تقدّم هذه الصفحة قراءةً مركّزة في مسار التنويع الاقتصادي في المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030 حتى عام 2026، من الناتج غير النفطي والسياحة والتعدين إلى دور صندوق الاستثمارات العامة. فقد أفرز اعتماد المملكة التاريخي على عائدات النفط، التي بلغت في ذروتها أكثر من تسعين بالمئة من حصيلة الصادرات وأكثر من سبعين بالمئة من الإيرادات الحكومية، هشاشةً هيكليةً أقرّت بها خططُ التنمية المتعاقبة دون أن تتصدى لها بصورة شاملة. وتُمثّل رؤية 2030 البرنامجَ الأول الذي يمتلك الثقل المؤسسي والإرادة السياسية والموارد المالية لمتابعة التنويع على نطاق تحويلي، مدعوماً بميزانية الصندوق التي تجاوزت 930 مليار دولار، وبأجندة إصلاح تشريعي مسّت فعلياً كل قطاع من قطاعات الاقتصاد. وبحسب التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025، استوفى 93 بالمئة من مؤشرات الأداء الرئيسية أهدافه كلياً أو جزئياً، وبات الاقتصاد غير النفطي يُمثّل اليوم 55 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، صعوداً من 45 بالمئة في 2016.
ضرورة التنويع
تتعدد دوافع المملكة نحو التنويع وتتشعّب أبعادها. فقد عطّلت تقلباتُ أسعار النفط مراراً التخطيطَ المالي، على النحو الذي جسّده انهيار أسعار النفط بين 2014 و2016 الذي أفقد الإيرادات الحكومية أكثر من أربعين بالمئة من قيمتها، واستلزم سحوبات طارئة من الاحتياطيات الأجنبية. وقدّر صندوق النقد الدولي في مشاوراته بموجب المادة الرابعة لعام 2025 سعرَ التعادل المالي للنفط في المملكة عند نحو 94 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يفوق بفارق ملحوظ سعرَ خام برنت الذي تداول قرب 61 دولاراً خلال أجزاء من عام 2025. وتُجسّد هذه الفجوة كمياً السببَ الذي يجعل التنويع ضرورةً لا خياراً: فكل دولار من الإيرادات الهيكلية غير النفطية يُخفّض السعرَ النفطي الذي تنزلق عنده الموازنة إلى عجز.
ويُضاعف الضغطُ الديموغرافي حدةَ التحدي. إذ تقل أعمار نحو 60 بالمئة من السعوديين عن 35 سنة، ونمت قوة العمل بمئات الآلاف من الداخلين الجدد سنوياً طوال عقد العشرينيات وامتداداً إلى عقد العشرينيات الجديد. ولا يستطيع القطاع النفطي، الكثيف في رأس المال لا في العمالة، استيعاب هذا التدفق. ومع كل سنة يخفق فيها التنويع في توليد فرص عمل بالقطاع الخاص، يرتفع معدل البطالة بين المواطنين ويتنامى الضغط السياسي للتوظيف الحكومي، وهي محصلة تتعارض مباشرة مع المنطق المالي لرؤية 2030.
ويُضيف التحوّل العالمي في الطاقة ضغطاً ثالثاً. فمسار الطلب العالمي على النفط في الأمد البعيد يتباطأ: تتسارع نسب اختراق المركبات الكهربائية في أسواق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويتبنى كبار المستوردين في أوروبا وشمال شرق آسيا سياسات الهيدروجين والطاقة المتجددة والكهربة التي تُقلّص الطلبَ الحدّي على وقود النقل. ويتعامل التخطيط الوطني الرصين مع ذروة الطلب على النفط بوصفها موعداً يجب استباقه، لا موضوعاً يحتمل الجدل. والتنويع هو التحوّط.
نمو القطاع غير النفطي: بطاقة أداء 2025
نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بمعدلات تتجاوز باستمرار الرقم الإجمالي للناتج المحلي الكلي منذ إطلاق رؤية 2030. ففي عام 2025، توسّع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي الحقيقي بنسبة 4.9 بالمئة مقارنةً بعام 2024، فيما نما إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 4.5 بالمئة، وهو العام الثاني على التوالي الذي يفوق فيه النشاط غير النفطي الإجمالي. وتوسّعت الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.6 بالمئة في الربع الثاني من 2025 وحده، وفقاً للهيئة العامة للإحصاء. وانقلبت التركيبة الهيكلية للناتج: بات القطاع غير النفطي يُمثّل 55 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويُسهم القطاع الخاص بنسبة 51 بالمئة، وتجاوز الاقتصاد السعودي عتبة 1.3 تريليون دولار في 2025، أي أكبر بنحو 80 بالمئة بالقيمة الاسمية مما كان عليه عند إطلاق رؤية 2030 في 2016.
