ترتكز استراتيجية الهيدروجين السعودية في 2025 على ثلاثة محاور: مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر بطاقة تصل إلى 600 طن يومياً من الهيدروجين الأخضر، ومسار أرامكو للهيدروجين الأزرق والأمونيا الزرقاء، وممرات التصدير إلى أوروبا وآسيا. وبحلول 2030 تستهدف المملكة إنتاج 2.9 مليون طن سنوياً من الهيدروجين النظيف، وأن تصبح من أبرز مصدّري الهيدروجين والأمونيا عالمياً، مرسيةً ركيزة جديدة في اقتصاد الطاقة في إطار رؤية 2030.
ويُمثّل البناء الهيدروجيني، في الآن نفسه، رهاناً على إزالة الكربون، وبرنامجاً للتنويع الصناعي، وتحوّطاً ضد تآكل الطلب على النفط في الأمد الطويل. وهو يستند إلى ثلاث ميزانيات عمومية: صندوق الاستثمارات العامة عبر أكوا باور ونيوم، وأرامكو عبر إصلاح الغاز واحتجاز الكربون، ووزارة الطاقة عبر أطر الشراء الثنائية بين الدول. ويتمحور الاختبار الاستراتيجي حتى 2030 حول التنفيذ: تسليم أوّل الجزيئات بأسعار يتحملها المشترون الأوروبيون والآسيويون بعد خصم تكاليف الشحن والشهادات وخسائر التحويل.
الاستراتيجية السعودية للهيدروجين
تستهدف الاستراتيجية الوطنية السعودية للهيدروجين إنتاج 2.9 مليون طن سنوياً من الهيدروجين النظيف بحلول 2030، ترتفع إلى 4 ملايين طن بحلول 2035. وضمن هذا الإطار، تشير توجيهات وزارة الطاقة إلى نحو 1.2 مليون طن من الهيدروجين الأخضر و11 مليون طن من الأمونيا الزرقاء بنهاية العقد، وتعكس هذه الفجوة بين الرقمين كلاً من ميزة المملكة الغازية والتفاوت في درجة النضج بين إصلاح الميثان بالبخار مع احتجاز الكربون والتحليل الكهربائي بالحجم الجيجاواطي. وتسير الاستراتيجية بالتوازي مع المبادرة السعودية الخضراء وتعهّد المملكة ببلوغ الحياد الصفري داخل حدودها بحلول 2060.
استراتيجياً، يقع الهيدروجين عند تقاطع ثلاثة أهداف للسياسة العامة. أولاً، يُحقّق عوائد لقدرات الطاقة المتجددة التي ستزاحم النفط والغاز في مزيج الكهرباء المحلي لو لم تُوظَّف، إذ يُصبح التحليل الكهربائي مشترياً عالي القيمة للطاقة الشمسية والرياح، يُبرّر الاستثمار المتجدد دون التضييق على أحجام تصدير الهيدروكربون. ثانياً، يمنح أرامكو ومجمّع البتروكيماويات خطّ منتجات منخفض الكربون متّسقاً مع إطار اقتصاد الكربون الدائري الذي دفعت المملكة العربية السعودية بإدراجه في البيان الختامي لمجموعة العشرين خلال رئاستها 2020. ثالثاً، يحفظ دور المملكة بوصفها مورِّداً للجزيئات إلى آسيا وأوروبا في عالم تتزايد فيه رغبة قطاعات الاستخدام النهائي في حوامل طاقة خالية من الكربون، لا في براميل النفط فحسب.
وتعتمد البنية المؤسسية على المنصات القائمة بدلاً من إنشاء وكالة عمودية جديدة. وتُمثّل نيوم وأرامكو وأكوا باور وسابك الكيانات التشغيلية الرئيسية. وتدير وزارة الطاقة برئاسة الأمير عبدالعزيز بن سلمان الاستراتيجية والدبلوماسية الثنائية. ويدعم صندوق الاستثمارات العامة الهيكل الرأسمالي عبر حصصه في نيوم (100%) وأكوا باور (44.2%). وتتولى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) البحث التقني.
