُفعّل الاستراتيجية الصناعية الوطنية. ويستهدف نيدلب نحو 426 مليار دولار من الاستثمارات التراكمية بحلول 2030 عبر الصناعة والتعدين والطاقة والخدمات اللوجستية. وقد أسهم بنحو 986 مليار ريال (263 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي عام 2024، ارتفاعاً من 949 مليار ريال عام 2023.
صندوق التنمية الصناعية السعودي هو الذراع التمويلية. وقد اعتمد الصندوق أكثر من 5,297 قرضاً تراكمياً منذ 1974، بحجم استثمارات في المشاريع المدعومة يتجاوز 870 مليار ريال. وذهبت نحو 73% من الموافقات للشركات الصغيرة والمتوسطة، و24% لما يُعرف بـ"المدن الواعدة" — اقتطاع متعمَّد لدفع الطاقة التصنيعية خارج الرياض وجدة والدمام. وقد وُسِّعت ولاية الصندوق عام 2019 لتشمل الطاقة والخدمات اللوجستية والتعدين فضلاً عن التصنيع الصرف، بما يُحاذي مباشرة نطاق نيدلب.
ويُفضي الأثر المركّب لأهداف الاستراتيجية الصناعية الوطنية واستثمارات نيدلب وتمويل صندوق التنمية الصناعية السعودي إلى أن المدن الصناعية السعودية تتمتع بخط أنابيب طلب أسير لا تكاد تضاهيه مُجمّعات صناعية أخرى في الأسواق الناشئة.
المستجدّات 2024-2026
ثمّة بنود محدّدة تُؤطّر نافذة 2024-2026 للمستثمرين المُقيِّمين للعقارات الصناعية السعودية.
- تضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر في مدن خلال 2025، إذ تجاوزت التزامات الاستثمار الأجنبي الجديدة 12 مليار ريال مقابل 6 مليارات ريال عام 2024. وكانت استثمارات منطقة التقنية الأسرع نمواً بزيادة 140%.
- تجاوز الاستثمار التراكمي للهيئة الملكية 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) في الجبيل وينبع بنهاية 2025، وهو إنجاز أُعلن لأول مرة في التقرير السنوي للهيئة عام 2025.
- خطة إنفاق رأسمالي عشري لمعادن بقيمة 110 مليار دولار كُشف عنها عام 2025، وتُوجّه أكبر برنامج رأسمالي تعديني فردي في الشرق الأوسط نحو رأس الخير وممرّ الفوسفات في الحدود الشمالية واستكشاف النحاس.
- تكامل البتروكيماويات لسامرف وياسرف في ينبع وصلت إلى مرحلة الاتفاق الإطاري في 2024-2025، وتُؤشّر إلى أكبر إضافة طاقة فردية على البحر الأحمر منذ بناء مصفاة سامرف الأصلية.
- برنامج متمم لمدن أُطلق في أواخر 2025 لتأسيس آلية رسمية للتكامل الصناعي ومواءمة المُشترين عبر مدن مدن.
- إضافة 1.3 مليون متر مربع من المساحات الصناعية القابلة للتأجير في النصف الأول من 2025 عبر مواقع مدن والهيئة الملكية مجتمعةً، مع بلوغ نسبة الإشغال في جدة 97%.
- توطين الصناعات الدفاعية السعودية ارتفع إلى 19.4% عام 2024 (مقابل 4% قبل رؤية 2030)، مع استضافة سدير لمعظم الطاقة المُستحدَثة لسدّ الفجوة.
التوقّعات
تُمثّل العقارات الصناعية السعودية إحدى فئات الأصول القليلة في المملكة التي تتراصف فيها الأهداف الرئيسية ورأس المال المنشور وبيانات الإشغال وإضافات المستأجرين. فمدن مدن تمتلئ، ومدن الهيئة الملكية تستوعب الموجة المقبلة من طاقة التحوّل من الخام إلى الكيماويات، ورأس الخير تهضم برنامج معادن البالغ 110 مليار دولار، وسدير تتوسّع بفضل منحنى التوطين لسامي، وتُوفّر المناطق الاقتصادية الخاصة لإكزا مساراً موازياً للاستثمار الأجنبي المباشر الموجَّه للتصدير الذي يحتاج اقتصادات ضرائب أقل من العرض الاعتيادي لمدن.
والمخاطر هيكلية لا دورية. فالمملكة تلتزم برأس المال بوتيرة أسرع مما يمكن سعدوة قوة العمل، ما يعني استمرار الاعتماد على العمالة المقيمة واستمرار الضغط السياسي على مستأجري مدن لرفع حصة المواطنين السعوديين من إجمالي القوى العاملة. وتنزل إضافات الطاقة البتروكيماوية في الجبيل وينبع في بيئة فائض عرض عالمي في الأوليفينات والبولي أوليفينات، وهو ما سيضغط على هوامش الجيل التالي من المنشآت. وتعتمد منظومة حوافز المناطق الاقتصادية الخاصة — لا سيما معدّل ضريبة الشركات البالغ 5% — على استمرار التوافق السياسي بين إكزا وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك (زاتكا)، وأي تغيير في التفسير قد يؤدي إلى تآكل الاقتصادات الرئيسية.
ومع ذلك، فإن الحجم الكبير للإنفاق الرأسمالي الصناعي الملتزم به في المملكة العربية السعودية حتى 2030 — والذي يتجاوز بكثير 400 مليار دولار عبر جميع البرامج — يعني أن مُشغّلي المدن الصناعية يجلسون على أنشط خط أنابيب لتطوير التصنيع خارج الصين والهند. وبالنسبة للمستثمرين والمستأجرين، لم يعد السؤال هل يدخلون العقارات الصناعية السعودية، بل أي مُشغّل وأي مدينة وأي منظومة حوافز تُلائم اقتصادات المشروع. وبالنسبة للقطاع العام، فالسؤال هو التنفيذ: بناء البنية التحتية للمرافق والموانئ والسكك الحديدية والقوى العاملة بسرعة كافية للحفاظ على مصداقية الأهداف الرئيسية.
مراجع خارجية لمزيد من التفاصيل: هيئة مدن، والإطار التنظيمي لـإكزا، والتغطية المستمرة من رويترز وإيه جي بي آي لإعلانات المشاريع الفردية.