هل تنجح السعودة؟ الجودة مقابل الكمية في سوق العمل السعودي
يبلغ معدل بطالة السعوديين نحو 7.7% — رقم يقترب من هدف رؤية 2030 البالغ 7% اقتراباً ملحوظاً. فعلى الورق، يُمثّل هذا إنجازاً ملموساً: قبل عقد من الزمن، كانت البطالة في صفوف السعوديين تحوم حول 12%، وكانت بطالة الشباب مصدر قلق اجتماعي عميق. وقد أدّت برامج نطاقات وما تلاها إلى إدخال ملايين المواطنين السعوديين إلى التوظيف الرسمي بحسب الأرقام.
غير أن الرقم الإجمالي يخفي واقعاً أكثر تعقيداً. فالسؤال الجوهري لمسار سوق العمل في رؤية 2030 ليس في مجرد توظيف السعوديين، بل فيما إذا كانوا يُوظَّفون بصورة منتجة — في أدوار تُطوّر رأس المال البشري وتُولّد قيمة اقتصادية وتُوفّر مسارات مهنية تُديم اقتصاداً متنوعاً. وعلى هذا السؤال الأعمق، تبدو الشواهد متباينة.
هيكل السعودة
تطوّر إطار التوطين في المملكة تطوراً ملحوظاً منذ إطلاق نظام نطاقات الأصلي عام 2011. ويشمل الهيكل الراهن عدة برامج متشابكة:
نطاقات يُصنّف الشركات في فئات ترمز إليها ألوان بناءً على نسبة التوظيف السعودي لديها، مع امتيازات وعقوبات مرتبطة بكل فئة. وتحظى شركات الفئتين “الخضراء” و"البلاتينية" بمعالجة سريعة للتأشيرات وتفضيل في العقود الحكومية ومزايا تنظيمية. أما تلك في الفئة “الحمراء” فتواجه تجميد التوظيف وقيود التعاقد.
التفويضات القطاعية حجزت تدريجياً مهناً بعينها للمواطنين السعوديين — إذ تستلزم مبيعات التجزئة والاستقبال الفندقي واللوجستيات وعدد كبير من الأدوار الأخرى توظيف سعوديين بنسب محددة.
برامج دعم الأجور، ولا سيما برنامجا حافز وتمهير، تُقدّم إعانات مؤقتة للأجور لتحفيز توظيف المنشآت الخاصة للمواطنين.
صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) يُشارك في تمويل برامج التدريب والتطوير الوظيفي للموظفين السعوديين، فيُخفّف تكاليف صاحب العمل في فترة التوظيف الأولى.
والبنية المؤسسية رفيعة المستوى، وعلى صعيد تصميم البرامج، تنافس جهود التوطين في أي مكان آخر في الخليج.
الأرقام الإجمالية
| المؤشر | 2016 | 2020 | 2025 | الاتجاه |
|---|---|---|---|---|
| بطالة السعوديين (إجمالي) | 12.3% | 12.6% | 7.7% | تحسّن ملحوظ |
| بطالة الإناث | 34.5% | 28.2% | 14.2% | تحسّن دراماتيكي |
| بطالة الذكور | 5.9% | 7.1% | 4.3% | تحسّن |
| بطالة الشباب (15-24) | 29.4% | 28.8% | ~18% | تحسّن مع ارتفاع مستمر |
| توظيف السعوديين في القطاع الخاص | ~1.7 مليون | ~1.9 مليون | ~2.4 مليون | نمو ثابت |
| مشاركة المرأة في سوق العمل | 17% | 23.2% | 36% | تجاوز الهدف |
التحسّن حقيقي ولا ينبغي تجاهله. ويُمثّل نمو توظيف المرأة تحولاً جذرياً بالفعل — ملايين النساء السعوديات اللواتي كان وصولهن إلى سوق العمل محدوداً قبل عقد يُشاركن الآن في الاقتصاد بصورة فاعلة. وهذا إنجاز اجتماعي واقتصادي حقيقي.
المخاوف المتعلقة بالجودة
تحت المؤشرات الإيجابية الإجمالية، ثمة مخاوف هيكلية جديرة بالدراسة الجادة.
ضغط الأجور وازدواجية سوق العمل. يُظهر سوق العمل السعودي في القطاع الخاص انقساماً مستمراً. ففي القطاع الأعلى، يشغل المواطنون السعوديون مناصب مُعوَّضة جيداً في المصرفية والطاقة والتقنية والمؤسسات الحكومية المرتبطة. أما في القطاع الأدنى، فتدفع حصص التوطين المواطنين إلى أدوار في التجزئة والضيافة والخدمات حيث تتراوح الرواتب بين 3,000 و6,000 ريال شهرياً — مستويات توفر تطوراً مهنياً محدوداً.