وبلغت الصادرات غير النفطية 624 مليار ريال سعودي في 2025، بارتفاع 15 بالمئة عن 543 مليار ريال في 2024، وهو أعلى مستوى مسجَّل على الإطلاق. وارتفعت حصتها من إجمالي الصادرات إلى 44 بالمئة، صعوداً من 39 بالمئة في العام السابق. وضمن هذا الرقم، بلغت صادرات الخدمات 260 مليار ريال (بارتفاع 11 بالمئة)، ووصلت صادرات السلع غير البتروكيماوية إلى 78 مليار ريال (بارتفاع 12 بالمئة)، وقفزت إعادة التصدير 53 بالمئة إلى 139 مليار ريال، وهي المرة الأولى التي يتجاوز فيها هذا البند عتبة 100 مليار ريال. وتصدّرت المملكة العربية السعودية مجموعة العشرين في نمو الصادرات غير النفطية لعام 2025.
وكانت السياحة الأداءَ الأبرز. إذ سجّلت المملكة 123 مليون زائر في 2025، متجاوزةً المستهدفَ الأصلي لعام 2030 البالغ 100 مليون زائر مع دخول البرنامج مرحلتَه الأخيرة. وبلغ إجمالي الإنفاق السياحي 300 مليار ريال سعودي (81 مليار دولار). وقد رفعت الحكومة سلفاً المستهدف إلى 150 مليون زائر سنوياً بحلول 2030، يشمل 80 مليون زائر محلي و70 مليون زائر دولي. ويسير قطاع السفر والسياحة على مسار يُسهم فيه بأكثر من 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العقد. ويتسابق إنشاء الفنادق متجاوزاً الطلب: فأكثر من 230 ألف غرفة قيد التخطيط عبر المشاريع العملاقة والوجهات القائمة لدعم مستهدفات رؤية 2030 وكأس العالم لكرة القدم 2034 معاً.
وتعمّقت الخدمات المالية بالتوازي. فبحلول الربع الثاني من 2025، بلغت قيمة سوق تداول السوقية 2.4 تريليون دولار، مرتكزةً على إدراج أرامكو السعودية ومدعومةً بضمّ المملكة الكامل إلى مؤشرات الأسواق الناشئة لكل من MSCI وFTSE وS&P. وتوسّع قطاع التقنية المالية من 14 شركة في 2020 إلى 261 شركة في 2025، مولِّداً أكثر من 11 ألف وظيفة ومتجاوزاً المستهدفات المرحلية لرؤية 2030؛ ويُعدّ المستهدف المعدّل لعام 2030 الآن 525 شركة تقنية مالية. وبلغت المعاملات غير النقدية 79 بالمئة من إجمالي حجم المدفوعات في 2024، متجاوزةً مستهدف عام 2025 البالغ 70 بالمئة قبل سنتين من موعده. وتصدّرت التقنية المالية تمويل المشاريع في النصف الأول من 2025، مستقطبةً 30 صفقة، بارتفاع 150 بالمئة على أساس سنوي.
صندوق الاستثمارات العامة محرّكاً للتنويع
أُعيد تموضع صندوق الاستثمارات العامة من شركة قابضة سلبية إلى أكبر مستثمر سيادي نشط في أي برنامج تحوّل محلي مفرد على مستوى العالم. وتجاوزت أصول الصندوق 930 مليار دولار بحلول منتصف 2025، ليحتل المرتبة الخامسة عالمياً بين صناديق الثروة السيادية، مع مسار معلَن نحو تريليوني دولار. ويُنشر نحو 80 بالمئة من أصول الصندوق محلياً، واستثمر الصندوق ما يزيد على 171 مليار دولار منذ 2021، أي ما يعادل تقريباً 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة خلال تلك الفترة.