التمييز بين الأخضر والأزرق
تكتسب التصنيفات اللونية أهمية في أسواق التصدير أكثر من أهميتها في اقتصاديات الإنتاج. فالهيدروجين الأخضر يُنتَج من تحليل الماء كهربائياً عبر كهرباء متجددة، فيتولّد منه الهيدروجين والأكسجين دون انبعاثات كربونية مباشرة. أما الهيدروجين الأزرق فيُنتَج من الغاز الطبيعي بإصلاحه بالبخار، مع احتجاز ثاني أكسيد الكربون الناتج وتخزينه، فتبقى انبعاثات متبقية تتراوح بين 1 و3 كغ CO2 لكل كغ H2 حسب معدل الاحتجاز. والهيدروجين الرمادي، أي المُصلَح غازياً دون احتجاز، هو المنتج الصناعي القديم الذي صُمّمت الاستراتيجية لتعويضه.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن هذا التمييز يحمل ثقلاً تجارياً، إذ يشترط المشترون الأوروبيون بموجب التوجيه الأوروبي للطاقة المتجددة الثالث الهيدروجينَ الأخضر للوفاء بحصص الامتثال، في حين أبدى المشترون اليابانيون والكوريون استعداداً لاحتساب الأمونيا الزرقاء ضمن أهداف إزالة الكربون. كما تميل آلية تعديل حدود الكربون، المتجهة نحو التسعير الكامل في 2026، بالاقتصاديات متوسطة الأجل لصالح اللون الأخضر. غير أن للهيدروجين الأزرق ميزة تكلفة فورية في المملكة: فالمادة اللقيمية الغازية المخصّصة من أرامحو بتسعير منظَّم رخيصة، والبنية التحتية قائمة، وتكاليف الاحتجاز والتخزين في الجيولوجيا السعودية تنافسية عالمياً.
وتنبع ميزة المملكة في الهيدروجين الأخضر من شدة الإشعاع الشمسي. إذ تشهد نيوم وساحل البحر الأحمر إشعاعاً شمسياً مباشراً عمودياً يتجاوز عادةً 2,400 كيلوواط ساعة لكل متر مربع سنوياً، وهو من أعلى المعدلات في العالم. ومع توافر طاقة رياح منخفضة التكلفة في شمال غرب المملكة، وتمويل بقيادة صندوق الاستثمارات العامة بكلفة رأس مال قريبة من السيادية، يترجم ذلك إلى كهرباء متجددة في حدود العشرينيات الدنيا من الدولار لكل ميغاواط ساعة، وهي المُدخل الذي يُهيمن على أي حساب لـ التكلفة المعدلة للهيدروجين عبر التحليل الكهربائي.
مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر
تُعدّ شركة نيوم للهيدروجين الأخضر المنشأة الرائدة، والمؤشر الدالّ على أداء استراتيجية المملكة في الهيدروجين عموماً. أُغلق التمويل للمشروع البالغ 8.4 مليار دولار في مارس 2023، بدين غير مرتبط بالقروض حصري بقيمة 6.1 مليار دولار، وُزِّع على 23 مصرفاً محلياً وإقليمياً ودولياً، في واحد من أكبر تمويلات المشاريع الخضراء التي أُنجزت حتى الآن. وتتوزّع الملكية بالتساوي على نيوم وأكوا باور وإير بروداكتس: تُسهم نيوم بالأرض والإطار التنظيمي والمورد المتجدد، وأكوا باور بخبرة تطوير المشاريع، وإير بروداكتس بالتكامل في الهندسة والتوريد والإنشاء، وهندسة المحلل الكهربائي، والشراء الحصري.
أما التهيئة فهي: 4 جيجاواط من القدرة المتجددة المركَّبة (2.2 جيجاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية، و1.6 جيجاواط من الرياح عبر 257 توربيناً، إضافةً إلى تخزين بطاريات) تُغذّي 2 جيجاواط من المحللات الكهربائية القلوية من تيسنكروب، فتُنتج ما يصل إلى 600 طن يومياً من الهيدروجين. ويُحوَّل الهيدروجين موقعياً إلى أمونيا باستخدام النيتروجين المفصول من الهواء، فيُعطي نحو 1.2 مليون طن سنوياً من الأمونيا الخضراء تُصدَّر عبر محطة بحرية مخصصة في أوكساجون. ويُغطّي اتفاق الشراء مع إير بروداكتس لمدة 30 عاماً المُخرَجَ كاملاً، الموجَّه أساساً إلى عملاء صناعيين أوروبيين وإلى شبكة توزيع الهيدروجين الخاصة بإير بروداكتس في آسيا وأمريكا الشمالية بعد إعادة التحويل.