جودة الوظائف والاحتفاظ بها. معدلات التبديل الوظيفي للمواطنين في المناصب التي تُملي عليها الحصص أعلى بكثير من نظرائهم الوافدين والمواطنين في الأدوار غير الخاضعة للحصص. ويُشير هذا إلى أن قدراً كبيراً من توظيف التوطين هو “توظيف امتثال” — مناصب تُنشأ للوفاء بالمتطلبات التنظيمية لا لتلبية احتياجات الأعمال الفعلية.
دوامة إعانات الأجور. تُجسّر إعانات هدف مؤقتاً الهوّة بين ما ترغب الشركات في دفعه للعمال السعوديين وما يتوقع هؤلاء كسبه. غير أن شواهد كثيرة تُفيد بأن نسبة ملموسة من المناصب المدعومة لا تتحول إلى توظيف دائم غير مدعوم.
يستمر التفاوت في المهارات. رغم الاستثمار الجوهري في التعليم والتدريب، يظل التفاوت قائماً بين مؤهلات الخريجين ومتطلبات القطاع الخاص. ويشير أصحاب العمل بانتظام إلى ثغرات في المهارات الشخصية والتقنية والجاهزية للعمل.
تفضيل القطاع الحكومي
تحدٍّ هيكلي لا تستطيع أي منظومة حصص تجاوزه بالكامل هو التفضيل السعودي المستمر للتوظيف الحكومي. توفر وظائف الحكومة متوسط رواتب أعلى وساعات عمل أقصر وأمناً وظيفياً أكبر ومزايا أوفر ومكانة اجتماعية أرفع من معظم بدائل القطاع الخاص. ورغم تركيز رؤية 2030 على التوظيف في القطاع الخاص، تُظهر الاستطلاعات باستمرار أن غالبية الباحثين السعوديين عن عمل يُفضّلون المناصب الحكومية.
هذا التفضيل عقلاني اقتصادياً على المستوى الفردي، لكنه إشكالي جماعياً: لا يستطيع القطاع الحكومي استيعاب 350,000 مواطن سعودي أو أكثر يدخلون سوق العمل سنوياً، ويظل نمو التوظيف الحكومي مقيّداً بمتطلبات الاستدامة المالية. وقد اتخذت الحكومة خطوات لتضييق هذه الفجوة — إذ تستهدف اشتراطات الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص وإلزامية التأمينات الاجتماعية ولوائح نظام العمل في مجملها تحسين جاذبية التوظيف في القطاع الخاص. ويتجلّى التقدم في ذلك، غير أن الفارق لصالح القطاع الحكومي لا يزال قوةً جاذبة تُشوّه خيارات سوق العمل.
التباين القطاعي
تتفاوت فاعلية التوطين تفاوتاً حاداً بين القطاعات، ويستدعي التقييم الدقيق تحليلاً قطاعياً:
المصرفية والتمويل يُمثّلان نجاحاً حقيقياً. يشغل المواطنون السعوديون نسبة عالية من الوظائف المصرفية على جميع المستويات، والتعويضات تنافسية ومسارات الترقي موجودة. وجهود ساما للتوطين التي سبقت رؤية 2030 تُبرهن على ما تستطيع التدخلات القطاعية المستدامة تحقيقه.
التقنية والرقمنة استفادا من الجيل السعودي الرقمي الشاب. والتوطين في التقنية أقل ارتباطاً بالحصص وأكثر ارتباطاً بالسوق.
التجزئة والضيافة لا تزالان تُمثّلان تحدياً. وتُمثّل هذه القطاعات حصة كبيرة من أعداد التوطين الإجمالية، لكن أيضاً أعلى معدلات التبديل وأدنى مستويات الرضا الوظيفي.
البناء والصناعة حققا تقدماً محدوداً في التوطين. فالمتطلبات الجسدية وأنماط التوظيف المرتبطة بالمشاريع ومواقع العمل النائية في قطاع البناء تتعارض مع توقعات القوى العاملة السعودية.