وتمتد الشركات والمشاريع المدعومة من الصندوق اليوم عبر السياحة (البحر الأحمر العالمية ونيوم والقدية وهيئة تطوير بوابة الدرعية)، والترفيه (الشركة السعودية للترفيه)، والرياضة (LIV Golf ونيوكاسل يونايتد ومؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية)، والتقنية (ألات للتصنيع المتقدم، وHumain للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وسير للسيارات الكهربائية)، والعقارات (روشن)، والزراعة (سالك)، والدفاع (SAMI)، والطيران (طيران الرياض). وأقرّ مجلس صندوق الاستثمارات العامة في مطلع 2026 استراتيجيةً لخمس سنوات تمتد من 2026 إلى 2030، تنظّم نشر رأس المال في ثلاث محافظ، هي محفظة الرؤية والمحفظة الاستراتيجية والمحفظة المالية، مع تحديد الذكاء الاصطناعي والفعاليات والترفيه والإسكان مساراتِ نموٍّ محورية للمرحلة الأخيرة من رؤية 2030.
ويهدف برنامج الاستثمار المحلي للصندوق إلى إنشاء منظومات صناعية متكاملة، لا رهاناتٍ مفردة. فالاستثمارات المرسِّخة تُحجَّم لاستقطاب الاستثمار المشترك من القطاع الخاص، وتوليد فرص في سلاسل التوريد للمنشآت السعودية الصغيرة والمتوسطة، وزرع جهات تنظيمية تعمل لاحقاً على إضفاء الطابع الرسمي على هيكل السوق. ويرى المنتقدون أن هذا النهج يُخاطر بإزاحة القطاع الخاص عبر التوجيه الحكومي، فيما يرى المدافعون أن المشاركة الخاصة الفعلية في العقارات والسياحة والخدمات المالية دليلٌ على نجاح نموذج التحفيز.
مستجدات 2024-2026
أنتجت السنتان منذ المراجعة منتصف المدة لرؤية 2030 تدفقَ بيانات أكثر كثافة من أي فترة سابقة في البرنامج. وتبرز مستجدات عدة من حيث وزنها على مصداقية التنويع.
إعادة الترجيح الكلية. سجّل التقرير السنوي 2024 إنجازَ 85 بالمئة من جميع المبادرات أو سيرها على المسار، إذ اكتملت 674 مبادرة من أصل 1502 وتقدّمت 596 مبادرة وفق الجدول الزمني. ورفع تحديث 2025 معدلَ إنجاز مؤشرات الأداء الرئيسية إلى 93 بالمئة، إذ استوفى 309 مؤشر من أصل 390 أهدافه المرحلية. وتجاوز إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي مستهدفَ 2024 البالغ 46 بالمئة، إذ بلغ 47 بالمئة في ذلك العام قبل أن يصعد إلى 51 بالمئة في 2025.
تسارع سوق العمل. تحوّلت مستهدفات السعودة التي كانت يوماً طموحةً إلى ملزمة في كثير من القطاعات. وتراجع معدل البطالة بين السعوديين إلى 7 بالمئة بنهاية الربع الرابع من 2024، محققاً مستهدف 2030 قبل ست سنوات من موعده. وبلغ معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة 36.3 بالمئة في الربع الأول من 2025، متجاوزاً مستهدف رؤية 2030 البالغ 30 بالمئة. وانخفض معدل بطالة الإناث من 31.7 بالمئة في 2018 إلى 10.5 بالمئة في الربع الأول من 2025. وبات أكثر من 2.48 مليون سعودي يعمل في القطاع الخاص، 143 ألفاً منهم وُظّفوا في الربع الأول من 2025 وحده.
فجوة الاستثمار الأجنبي المباشر. بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 77.6 مليار ريال سعودي في 2024، مقابل مستهدف 2025 البالغ 140 مليار ريال. واستقبلت المملكة قرابة ثلث مستهدف 2025 خلال النصف الأول من 2025، وأفادت AGBI في سبتمبر 2025 بأن الاستثمار الأجنبي المباشر يقصُر عن المسار اللازم لبلوغ المستهدف السنوي البالغ 100 مليار دولار (388 مليار ريال) بحلول 2030. وقفزت صافي التدفقات الواردة في الربع الرابع من 2025 بنسبة 90 بالمئة على أساس سنوي، مشيرةً إلى تسارع لكن من قاعدة عجزٍ.
انفراج اللوجستيات. دخلت المملكة المراتب العشر الأولى في مؤشر البنك الدولي للأداء اللوجستي في 2024، وهو المستهدف الصريح لرؤية 2030. وتعاملت الموانئ السعودية مع 22.52 مليون طن من البضائع في سبتمبر 2025 وحده، بزيادة 8.6 بالمئة على أساس سنوي. واحتلّت المملكة المرتبة الثانية بين اقتصادات مجموعة العشرين في نمو اللوجستيات، بتوسع 32 بالمئة مقارنةً بعام 2024.
