يتمحور الإطار السعودي لمكافحة الفساد حول هيئة الرقابة ومكافحة الفساد “نزاهة”، إلى جانب منظومة حوكمة تشمل أنظمة الرشوة والمشتريات العامة وإقرارات الذمة المالية ومتطلبات امتثال المستثمرين. وضمن رؤية 2030، تُعد النزاهة المؤسسية شرطاً لاستقطاب الاستثمار الأجنبي وتحديث الإدارة العامة.
نزاهة: هيئة الرقابة ومكافحة الفساد
تأسست نزاهة بأمر ملكي عام 2011، إثر دمج صلاحيات هيئة الرقابة والتحقيق القديمة وإسباغ صلاحيات تحقيقية وتنفيذية موسّعة عليها. وترفع الهيئة تقاريرها مباشرةً إلى الملك وتعمل باستقلالية عن الوزارات والجهات الخاضعة لإشرافها. ويشمل اختصاص الهيئة الفساد المالي والإداري في القطاع العام، بما يتضمن الاختلاس والرشوة وإساءة استخدام السلطة والتلاعب بالمال العام وتعارض المصالح. وتمتد الهيئة بمكاتبها الإقليمية في مختلف مناطق المملكة، وتضم في صفوفها محققين ومدققين وقانونيين متخصصين.
الإطار التشريعي
تتضمن البنية التشريعية السعودية لمكافحة الفساد عدة تشريعات محورية؛ إذ تُجرّم نظام مكافحة الرشوة تقديم الرشوة أو إعطاءها أو قبولها أو طلبها من قِبل الموظفين العموميين، مع عقوبات تشمل السجن والغرامات المالية الضخمة. ويُعالج نظام مكافحة الغش المالي وخيانة الأمانة الاختلاسَ والتزوير والتلاعب بالمال. كما يتضمن نظام الخدمة المدنية ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية أحكاماً مصمَّمة للحيلولة دون تعارض المصالح وضمان شفافية الإجراءات التنافسية في المشتريات. وتُعدّ المملكة طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وتتعاون مع الهيئات الدولية لمكافحة الفساد بما فيها مجموعة عمل مكافحة الفساد في مجموعة العشرين.
الإنفاذ والإجراءات البارزة
أجرت نزاهة إجراءات إنفاذ بارزة تُجسّد التزام المملكة بمكافحة الفساد على مختلف المستويات. فقد أسفرت حملة مكافحة الفساد عام 2017 — التي شهدت احتجازاً مؤقتاً لأكثر من 200 رجل أعمال ومسؤول في فندق ريتز كارلتون بالرياض — عن تسويات تجاوزت 400 مليار ريال سعودي، وبعثت برسالة واضحة حول جدية الحكومة في محاربة الفساد. ومنذ ذلك الحين، واصلت نزاهة تحقيقاتها وملاحقاتها القضائية عبر الوزارات الحكومية والبلديات والمؤسسات المملوكة للدولة، وتنشر بانتظام تفاصيل الإدانات والعقوبات لتعزيز الشفافية والردع.
حماية المُبلِّغين عن المخالفات
أرست المملكة العربية السعودية آليات لحماية الأفراد المُبلِّغين عن الفساد. وتُشغّل نزاهة قنوات إبلاغ سرية تشمل بوابة إلكترونية وخطاً ساخناً هاتفياً تتيح للمواطنين والمقيمين الإبلاغ عن الفساد المشتبه به باسم مجهول. وتُلتزَم الهيئة بصون هوية المُبلِّغين واتخاذ الإجراءات ضد أي انتقام يُوجَّه إلى من يُبلّغون بحسن نية. وتُعدّ هذه الحماية ضرورة لبناء ثقة الجمهور في منظومة مكافحة الفساد وتشجيع تدفق المعلومات من داخل الجهات والمؤسسات الحكومية.
إقرار الذمة المالية وتعارض المصالح
يُلزَم كبار المسؤولين العموميين في المملكة بتقديم إقرارات مالية تُفصح عن أصولهم ودخلهم ومصالحهم التجارية. وتتولى نزاهة مراجعة هذه الإقرارات والتحقيق في أي تناقضات أو تعارضات مصالح غير مُفصَح عنها. وقد جرى تعزيز منظومة إقرارات الذمة المالية في السنوات الأخيرة في إطار أجندة إصلاح الحوكمة الأشمل، مع تكثيف التدقيق في المسؤولين المعنيين بالمشتريات والترخيص واتخاذ القرارات التنظيمية. وتتوافق هذه الإجراءات مع المعايير الدولية وتوصيات مجموعة العمل المالي (فاتف).
الدور في رؤية 2030
يُصنَّف مكافحة الفساد صراحةً ضمن أولويات الحوكمة في رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني. وتُقرّ أجندة الإصلاح بأن تصورات الفساد تُنفّر الاستثمار الأجنبي المباشر وترفع تكلفة ممارسة الأعمال وتُقوّض ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة. ومن خلال تعزيز استقلالية نزاهة وقدراتها، وتطبيق منصات الحكومة الإلكترونية الحادّة من فرص الوساطة الفاسدة، ورفع الشفافية في المشتريات الحكومية والإدارة المالية، تسعى المملكة إلى تحسين تصنيفها في مؤشرات تصور الفساد الدولية وخلق بيئة أعمال تلبّي المعايير العالمية للحوكمة.
التعاون الدولي
تُبرم نزاهة اتفاقيات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف مع هيئات مكافحة الفساد في دول أخرى، تُيسّر تبادل المعلومات والمساعدة القانونية المتبادلة واسترداد الأصول. وأتاحت عضوية المملكة في مجموعة العشرين منصةً للتقدم في مجال التعاون الدولي لمكافحة الفساد، بما يشمل الالتزامات بشفافية الملكية النفعية ومنع الملاذات الآمنة للمسؤولين الفاسدين والأصول المنهوبة. وتشارك المملكة أيضاً في مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وتنخرط في مبادرات إقليمية لمكافحة الفساد عبر مجلس التعاون الخليجي والشبكة العربية للنزاهة ومكافحة الفساد.
الانعكاسات على الأعمال
يتعين على الشركات الأجنبية والمحلية العاملة في المملكة الحفاظ على برامج امتثال متينة تعالج مخاطر الفساد. ويشمل ذلك تطبيق مدونات السلوك وإجراء العناية الواجبة على شركاء الأعمال والوسطاء الخارجيين وتدريب الموظفين على قوانين مكافحة الرشوة وإرساء آليات التبليغ الداخلي. وتواجه الشركات المنخرطة في التعاقد الحكومي أو المشتريات العامة توقعات امتثال مشددة. كما يُعزّز التطبيق الخارجي النطاق للقوانين الأجنبية لمكافحة الفساد، كقانون ممارسات الفساد الأجنبية الأمريكي وقانون الرشوة البريطاني، الحاجةَ إلى برامج امتثال شاملة في السوق السعودية.