المقارنات الدولية
يعمل مسعى التوطين السعودي ضمن سياق خليجي. تتبع الإمارات نهجاً أقل تشدداً في الإماراتية، مستخدمةً حوافز مالية وأهدافاً قطاعية محددة. أما عُمان فطبّقت أُمنَة أكثر تشدداً في قطاعات معينة مع نتائج متباينة — ارتفعت أعداد الموظفين الوطنيين لكن أُفيد أيضاً بتراجع في تنافسية الأعمال.
والدرس الأوسع من التوطين الخليجي هو أن الحصص تستطيع تحريك الأرقام لكنها تكافح لإيجاد توظيف منتج حقيقي دون استثمارات موازية في التعليم والتغيير الثقافي وتطوير القطاع الخاص.
البُعد الجنساني
يستحق التوطين النسائي اهتماماً خاصاً لأنه يُمثّل في آنٍ واحد أكبر نجاحات البرنامج ودراسة حالة في الفارق بين المشاركة والجودة.
ولوج المرأة إلى سوق العمل كان جذرياً. فقطاعات لم توظّف تقريباً امرأةً سعودية قبل عقد — التجزئة والضيافة والترفيه والخدمات المالية — باتت تضم تمثيلاً أنثوياً ملموساً. غير أن توظيف المرأة يتمركز في قطاعات وفئات راتب معينة. ولا يزال متوسط أجور المرأة في القطاع الخاص أدنى من الرجل. فجوة المشاركة ضاقت كثيراً؛ فجوتا الترقي والتعويض لا تزالان قائمتين.
كيف تبدو السعودة الفاعلة؟
يُظهر التوطين الفاعل عدة خصائص غائبة إلى حد بعيد عن النموذج الراهن:
مقاييس مرتبطة بالإنتاجية. بدلاً من قياس أعداد السعوديين، يُقيس النظام القيمةَ المضافة لكل موظف سعودي.
متطلبات مسار المسيرة المهنية. يستلزم الامتثال للحصص برامج تدريب ومسارات ترقٍّ وتطور في الرواتب.
أهداف مُعيَّرة قطاعياً. بدلاً من الحصص الموحدة، تعكس الأهداف الطاقة الاستيعابية الحقيقية لكل قطاع.
محاذاة حوافز صاحب العمل. التحول من العقوبة على عدم الامتثال إلى المكافأة على التوظيف الجيد — عبر الحوافز الضريبية وتفضيلات العقود الحكومية.
تكامل النظام التعليمي. ربط أشد بين مخرجات التعليم واحتياجات أصحاب العمل، بما يشمل التدريبات الصناعية الإلزامية.
الحكم
السعودة تعمل — بمعنى أن البطالة في صفوف السعوديين انخفضت انخفاضاً ملموساً، وملايين المواطنين يُشاركون الآن في اقتصاد القطاع الخاص. وهذا إنجاز حقيقي.
لكن السعودة لا تنجح بعد — بمعنى أن كثيراً من التوظيف المُوجَد ذو جودة متدنية، وعالي التبديل، ومعتمد على الإعانات. والبرنامج فاعل في إدراج الناس في كشوف الرواتب، لكنه أقل فاعلية في إيجاد التوظيف المنتج الموجّه للمسيرة المهنية الذي يستدعيه الاقتصاد المتنوع.
والتقييم الصادق هو أن المملكة العربية السعودية في منتصف تحوّل عمالي يمتد لعقود. المكاسب السهلة — إدخال المرأة إلى سوق العمل، وملء مناصب قطاع الخدمات، وتخفيض البطالة الإجمالية — جرى تحقيقها إلى حد بعيد. أما العمل الأصعب — تطوير المواهب السعودية العالية المهارة، وإيجاد تعويضات تنافسية حقيقية في القطاع الخاص، وبناء منظومات مهنية تحتفظ بالعمال الوطنيين وتُطوّرهم — فيكمن أمامنا.
تحتاج المرحلة التالية من سياسة التوطين إلى تحويل مقياس النجاح من الكمية إلى الجودة. وينبغي أن يتطور السؤال من “كم عدد السعوديين الموظَّفين؟” إلى “ما مدى إنتاجية توظيف السعوديين؟” وحتى يتحقق هذا التحوّل، سيستمر البرنامج في تحريك الأرقام مع ترك التحدي الهيكلي الأعمق لتطوير رأس المال البشري يعالَج بصورة جزئية فحسب.
يعكس هذا التحليل البيانات المتاحة للعموم حتى فبراير 2026 ويُمثّل الرأي التحليلي المستقل لـمجموعة فاندربيلت بورتفوليو. لا يُشكّل نصيحة استثمارية.