زخم التعدين. أعلنت معادن عن قفزة في الأرباح بنسبة 91 بالمئة لتصل إلى 1.51 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من 2025. وأنتج منتدى التعدين الدولي 2025 توقيعَ 126 اتفاقية بقيمة تُقارب 28.5 مليار دولار. وبلغت رخص التعدين النشطة 2485 رخصة بحلول أغسطس 2025، إذ ارتفعت رخص الاستكشاف بنسبة 350 بالمئة عقب إصلاح آلية الترخيص التنافسي. ونما إنفاق الاستكشاف في المواقع التعدينية من 21 مليون دولار في 2022 إلى 146 مليون دولار في 2025، بزيادة بلغت 595 بالمئة.
الضغط المالي. خلصت مشاورات صندوق النقد الدولي بموجب المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن الموقف المالي لذلك العام أسفر عن عجز يبلغ تقريباً ضعفَ مستهدف الموازنة. وتداول خام برنت قرب 61 دولاراً في فترات من عام 2025، أي أدنى بكثير من سعر التعادل المالي البالغ 94 دولاراً. وبدأت الحكومة تُلوّح بإعادة جدولة المشاريع، إذ نُفّذت تباطؤات انتقائية في نيوم والقدية ومشاريع عملاقة أخرى لمواءمة الإنفاق مع الإيرادات النفطية المحققة.
التقدم قطاعياً
التصنيع
يستهدف البرنامج الوطني لتنمية الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية إسهاماً صناعياً يبلغ 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، و426 مليار دولار من الاستثمارات الصناعية الأجنبية والمحلية التراكمية على مدى العقد. وتجاوزت الاستثمارات الإجمالية في الجبيل وينبع، وهما المركزان الصناعيان التاريخيان اللذان تُديرهما الهيئة الملكية، 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) بنهاية 2025. ويرتكز الجبيل على سلاسل قيمة البتروكيماويات والصناعات الثقيلة، فيما تستضيف ينبع التكرير والمعالجة في المراحل التالية على البحر الأحمر. وتُدير شبكة مدن “مدن” 36 مدينة صناعية في أنحاء المملكة، إلى جانب مدينة الملك عبدالله الاقتصادية ومنطقة سبارك للطاقة قرب الغوار.
وفي يناير 2025، أعلنت الحكومة عن برنامج الحوافز الموحد بقيمة 10 مليارات ريال، يستهدف ابتداءً الصناعات الكيميائية التحويلية وتصنيع السيارات وقطعها والمعدات والآلات. وتجاوز عدد المنشآت الصناعية المسجّلة 12 ألف منشأة في 2025، صعوداً من نحو 7 آلاف في 2016. وتعهّد مصنّعون أجانب من بينهم لوسيد وهيونداي وبيريللي بالإنتاج المحلي، مرتكزين على أدوات الاستثمار المشترك مع صندوق الاستثمارات العامة. والأطروحة مباشرة: توطين الإنتاج للسوق المحلية أولاً، ثم التصدير إلى الأسواق الإقليمية المجاورة حيث ينتفع المصنّعون السعوديون بميزات تكلفة الطاقة والوصول إلى مناطق التجارة الحرة.
السياحة
كان أداء السياحة المفاجأةَ الإيجابية الكبرى لرؤية 2030. إذ تضافر إصلاح التأشيرات، عبر استحداث التأشيرة الإلكترونية في 2019 وتأشيرة الترانزيت في 2022، مع التحرر الاجتماعي والبنية التحتية للمشاريع العملاقة، لرفع قطاع لم يكن له وجود فعلي خارج السياحة الدينية قبل عقد. وقفزت أعداد القادمين من نحو 17 مليوناً في 2019 إلى 123 مليوناً في 2025. وتظل السياحة الدينية ركيزة هيكلية: إذ يُولّد الحج والعمرة تدفقات دولية ثابتة، ومستهدف رؤية 2030 البالغ 30 مليون معتمر سنوياً بات في المتناول.
والسياحة الترفيهية هي التخوم الجديدة. فقد استقبلت العُلا أعداد زوار قياسية في 2024-2025؛ وتفتح بوابة الدرعية أصول الضيافة على مراحل؛ وتشغّل وجهة البحر الأحمر منتجعات متعددة؛ وافتتحت سندالة، أول جزيرة تشغيلية في نيوم، أبوابها لضيوف محدودين. وأرسى منح المملكة استضافة كأس العالم لكرة القدم 2034 في أواخر 2024 خط أنابيب من الفنادق يصعب على وجهات منافسة قليلة مجاراته بالحجم المطلق.