وبخصوص حالة الإنشاء حتى مطلع 2026، فإن نسبة الإنجاز الإجمالية تبلغ نحو 80%. تُركَّب توربينات الرياح، وقد اكتمل الحقل الشمسي إلى حدٍّ كبير. وبنوك المحلل الكهربائي وحلقة تخليق الأمونيا في مراحل التركيب المتأخرة. وتستهدف التوجيهات العامة تشغيل المتجددات في الربع الثالث من 2026، يتبعها رفع تدريجي للمحلل الكهربائي خلال أواخر 2026 وعام 2027. ويُتوقَّع أوّل شحنة تجارية من الأمونيا الخضراء بنهاية 2026 أو مطلع 2027، مع بلوغ الإنتاج كامل اللوحة الاسمية خلال 2027. ويعكس التأخير الذي يتراوح بين ستة وإثني عشر شهراً عن التوجيهات السابقة منحنى تعلم طبيعياً لأول مشروع من نوعه، إذ لم يجر تشغيل أي مشروع كبير للهيدروجين الأخضر بهذا الحجم في أي مكان حتى الآن.
ومشروع نيوم للهيدروجين الأخضر هو المشروع الذي يتعيّن عليه إثبات منحنى التكلفة. فإذا أنزلت إير بروداكتس الأمونيا في روتردام بسعر تسليم تنافسي مع الهيدروجين الأخضر المُنتَج أوروبياً مضافاً إليه الشحن، فإن مبرّرات إنشاء مركز ينبع التابع، ومجمل طموح 11 مليون طن سنوياً من الأمونيا الزرقاء، تتعزّز تعزيزاً ملحوظاً.
الهيدروجين الأزرق لدى أرامكو
تبني أرامكو السعودية شِق الهيدروجين الأزرق عبر مزيج من التوسع العضوي والاستحواذات الانتقائية. ففي مارس 2025 استحوذت أرامكو على حصة بنسبة 50% في شركة بلو هيدروجين للغازات الصناعية (BHIG)، وهي مشروع مشترك في الجبيل مع إير بروداكتس قدرة. وتُنتج بلو هيدروجين الهيدروجينَ الأزرق من الغاز الطبيعي مع توجيه ثاني أكسيد الكربون إلى مركز احتجاز الكربون المُخطَّط له في الجبيل. ويُرسِّخ هذا الاستحواذ دور أرامكو لاعباً مهيمناً في الهيدروجين الأزرق بالمنطقة الشرقية، ويدمج قاعدة عملاء بلو هيدروجين الصناعيين، من مصافٍ ومصانع بتروكيماويات وشركات صلب، ضمن حسابات انبعاثات أرامكو.
أما المشروع الذي يجعل الهيدروجين الأزرق ذا مصداقية على نطاق واسع فهو مركز جبيل لاحتجاز الكربون. ففي فبراير 2025 منحت أرامكو شركة لارسن آند توبرو عقد الهندسة والتوريد والإنشاء بقيمة 1.5 مليار دولار للمرحلة الافتتاحية، باستهداف بدء التشغيل في 2027. وعند تشغيله، سيحتجز مركز الجبيل ويُخزّن نحو 9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، نحو 6 ملايين طن منها من محطات غاز أرامكو نفسها و3 ملايين طن من جهات منبعثة من خارج الشركة. ويُنقَل ثاني أكسيد الكربون عبر أنابيب إلى طبقة جوفية مالحة لتخزينه دائماً. ويشارك في المشروع كل من ليندي وSLB. وتُحدّد المملكة العربية السعودية هدفاً للعزل بنحو 44 مليون طن سنوياً بحلول 2035، يُمثّل مركز الجبيل الركيزة فيه؛ وبدونه يُصبح وسم الأزرق على الهيدروجين السعودي غير مقبول لدى المشترين الأوروبيين.
وتشمل البنية التحتية القائمة لاحتجاز الكربون منشأةَ الحوية لاسترداد سوائل الغاز الطبيعي، التي ظلت تحتجز ثاني أكسيد الكربون منذ 2015، وتبلغ كميته حالياً 45 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، يُنقَل عبر أنبوب طوله 85 كيلومتراً لحقنه في حقل العثمانية لأغراض الاستخلاص المحسَّن للنفط. والحوية أقرب إلى الاستخلاص المحسَّن منه إلى التخزين المخصص، إلا أنه أتاح لأرامكو خبرة تشغيلية تخفّض المخاطر في مشروع جبيل.
