أصبح توظيف المرأة في السعودية أحد أبرز تحولات سوق العمل ضمن رؤية 2030. فمن خط انطلاق قارب 17 بالمئة عند إطلاق البرنامج عام 2016، ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى نحو 34 بالمئة، متجاوزةً الهدف الأصلي البالغ 30 بالمئة قبل موعده. ويعكس هذا التحول إصلاحات تشريعية وتغييراً تنظيمياً وتحرراً اجتماعياً وحوافز للسعودة واستثماراً مؤسسياً في بنية الحضانة والنقل اللازمة لدخول المرأة سوق العمل والاستمرار فيه.
الأسس التشريعية والتنظيمية
أزالت جملة من التغييرات التنظيمية التاريخية الحواجز الرسمية أمام توظيف المرأة. فرفع حظر قيادة السيارة في يونيو 2018 أزال عائقاً عملياً كان يُقيّد حرية تنقل المرأة ويُحدّ من القطاعات والمواقع التي بإمكانها العمل فيها. وأسهمت إصلاحات نظام الولاية في التوسع التدريجي في الأهلية القانونية للمرأة بما يتيح لها السفر وتسجيل الأعمال والوصول إلى الخدمات الحكومية واتخاذ قرارات التوظيف باستقلالية. وعزّزت تعديلات نظام العمل الحمايات من التمييز في بيئة العمل، ومدّدت إجازات الأمومة، وألزمت أصحاب العمل بتوفير مرافق حضانة في المنشآت التي يتجاوز فيها عدد الموظفات حداً معيناً.
وفتحت الأنظمة القطاعية المهن التي كانت مقيّدة سابقاً، إذ بات باستطاعة المرأة العمل في التجزئة والضيافة والترفيه والتصنيع والممارسة القانونية والخدمات الأمنية والإدارة الحكومية في أدوار كانت محظورة رسمياً أو متعذّرة فعلياً قبل عقد من الزمن. وعمدت الهيئة العامة للصناعات العسكرية إلى استقطاب مهندسات ومحللات، وعُيّنت نساء في مواقع قيادية عليا في الوزارات والجهات التنظيمية والمؤسسات المملوكة للدولة.
السعودة وتوظيف المرأة
جرى ضبط نظام نطاقات وأطره ذات الصلة لتحفيز توظيف المرأة. فالمرأة السعودية العاملة في الأدوار المؤهّلة تُحتسب في نسب السعودة لدى الشركات، ما يُوجد دافعاً تجارياً لأصحاب العمل في القطاع الخاص لاستقطاب الكفاءات النسائية. ووُسِّع برنامجا تمهير للتدريب الوظيفي وحافز للباحثات عن عمل ليشملا المرأة، مُتيحَين دعماً مالياً خلال مرحلة الانتقال من التعليم إلى التوظيف.
ويُشغّل صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) برامج موجّهة لتوظيف المرأة تشمل إعانات الأجور في فترات التوظيف الأولى، ومنح التدريب، ودعم تكاليف الحضانة. وقد أبدت هذه التدخلات فاعلية خاصة في قطاعات كالتجزئة والأغذية والمشروبات والسياحة، حيث نما توظيف المرأة من مستويات هزيلة إلى حصص فعلية من القوى العاملة في غضون سنوات قليلة.
الحضانة والبنية الاجتماعية
أسهم التوسع في بنية الحضانة في استدامة نمو توظيف المرأة، إذ رخّصت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مئات مراكز الحضانة الجديدة، وبات توفير الحضانة من قِبل صاحب العمل شائعاً بين كبار أصحاب العمل السعوديين. ويُقدّم برنامج قرة الذي يُديره صندوق هدف دعماً مالياً للأمهات العاملات لتغطية نفقات الحضانة، مُخفِّفاً أحد أبرز الحواجز أمام الاحتفاظ بالمرأة في سوق العمل حين يكون لديها أطفال صغار.
وتطوّر تصميم بيئة العمل وسياساتها. فلوائح العمل عن بُعد المُقنَّنة خلال الجائحة والمُبقَى عليها بعدها وسّعت الخيارات المتاحة للمرأة الساعية إلى ترتيبات عمل مرنة. وأتاحت مساحات العمل المشترك وترخيص الأعمال المنزلية والمنصات الرقمية للعمل الحر مسارات جديدة لريادة الأعمال النسائية خارج بيئات العمل المكتبية التقليدية.
الريادة وتملّك الأعمال
برزت ريادة الأعمال النسائية شريحةً متميزة بالحيوية، إذ بات للمرأة حصة متنامية من تسجيلات الأعمال الجديدة، لا سيما في الخدمات والتجارة الإلكترونية والتجميل والعناية الشخصية وإنتاج الأغذية والصناعات الإبداعية. وتُشغّل منشآت، الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، برامج دعم مخصصة لرائدات الأعمال، تشمل مبادرات الوصول إلى التمويل وشبكات الإرشاد والتدريب على تنمية الأعمال.
وشهدت منظومة رأس المال الجريء السعودي مشاركة متزايدة من مؤسسات أعمال من النساء، وإن ظل التمثيل في مراحل التمويل المتأخرة محدوداً. وتُشغّل الحاضنات والمسرّعات في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية دفعات موجّهة للمرأة، وأرست عدة صناديق مدعومة من PIF تفويضات استثمار تراعي منظور النوع الاجتماعي.
التعليم والمهارات
الخط الأنبوبي التعليمي الداعم لتوظيف المرأة متين. فالمرأة السعودية تتفوق على الرجل في الالتحاق بالجامعات والتخرج منها مع حضور قوي في مجالات كالطب والهندسة والقانون والإدارة. وموّل برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي وخلفاؤه آلاف الطالبات السعوديات في الجامعات الدولية، خالقاً شريحة من المهنيات عالية التعليم تعود اليوم إلى مناصب قيادية في القطاعَين العام والخاص.
وتتمحور مشكلة المهارات أقل حول الحصيل التعليمي وأكثر حول التوافق بين المخرجات التعليمية واحتياجات سوق العمل. وتستهدف برامج تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والمعرفة الرقمية والتدريب المهني الموجّهة نحو المرأة ضمان تسلّح القوى العاملة النسائية المتنامية بالمهارات اللازمة لأدوار اقتصاد المعرفة التي تُنشئها أجندة تنويع رؤية 2030.
التحديات المتبقية
على الرغم من التقدم المذهل، تبقى التحديات قائمة. فالتفاوتات الإقليمية في توظيف المرأة ملموسة، مع تخلف معدلات المشاركة في المدن الصغيرة والمناطق الريفية عن تلك السائدة في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية. والمواقف الثقافية من عمل المرأة، على الرغم من تحوّلها المتسارع، تواصل التأثير في قرارات الأسرة في شرائح مجتمعية معينة. والفصل المهني لا يزال قائماً مع تمركز المرأة في التعليم والرعاية الصحية وشُحّ تمثيلها في الإنشاءات والخدمات اللوجستية والصناعات الثقيلة. وفجوة الأجور بين الجنسَين في تضيّق دون أن تُختزل بالكامل.
وسيعتمد استدامة معدلات النمو الراهنة في توظيف المرأة على الاستثمار المؤسسي المتواصل وتوسيع البنية التحتية لرعاية الأطفال والنقل إلى المدن الثانوية وتعمّق الالتزام في القطاع الخاص بالتنوع بين الجنسَين تجاوزاً للامتثال بحصص السعودة. غير أن المسار الذي أُرسي منذ 2016 يُمثّل تحولاً هيكلياً لا رجعة فيه في سوق العمل السعودي.