التعدين
يُعدّ ارتقاء التعدين إلى الركيزة الثالثة للاقتصاد أكثر إعادات التموضع القطاعية طموحاً في رؤية 2030. وتستهدف الحكومة نمو إسهام التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من 68 مليار ريال إلى 240 مليار ريال بحلول 2030، أي بمضاعفة 3.5 أضعاف. وتُقدَّر الثروة المعدنية للمملكة الآن بـ2.5 تريليون دولار، وتشمل أكثر من 45 معدناً قابلاً للاستغلال التجاري عبر الفوسفات والذهب والنحاس والزنك والبوكسيت والعناصر الأرضية النادرة.
وتظل معادن البطلَ الوطني، وقد قدّمت إرشادات الإنفاق الرأسمالي للسنة المالية 2025 في نطاق 7.55-9.55 مليار ريال. ودخلت كبرى شركات الاستكشاف الأجنبية إثر إصلاح نظام التعدين في 2020. وأصبح منتدى التعدين الدولي الحدثَ المرجعي السنوي للقطاع، إذ أنتجت دورة 2025 توقيع 126 اتفاقية بقيمة 28.5 مليار دولار عبر الاستكشاف والتمويل والمعالجة والبحث. والمعادن الحيوية، وبخاصة الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، هي الجائزة الاستراتيجية، نظراً لدورها في بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة الدفاع والبنية التحتية للطاقة المتجددة، إذ يسعى المشترون الغربيون إلى التنويع بعيداً عن سلسلة التوريد الصينية.
اللوجستيات
تسعى أولوية اللوجستيات إلى تموضع المملكة العربية السعودية بوصفها بوابةً ثلاثية القارات تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. ودخلت المملكة المراتب العشر الأولى في مؤشر البنك الدولي للأداء اللوجستي في 2024، واحتلّت مرتبة من الأربع الأولى في مؤشر أجيليتي للأسواق اللوجستية الناشئة لعام 2025. وتوسّع ميناء الملك عبدالله بسرعة، وميناء جدة الإسلامي في منتصف توسعته، وتُنسّق الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية البنية التحتية للطرق والسكك الحديدية والجو والبحر، بمواعيد إكمال مستهدفة تتجمّع حول 2030.
ويُقصد بالجسر البري السعودي، وهو ممر سككي يربط جدة بالرياض ثم الدمام، أن يستكمل قدرة الموانئ بالربط البري. وقد جرى تموضع الخدمات اللوجستية السعودية (سال) المُتعهِّدة بالشحن الجوي والسعودية للشحن لتصبح محاور إقليمية. أما طيران الرياض، الناقل الكامل الخدمات الناشئ التابع لصندوق الاستثمارات العامة، فيستهدف الإطلاق التجاري في 2026 بعمليات محورية ترتكز على مطار الملك سلمان الدولي.
الترفيه
كان الترفيه قاعدةً قريبة من الصفر في 2016. وبحلول 2025، سجّلت الهيئة العامة للترفيه 89 مليون زائر للفعاليات والمنشآت الترفيهية. وتستهدف رؤية 2030 إسهام الترفيه في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.2 بالمئة. وقد بنت الشركة السعودية للترفيه (SEV) مفهوم بوليفارد العالم؛ ويجري إنشاء سيكس فلاجز القدية؛ وقطاع السينما، الذي حُظر لعقود، ولّد إيرادات تجارية منذ أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إذ تجاوزت إيرادات الأفلام المحلية 27 مليون دولار في مطلع 2025 وحده.
وتكمن الأهمية الهيكلية للقطاع في آثاره المضاعِفة. فالترفيه يُسهم في تمويل السياحة، ويدفع إيرادات التجزئة وخدمات الأطعمة، ويُولّد فرصاً للمبدعين والفنيين السعوديين الذين كانوا قبلاً يُهاجرون بحثاً عن فرص. وأصبحت موسم الرياض وموسم جدة وMDLBeast وروزنامة الرياضات الإلكترونية مرتكزاتٍ إقليميةً تستقطب الزوار من أنحاء الخليج.