ويُمثّل سجل الأمونيا الزرقاء التجاري لدى أرامكو الأكثر رسوخاً في المملكة. فقد شحنت الشركة أوّل شحنة في العالم من الأمونيا الزرقاء إلى اليابان في سبتمبر 2020، وكانت شحنة استعراضية بوزن 40 طناً موجَّهة إلى جيرا وإيديميتسو وغيرهما. وتلتها شحنات أخرى إلى اليابان وكوريا، فيما أُشير إلى أوّل تسليم تجاري بنطاق كبير من الأمونيا الزرقاء إلى كوريا في البيان المشترك الصادر في الرياض في أكتوبر 2023 بموجب مبادرة تعاون واحة الهيدروجين الكورية السعودية.
دور أكوا باور
تُمثّل أكوا باور المنصة الجوهرية الثانية إلى جانب أرامكو، لكن بتركيز مختلف: الهيدروجين الأخضر، والمتجددات على المستوى المرافِقي، وانضباط تمويل المشاريع، بدلاً من التكامل الغازي الأعلى السلسلة. ويملك صندوق الاستثمارات العامة 44.2% من أكوا باور، ويضع دورها في مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، ومركز ينبع المُخطَّط له، وخط أنابيب متنامٍ من مشاريع الهيدروجين الأخضر الدولية، الشركةَ منصةً تشغيلية مفضّلة لإنتاج الجزيئات الخضراء السعودية.
ومركز ينبع للهيدروجين الأخضر هو الامتداد الأكثر أهمية. تُطوّر أكوا باور المركز بالاشتراك مع شركة المرافق الألمانية EnBW، باستهداف إنجاز التصميم الهندسي الأمامي في منتصف 2026 وبدء التشغيل التجاري بحلول 2030. وتشير صياغات أكوا باور العلنية إلى أن سعة ينبع قد تكون نحو ضعف سعة شركة نيوم للهيدروجين الأخضر، أي توليد متجدد في حدود 8 جيجاواط وقدرة تحليل كهربائي قرابة 4 جيجاواط. ويقع ينبع على ساحل البحر الأحمر، أقرب إلى البنية التحتية المرفئية السعودية القائمة، وموجَّه أساساً نحو المشترين الأوروبيين. ويمنح حضور EnBW المشروعَ خطاً مباشراً إلى الطلب الألماني للشراء، الذي تقوده الأطر التنظيمية عبر آلية H2Global ومتطلبات الامتثال للتوجيه الأوروبي للطاقة المتجددة الثالث.
وعلاوةً على المشاريع الرائدة، تمتلك أكوا باور 25 مشروعاً في مراحل تطوير متقدمة بقيمة 26 مليار دولار، تشمل المتجددات والهيدروجين والمياه. ووقّعت الشركة كذلك اتفاقية محلل كهربائي مع المطوّر الأسترالي هايساتا، الذي يدّعي تحليل كهربائي قلوي شعيري التغذية بكفاءات تتجاوز 95% بالقيمة الحرارية الدنيا. فإذا حقّقت هايساتا ما تَعِد به على نطاق واسع، فقد تتجاوز أكوا باور منحنى التكلفة المفترض لبنوك تيسنكروب في مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، في ميزة معتبرة للمحرّك الثاني عند تطوير ينبع.
أسواق التصدير
تنقسم استراتيجية التصدير السعودية بين الطلب الآسيوي والأوروبي، باختلاف في الهياكل التجارية وأنظمة الشهادات ومنطق التسعير في كل سوق.
اليابان هي المرتكز التاريخي. وعبر صندوق الابتكار الأخضر التابع لوزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة، التزمت اليابان باستيراد نحو 3 ملايين طن سنوياً من ما يعادل الهيدروجين على شكل أمونيا بحلول 2030. وتقوم جيرا، أكبر منتج للكهرباء في البلاد، بحرق الأمونيا حرقاً مشتركاً في محطة هيكينان للفحم، وهو الاستعراض الذي يُحوّل الطلب النظري إلى أحجام فعلية. وكانت أرامكو الطرف السعودي المقابل الرئيسي، مع شركة ميتسوبيشي ركيزةً للتداول والشحن. وقد أبدى المشترون اليابانيون مرونة أكبر من المشترين الأوروبيين تجاه التمييز بين الأخضر والأزرق، إذ يُركّزون على انبعاثات دورة الحياة لا على اللون الصارم.