الخدمات المالية
يمثّل تعميق سوق رأس المال ثاني أكبر مُسهم في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بعد تجارة التجزئة والجملة. وبلغت قيمة تداول السوقية 2.4 تريليون دولار بنهاية الربع الثاني من 2025. ولا يزال طرح أرامكو 2019 الأكبر في التاريخ؛ وتنوعت الإدراجات اللاحقة بين الشركات التابعة لصندوق الاستثمارات العامة والمجموعات الصناعية العائلية. وتوسّعت إصدارات الصكوك لتمويل الموازنات السيادية والشركات بتكاليف تنافسية. وأطلقت هيئة السوق المالية صناديق الاستثمار العقاري وصناديق المؤشرات المتداولة وإدراجات السوق الموازية لتوسيع قاعدة المستثمرين.
وأنتج اندماج القطاع المصرفي أبطالاً وطنيين بحجم وازن. فالبنك الأهلي السعودي ومصرف الراجحي وبنك الرياض من بين أكبر بنوك دول مجلس التعاون الخليجي بالأصول. وقد رخّصت ساما، البنك المركزي، البنوكَ الرقمية حصراً، ووسّعت البنية التحتية للمصرفية المفتوحة، وأشرفت على التبني السريع لشبكة مدى وقنوات المدفوعات الفورية. ويمثّل بلوغ عدد شركات التقنية المالية 261 شركة في 2025 الدليلَ التشغيلي على أن المحيط التنظيمي اتسع بالقدر الكافي للسماح بالابتكار الخاص مع الحفاظ على الاستقرار النظامي.
الإصلاح المؤسسي والتنظيمي
استلزم التنويع تحديثاً تنظيمياً مكثفاً. فقد أعادت المملكة صياغة نظام الشركات (2015، مع تعديلات لاحقة)، وقانون الإفلاس (2018)، ونظام الرهن التجاري، وأنظمة الامتياز التجاري. وأُنشئت جهات تنظيمية قطاعية أو عُزّزت قائمة منها في مجالات الإعلام والسياحة والترفيه والبيانات والذكاء الاصطناعي والتنمية الصناعية. وتُوفّر المناطق الاقتصادية الخاصة، ومنها مدينة الملك عبدالله الاقتصادية ورأس الخير وجازان والمنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية في كاكست، منصاتِ اختبار للقواعد المُحرَّرة قبل تعميمها وطنياً.
وقد واءمت إصلاحات سوق العمل في إطار منظومة السعودة تركيبةَ القوى العاملة مع أهداف التنويع. ويفرض برنامج نطاقات حصصاً متدرجة على أصحاب العمل في القطاع الخاص؛ وقد طُرحت مستهدفات توطين قطاعية في التجزئة والاتصالات والخدمات المهنية، وتمتد الآن إلى الهندسة والمحاسبة. وقرَن توسعُ التدريب المهني عبر تطوير وصندوق تنمية الموارد البشرية الحصصَ بإمدادات المهارات. كما أعاد فتح مهن جديدة أمام المرأة السعودية، كالقيادة وخدمات النقل التشاركي والتجزئة والضيافة، تشكيلَ أنماط التوظيف وبنى الأسر معاً.
ونضجت البنية التحتية الضريبية والتنظيمية. فقد استحدثت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك (زاتكا) ضريبةَ القيمة المضافة في 2018 (رُفعت إلى 15 بالمئة في 2020)، وضريبة التصرفات العقارية في 2020، والفوترة الإلكترونية على مراحل من 2021. وقد نسّقت الهيئة العامة للتجارة الخارجية ووزارة الاستثمار تصميمَ الحوافز مع الاستراتيجيات القطاعية. وسحب برنامج المقرات الإقليمية، الذي يشترط على الشركات متعددة الجنسيات المتنافسة على العقود الحكومية تأسيس مقراتها الإقليمية في المملكة، مئاتِ الشركات إلى الداخل، إذ تجاوز العدد التراكمي 600 شركة بنهاية 2025.
المخاطر والتحديات
كان تقييم صندوق النقد الدولي للمشاورات بموجب المادة الرابعة لعام 2025 إيجابياً تجاه الإطار السياسي، لكنه صريح بشأن المخاطر. فقد أنتج الموقف المالي لعام 2025 عجزاً يقارب ضعفَ مستهدف الموازنة، ولفت الصندوقُ إلى النمط المتكرر من تجاوزات الإنفاق المرتبطة بتنفيذ المشاريع العملاقة. ومع تداول برنت دون 94 دولاراً (سعر التعادل المالي) لفترات من 2025، اتسعت الفجوة الهيكلية بين الإيرادات غير النفطية والإنفاق الإجمالي.
التعرّض لأسعار النفط. على الرغم من ارتفاع حصة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، لا تزال عائدات النفط تُموّل غالبية الإنفاق الحكومي. وأي ثبات لسعر برنت تحت 70 دولاراً يُلزم بسحب الاحتياطيات أو زيادة الاقتراض أو تقليص الإنفاق. وأشار صندوق النقد الدولي إلى توترات التجارة العالمية وتراجع الطلب على النفط بوصفها المخاطر الرئيسية المُبطِنة.
تدقيق المشاريع العملاقة. جرى ضغط جداول نيوم الزمنية وإعادة جدولتها؛ وتقلّص نطاق ذا لاين، أي مفهوم المدينة الخطية، من 170 كم إلى بضعة كيلومترات من البنية التحتية التشغيلية بحلول 2030. وأفادت رويترز في 2024-2025 بأن صندوق الاستثمارات العامة يُراجع جداول النفقات الرأسمالية لمشاريع عملاقة عدة. وباتت العوائد على رأسمال التنويع تخضع لتدقيق أكثر صرامة من أي مرحلة سابقة في رؤية 2030.
عجز الاستثمار الأجنبي المباشر. كان مستهدف 2025 للاستثمار الأجنبي المباشر البالغ 140 مليار ريال على مسار الإخفاق بفارق واسع. ويتطلب مستهدف 2030 البالغ 100 مليار دولار انعطافة لم تتحقق بعد. ومن الأسباب المذكورة: أقساط المخاطر الجيوسياسية، والتصورات الخاصة بحوكمة الشركات السعودية، والتقلبات الأمنية الإقليمية.
الاستيعاب الديموغرافي. فيما تراجعت بطالة السعوديين إلى 7 بالمئة قبل موعدها، تنمو قوة العمل بمئات الآلاف سنوياً. ويتعيّن أن يستمر توليد فرص العمل بالقطاع الخاص بوتيرة مماثلة، وتكون نوعية الوظائف بأهمية عددها: فكثير من تعيينات السعودة تركّزت في التجزئة والخدمات الأمامية بدلاً من الأدوار الأعلى إنتاجية.
الأمن الإقليمي. أشار صندوق النقد الدولي إلى أن تصاعد النزاعات في الشرق الأوسط قد يُعطّل سلاسل التوريد والسفر، ويُخمد ثقة المستثمرين، ويؤثر على التنويع الاقتصادي، خصوصاً عبر السياحة، إذ تكون مخاطر التصور الدولي حادّة. وشهدت الفترة 2024-2025 تعطيلاً حوثياً للشحن في البحر الأحمر أثّر مادياً على اقتصاديات اللوجستيات في المنطقة.
سؤال التعقيد. الاختبار الأعمق للتنويع هو ما إذا كان يُنتج تعقيداً اقتصادياً حقيقياً، أي تصدير سلع وخدمات متمايزة تحوز فيها الشركات السعودية ميزة نسبية واضحة، أم أنه يبقى نشاطاً موجَّهاً من الدولة يتراجع حين يَخبو الإنفاق العام. وتُظهر تصنيفات أطلس التعقيد الاقتصادي تحسناً متواضعاً، لكن طريقاً طويلاً لا يزال أمام المملكة. ويظل مؤشر التعقيد للمملكة دون مثيلاتها من الاقتصادات المُصدِّرة للطاقة التي نوّعت أبكر، كماليزيا والمكسيك.
النظرة المستقبلية حتى 2030
تُمثّل السنوات الأربع من 2026 إلى 2030 مرحلةَ التوحيد لرؤية 2030. وثمة محصلات عدة ستُعرّف كيف يُحكم على البرنامج.
أوّلاً، ما إذا كانت حصة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي قادرة على البقاء فوق 50 بالمئة عبر دورة هبوط في أسعار النفط. والاختبار الهيكلي ليس أن القطاعات غير النفطية نمت في فترة إيرادات نفطية صحية، بل أنها تستطيع المحافظة على النمو واستيعاب التوظيف حين يعتدل نشر رأسمال الدولة.
ثانياً، ما إذا كان الاستثمار الأجنبي المباشر قادراً على الانعطاف صعوداً. والفجوة بين معدل الجريان الراهن ومستهدف 2030 كبيرة. ويتطلب سدّها التزامات خارجية مستدامة من شركات متعددة الجنسيات من الفئة الأولى، وهذا بدوره يتوقف على القابلية للتنبؤ التنظيمي وحلّ المنازعات وسجلٍّ من إعادة الأرباح. وقد سحب برنامج المقرات الإقليمية حضور الشركات؛ وتحتاج المرحلة المقبلة إلى تحويل ذلك الحضور إلى نشر فعلي لرؤوس الأموال.