وقد سارت كوريا الجنوبية في نهج مماثل لليابان. تستهدف خارطة الطريق الكورية لاقتصاد الهيدروجين 27.9 مليون طن من الطلب على الهيدروجين بحلول 2050، تُغطي الواردات معظمها. وقد ارتقت قمة الرياض في أكتوبر 2023 بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس يون سوك يول بالشراكة الكورية السعودية في الهيدروجين إلى مرتبة أولوية الدولة، مع شراء فعلي من أرامكو، وتعاون في البنية التحتية، وإطار استثمار مشترك للمشترين الصناعيين الكوريين في الطاقة الإنتاجية السعودية.
وتُمثّل ألمانيا والاتحاد الأوروبي عموماً السوق الأعلى قيمةً والأشد قيوداً تنظيمياً. وتجري آلية H2Global الألمانية مزادات عكسية لشراء الهيدروجين الأخضر والأمونيا بأسعار ثابتة، وإعادة بيعها بأسعار السوق مع تغطية الفارق عبر دعم اتحادي. وتمتلك الأمونيا الخضراء السعودية من شركة نيوم للهيدروجين الأخضر ومركز ينبع المُخطَّط له موقعاً تنافسياً في تلك المزادات، ولكن فقط إذا اجتازت الجزيئات قواعد الإضافة والترابط الزمني للتوجيه الأوروبي الثالث، وهي العتبة التقنية التنظيمية التي تعثّر في الوفاء بها عدد من المنتجين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويُحابي المنطق الجغرافي المملكة العربية السعودية: فهي على بُعد متساوٍ تقريباً بين يوكوهاما وروتردام، بسعة ناقلات قائمة في ينبع والجبيل ورأس الخير مهيّأة بالفعل لتصدير الأمونيا. وتُمثّل خسائر التحويل ذهاباً وإياباً عبر الأمونيا حقيقة واقعة (عقوبة طاقية بنسبة 25 إلى 30%)، إلا أنها تصبح غير ذات قيمة للعملاء الصناعيين الذين يستخدمون الأمونيا مباشرةً في الأسمدة والوقود البحري والاحتراق المشترك في توليد الكهرباء.
منحنى التكلفة والاقتصاديات
تقع تكاليف الهيدروجين الأخضر السعودي في الطرف المُحابي من التوزيع العالمي، لكنها لم تُحقّق بعدُ تعادلاً مع الهيدروجين الرمادي. وتضع التقديرات الحديثة الهيدروجينَ المُنتَج بمزيج شمسي ورياح في منطقة نيوم عند نحو 3.27 دولار/كغ بمزج 50/50، وهي أدنى تكلفة معدلة للهيدروجين تُحسَب لأي مدينة سعودية في دراسة منهجية صدرت في 2024. ويبلغ الهيدروجين الشمسي الكهروضوئي الخالص نحو 4.23 دولار/كغ، والشمسي المركَّز 4.95 دولار/كغ. وتشير الدراسات التي تتنبأ بحلول 2030 مع مزيد من خفض تكلفة المحلل الكهربائي إلى تكلفة معدلة للهيدروجين تتراوح بين 1.57 و3.08 دولار/كغ، مع 1.80 دولار/كغ حالةً مركزية مذكورة بكثرة.
ثلاثة محرّكات تحدّد موضع التكلفة المعدلة السعودية. فقد كانت النفقات الرأسمالية للمحلل الكهربائي أكثر استعصاءً مما توقعه المطورون في 2021 و2022، بفعل التضخم وقيود سلسلة التوريد على مكونات المكدّس القلوي ومعدلات تعلّم أبطأ من 18 إلى 20% لكل تضاعف افترضتها سيناريوهات وكالة الطاقة الدولية المبكرة. وكلفة رأس المال مواتية في ضوء ملف المخاطر القريب من السيادي، إذ يعني دعم صندوق الاستثمارات العامة معدل تكلفة مرجَّح أدنى بكثير من نسبة 9 إلى 12% المُطبَّقة على المشاريع الجديدة في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية. وتُمثّل تكلفة الكهرباء المتجددة المتغيّرَ الأرجحَ: فاتفاقيات شراء الكهرباء السعودية في حدود العشرينيات الدنيا من الدولار لكل ميغاواط ساعة تترك مجالاً لإنتاج هيدروجين في نطاق 2 إلى 3 دولارات/كغ.