ثالثاً، تسليم المشاريع العملاقة وفق الجداول المنقّحة. لن تستوفي نيوم والقدية والدرعية وعنقود البحر الأحمر مجتمعةً مستهدفاتها الأصلية لعام 2030، لكن على كلٍّ منها أن يُسلّم نطاقاً تشغيلياً مرئياً يُثبت مصداقية التنفيذ. وقد عبرت سندالة والعُلا وبوابة الدرعية تلك العتبة سلفاً؛ ولم يعبرها ذا لاين والمفاهيم الأوسع لنيوم.
رابعاً، الاستدامة المالية في ظل أسعار نفط واقعية. وتُؤطّر مشورة صندوق النقد الدولي المسارَ، وتشمل ضبطاً مالياً تدريجياً، وأولويةً للنفقات، وتوسيعاً للقاعدة الضريبية غير النفطية. وقد أبدت السلطات السعودية استعداداً لإعادة الجدولة بدلاً من الإلغاء، وهو ما يحفظ طموح التنويع ويصون في الوقت ذاته الميزانية السيادية.
خامساً، ما إذا كان سوق العمل قادراً على الاستمرار في استيعاب المواطنين بنوعية. فتراجع البطالة بين السعوديين دون 7 بالمئة إنجاز كبير؛ والمحافظة عليه وتحسينه مع توسع قوة العمل أصعب. ويجب أن تظل العلاوة الأجرية في وظائف القطاع الخاص الإنتاجية كافية لإثناء السعوديين المتعلمين عن تفضيل القطاع العام.
ورغم الرياح المعاكسة، فإن البنية التحتية المؤسسية الداعمة للتنويع أمتن مما كانت عليه في أي مرحلة من تاريخ المملكة. ويُوجد الجمعُ بين توظيف الثروة السيادية عبر صندوق الاستثمارات العامة، والإصلاح التنظيمي الشامل، والاندماج في أسواق رأس المال العالمية، والتحرر الاجتماعي الذي أطلق مشاركةَ المرأة في القوى العاملة، وخط أنابيب المشاريع المتنوع، منصةَ تحوّل لا نظير لها إقليمياً في الحجم أو الطموح. وبيت القصيد في بطاقة الأداء النهائية، أتقرأ نجاحاً تاريخياً أم إنجازاً جزئياً، رهنٌ بالسنوات الأربع المقبلة من التنفيذ.
المصادر
- التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2024 (PDF) — متابع التحوّل الرسمي
- رؤية 2030 السعودية — التقرير السنوي 2025 — أحدث تحديث لمؤشرات الأداء
- مشاورات صندوق النقد الدولي بموجب المادة الرابعة 2025 — المملكة العربية السعودية — سعر التعادل المالي وتقييم المخاطر
- الهيئة العامة للإحصاء — البيانات الفصلية للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي وسوق العمل والتجارة
- صندوق الاستثمارات العامة — إفصاحات الصندوق واستراتيجية 2026-2030
- AGBI — تحليل عجز الاستثمار الأجنبي المباشر السعودي (سبتمبر 2025)
- عرب نيوز — تغطية المرحلة النهائية لرؤية 2030
ذات صلة
- رؤية 2030 — نظرة عامة على البرنامج وركائزه
- مؤشرات الأداء الرئيسية لرؤية 2030 — مقاييس الأداء الكاملة
- الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في المملكة العربية السعودية — تفصيل على مستوى القطاعات
- صندوق الاستثمارات العامة — تفويض المستثمر السيادي
- البرنامج الوطني لتنمية الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية — البرنامج الوطني لتنمية الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية
- أرامكو السعودية — شركة النفط الوطنية
- المشاريع العملاقة — نيوم والبحر الأحمر والقدية والدرعية
- متابع القطاعات — بيانات القطاعات الحيّة
- متابع مؤشرات الأداء الرئيسية — لوحة نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي
- شركات التعدين السعودية — الركيزة الثالثة
- الصادرات غير النفطية في المملكة العربية السعودية — بيانات أداء التصدير
- الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة العربية السعودية — سياق الاستثمار الأجنبي المباشر
- السعودة — توطين سوق العمل