أما حسابات الهيدروجين الأزرق فمختلفة. فتكلفة تخصيص الغاز لدى أرامكو هي السعر المحلي المنظَّم، أدنى بكثير من الغاز التجاري في أوروبا أو آسيا. وإصلاح الميثان بالبخار تقنية ناضجة بنفقات رأسمالية تقترب من نصف التكلفة المقابلة لطاقة التحليل الكهربائي. ويُضيف احتجاز الكربون 0.50 إلى 1.00 دولار/كغ تبعاً لمعدل الاحتجاز. ويُحتمل أن تستقر تكلفة الهيدروجين الأزرق فوب الجبيل عند 1.50 إلى 2.00 دولار/كغ، أي أدنى بشكل ملموس من نيوم الأخضر في الأمد القريب، مع انكشاف على إحكام تسعير الكربون.
ويُدرج تقرير وكالة الطاقة الدولية للهيدروجين العالمي 2025 المملكةَ العربية السعودية ضمن مجموعة محدودة من البلدان، إلى جانب الإمارات وعُمان والمغرب والصين، يجعل فيها الجمع بين انخفاض كلفة رأس المال وقوة المورد المتجدد والالتزام السياسي الهيدروجينَ الأخضر التصديري قابلاً للنفاذ. كما تُشير الوكالة إلى مخاطر العنوان الرئيسي: فإن فجوة التكلفة مع الهيدروجين الأحفوري غير المخفَّض اتسعت ولم تضِق منذ 2022، مع تراجع أسعار الغاز واستمرار تضخم المحلل الكهربائي. ولا يزال تعادل التنافسية في التكلفة بأوروبا أو اليابان متوقفاً على تسعير الكربون أو التفويضات التنظيمية أو برامج الدعم المباشر.
مزيج طاقة رؤية 2030
يقع الهيدروجين داخل تحوّل أوسع لـ مزيج طاقة رؤية 2030 يستهدف تحويل نحو 50% من توليد الكهرباء المحلي السعودي إلى المتجددات بحلول 2030، مع توزيع الباقي بين الغاز (محلّ التوليد المعتمد على النفط) ومكوّن نووي صغير. ويُحرّر التحوّل نحو المتجددات والغاز خاماً للتصدير، ويُوجد فائض الكهرباء المتجددة الذي يجعل التحليل الكهربائي رشيداً اقتصادياً.
ويبلغ هدف المتجددات الرئيسي 130 جيجاواط من القدرة المركَّبة بحلول 2030، منها نحو 58 جيجاواط شمسية كهروضوئية و40 جيجاواط رياح، والباقي شمسية حرارية وحرارية أرضية. وقد أنهت المملكة العربية السعودية عام 2024 بنحو 5 جيجاواط مركَّبة، ويستلزم سدّ الفجوة معدل بناء يفوق 20 جيجاواط سنوياً، يُطرَح كثير منه عبر البرنامج الوطني للطاقة المتجددة. وحتى لو جاء البناء الفعلي عند 80 إلى 100 جيجاواط بحلول 2030، فستظل القدرة المتجددة الفائضة المتاحة لإنتاج الهيدروجين كبيرة.
ويُمدّ التوسّع المحلي في الغاز لدى أرامكو، ولا سيّما تطوير حقل الجافورة غير التقليدي بقيمة 110 مليارات دولار، قاعدةَ الجزيئات للهيدروجين الأزرق ويُحرّر النفط الخام للتصدير. وتستهدف الجافورة إنتاج 2 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول 2030. ويُزيح بعض الغاز التوليدَ المعتمد على النفط، وتذهب حصة منه إلى البتروكيماويات، فيما تُغذّي الشريحة المخصصة لإصلاح الهيدروجين شركةَ بلو هيدروجين والقدرة الزرقاء اللاحقة في الجبيل وينبع.
وتُخصّص استراتيجية أرامكو منخفضة الكربون نحو 11 مليون طن سنوياً من قدرة الأمونيا الزرقاء بحلول 2030، ضمن إطار إنفاق أوسع لتحوّل الطاقة بقيمة 50 مليار دولار حتى 2050. وهو رقم كبير لكنه ليس تحويلياً نسبةً إلى نفقات أرامكو الرأسمالية الأعلى السلسلة السنوية البالغة 50 إلى 55 مليار دولار. والهيدروجين موقع مساند يحمي الحصة السوقية إذا تراجع الطلب على النفط أسرع من الحالة المركزية، لا تخصيصاً رأسمالياً مهيمناً.
التطورات الحديثة 2024-2026
نقلت الأشهر الثمانية عشر الأخيرة استراتيجية المملكة في الهيدروجين من الإعلان إلى التنفيذ. فقد بلغ مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر إنجازاً مادياً بنسبة 80% بحلول مطلع 2026، وما زال على المسار صوب أوّل شحنة تجارية في أواخر 2026 أو مطلع 2027، والتأخير عن توجيهات أوّل شحنة في 2025 حقيقي لكنه متواضع وفق مقاييس المشاريع الكبرى. وكانت ترسية أرامحو عقد الهندسة والتوريد والإنشاء على لارسن آند توبرو بقيمة 1.5 مليار دولار لمركز جبيل لاحتجاز الكربون في فبراير 2025 الالتزامَ الأكثر رسوخاً ببنية الهيدروجين الأزرق التحتية حتى الآن، فبدون المركز تظل صادرات الأمونيا الزرقاء تقنياً رمادية مع تعويضات.
وأشار استحواذ أرامكو في مارس 2025 على 50% من بلو هيدروجين إلى توحيد سوق الهيدروجين الأزرق التجاري في الجبيل تحت مظلة أرامكو. وأرستْ أكوا باور وEnBW رسمياً التطوير المشترك لمركز ينبع للهيدروجين الأخضر في 2024 و2025، باستهداف إنجاز التصميم الهندسي الأمامي في منتصف 2026. واستمرت مبادرة تعاون واحة الهيدروجين الكورية السعودية، التي رُسِّمت في قمة الرياض في أكتوبر 2023، خلال 2024 و2025 بشراء تجاري فعلي من أرامكو لمرافق الكهرباء الكورية. وفي منتصف 2025 أشارت المملكة العربية السعودية إلى استكشاف منشأة هيدروجين أخضر إضافية تتخطى المليارات من الدولارات بعد شركة نيوم للهيدروجين الأخضر وينبع، مع بقاء اختيار الموقع غير محسوم حتى مطلع 2026.
المخاطر
تواجه الاستراتيجية مخاطر فعلية عدّة تُسعّرها الأسواق في حقوق الملكية والديون المرتبطة بالهيدروجين السعودي.
تُمثّل مخاطر جانب الطلب الشاغل المهيمن. فقد جاءت قرارات الاستثمار النهائية على قدرة الحرق المشترك للأمونيا في اليابان وكوريا أبطأ من خطط 2022 الأساسية. كما أُغلقت مزادات H2Global الأوروبية عند أحجام أدنى وأسعار أعلى مما رصدته الحكومة الألمانية. وإذا استقر الطلب العالمي على الهيدروجين بحلول 2030 عند سيناريو السياسات المُعلَنة لوكالة الطاقة الدولية لا عند سيناريو التعهدات المُعلَنة، فإن السوق المُتاحة لصادرات المملكة ستكون أصغر بكثير من الـ700 مليار دولار التي تُذكَر أحياناً.
ومخاطر التكلفة سيف ذو حدّين. فإذا تراجعت تكاليف المحلل الكهربائي بمعدل 10 إلى 15% سنوياً، يصبح هيدروجين المملكة الأخضر عند 1.80 إلى 2.00 دولار/كغ بحلول 2030 معقولاً ويسحب الطلبَ إلى الأمام. وإذا ظلت التكاليف عصيّة على الانخفاض ووصل المنتجون الصينيون أو الهنود إلى سلاسل توريد محلية أرخص، تضيق ميزة التكلفة السعودية.
ومخاطر التنفيذ خاصة بكل مشروع. فقد تأخر مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر ستة إلى إثني عشر شهراً عن جدوله الأصلي. ولم يُكمِل ينبع التصميم الهندسي الأمامي. ويتوقف مركز جبيل لاحتجاز الكربون على توصيف للطبقة الجوفية المالحة لم يُدقَّق فيه باستقلالية عند الأحجام التي تتوقعها أرامكو. ويُضغط التراكم في التأخير عبر مشاريع متعددة نافذة الوقت لبلوغ أهداف الإنتاج لعام 2030.
أما مخاطر محاسبة الكربون فمُلزِمة للهيدروجين الأزرق. فآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية ولوائح الميثان المرتقبة تفرض متطلبات انبعاثات دورة حياة متزايدة الصرامة على الهيدروجين المستورد. وكثافة الميثان لدى أرامكو المُعلَنة منخفضة قياساً بنظرائها العالميين، إلا أن صادرات الهيدروجين الأزرق إلى أوروبا بعد 2027 ستحتاج إلى محاسبة دورة حياة موثَّقة من طرف ثالث، وما تزال المملكة العربية السعودية في طور بناء قدرة مؤسسية لتقديمها على نطاق واسع. وتؤثر المخاطر الجيوسياسية، كالتوترات السعودية الإيرانية وتعطّل الشحن في البحر الأحمر، على أقساط التأمين وموثوقية الشحنات الموجَّهة عبر ينبع.
الآفاق
تُنهي المملكة العربية السعودية النصف الأول من 2026 في موقع أقوى مما رصد له معظم المراقبين الخارجيين قبل عامين. فمشروع نيوم للهيدروجين الأخضر يقترب من بدء التشغيل. ولمركز جبيل لاحتجاز الكربون طرف مقابل في عقد قائم. وأكوا باور تعمّق خط أنابيب مشاريعها. وأطر الشراء الثنائية مع اليابان وكوريا وألمانيا فاعلة. وتظل أهداف 2030 (2.9 مليون طن سنوياً من الهيدروجين النظيف، ومركز ضمن أكبر ثلاثة مصدّرين للأمونيا، واستثمار تراكمي يفوق 5 مليارات دولار) معقولة وإن لم تكن مؤكَّدة.
ويرتكز العقد المقبل على ثلاثة محاور: خفض التكلفة، ومصداقية الشهادات، وتحقّق الطلب. ويتعيّن أن يأتي خفض التكلفة من محللات كهربائية من الجيل التالي، ومن تسعير أعمق لاتفاقيات شراء المتجددات، ومن توطين صناعي سعودي ينقل تصنيع مكدّس المحلل الكهربائي إلى داخل المملكة. وتعني مصداقية الشهادات بناء البنية التحتية التنظيمية والتدقيقية التي تتيح للمشترين في برلين وطوكيو وسيول الوثوقَ بالتمييز بين الأخضر والأزرق دون الاكتفاء بكلمة المملكة. ويعتمد تحقّق الطلب على عوامل خارجة عن السيطرة السعودية، كوتيرة إزالة الكربون الصناعي الأوروبي وقرارات الاستثمار النهائية للحرق المشترك للأمونيا في اليابان وتعرفات مرافق الهيدروجين الكورية، إلا أنه يتأثر بموثوقية المملكة مورّداً لأوّل الشحنات التجارية.
وإذا تقاربت تلك المحاور الثلاثة، فستمتلك المملكة العربية السعودية مساراً موثوقاً نحو 5 إلى 7% من سوق تصدير الهيدروجين العالمي بحلول 2035. وإذا لم تتقارب، تظل المملكة محتفظةً بموقعها التصديري الهيدروكربوني سليماً تقريباً، ويعمل بناء الهيدروجين خياراً سدّد قيمته الاختيارية لكن لم يُنتج تيار الإيرادات المعادل للنفط الذي تضمّنه التأطير الأكثر طموحاً لرؤية 2030. ولحسبة التنويع الإجمالية في المملكة، تظل النتيجة المحافظة قابلة للتنفيذ. فالهيدروجين لا يحتاج إلى أن يحلّ محلّ إيرادات النفط لكي تنجح رؤية 2030، بل يحتاج إلى إثبات قدرة المملكة العربية السعودية على قيادة صناعة طاقة جديدة. وعلى تلك العتبة الأدنى، تُحقّق الاستراتيجية بالفعل ما تَعِد به.
مراجع خارجية
- شركة نيوم للهيدروجين الأخضر — مواصفات المشروع.
- مجمّع نيوم للهيدروجين الأخضر لدى إير بروداكتس — تفاصيل الشراء.
- تقرير الهيدروجين العالمي لوكالة الطاقة الدولية 2025 — منحنيات التكلفة وتقديرات الطلب.
- استحواذ أرامكو على بلو هيدروجين — توحيد الهيدروجين الأزرق.
- الاستراتيجية الصناعية السعودية للهيدروجين لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية — الإطار السياسي.