مؤشر مخاطر المرض الهولندي في التنويع السعودي
يقيس مؤشر مخاطر المرض الهولندي ما إذا كانت إيرادات النفط وربط الريال والتكاليف المحلية وتوقعات الأجور وتخصيص رأس المال تُضعف تنافسية الصادرات السعودية غير النفطية. وبالنسبة للمملكة، فإن المرض الهولندي ليس خطراً نظرياً بل حالة هيكلية لا تزال تؤثر في طموحات رؤية 2030 للتنويع.
إن فهم ديناميكيات المرض الهولندي ضروري لتقييم ما إذا كانت المملكة قادرة على بناء صناعات تنافسية غير نفطية — أو ما إذا كانت الثروة ذاتها التي تموّل التنويع تُعيقه في آنٍ واحد.
الآلية
يعمل المرض الهولندي عبر قناتين رئيسيتين:
أثر الإنفاق. يتدفق عائد النفط إلى الاقتصاد عبر الإنفاق الحكومي، مما يرفع الطلب المحلي. ويدفع هذا الطلب أسعار السلع والخدمات غير القابلة للتداول (العقارات والبناء والخدمات المحلية) والأجور في الاقتصاد إلى الارتفاع. وترفع التكاليف المحلية المرتفعة تكلفة إنتاج السلع القابلة للتداول (المنتجات الصناعية والإنتاج الزراعي والخدمات القابلة للتصدير)، مما يُقلّص القدرة التنافسية للقطاعات غير النفطية.
أثر انتقال الموارد. تستقطب الأجور المرتفعة في قطاع النفط (والوظائف الحكومية الممولة بعائدات النفط) العمالة ورأس المال بعيداً عن القطاعات غير النفطية. يُفضّل العمال الوظائف ذات الرواتب العالية في القطاع النفطي أو الحكومية على الوظائف ذات الأجور المنخفضة في التصنيع أو الزراعة. ويتجه رأس المال نحو العقارات والبناء (المستفيدين من الإنفاق الحكومي) بدلاً من المشاريع المنتجة.
قناة سعر الصرف. في الدول ذات العملات ذات السعر العائم، يُنشئ عائد النفط طلباً على العملة المحلية مما يدفعها نحو الارتفاع ويزيد تآكل القدرة التنافسية للتصدير. ويحول ربط الريال السعودي بالدولار دون حدوث الأثر في سعر الصرف الاسمي، لكنه لا يُلغي أثر سعر الصرف الحقيقي — إذ تُحقق التضخم الداخلي مقارنةً بشركاء التجارة النتيجة ذاتها عبر ارتفاع التكاليف لا ارتفاع قيمة العملة.
ربط الريال السعودي بالدولار
يقع ربط الريال السعودي بالدولار الأمريكي بسعر 3.75 ريال للدولار — المُعمَّل منذ عام 1986 — في صميم تحليل المرض الهولندي. وللربط تداعيات عدة:
السياسة النقدية المستوردة. تستورد المملكة العربية السعودية فعلياً السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فحين يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة (كما جرى في 2022-2024)، تتبعه ساما بصرف النظر عن الأوضاع المحلية. ومن شأن ذلك أن يُنشئ تفاوتات بين دورة الاقتصاد السعودي وموقفه النقدي.
إلغاء مخاطر سعر الصرف على صادرات النفط. بما أن النفط مُسعَّر بالدولار، يضمن الربط استقرار عائد النفط المُقوَّم بالريال بصرف النظر عن تحركات سعر الصرف. وهذا يوفّر يقيناً مالياً لكنه يُفوّت آلية تعديل محتملة.
المبالغة في التقييم للقطاعات غير النفطية. إذا أفضى ربط الريال بالدولار إلى سعر صرف حقيقي مُبالَغ فيه قياساً بما يستوجبه اقتصاد متنوع، فإن الصادرات السعودية غير النفطية تواجه عائقاً تنافسياً. وعملة أضعف ستُجعل السلع الصناعية السعودية وصادرات الخدمات والسياحة أرخص للمشترين الدوليين.
المصداقية والاحتياطيات. يرتكز الربط على احتياطيات ساما البالغة نحو 400 مليار دولار وتجاوز عدة أزمات نفطية. والتخلي عنه سيُخلّف اضطراباً كبيراً في الأسواق المالية ولا تتوافر نية للنظر فيه حالياً.
لا يدور النقاش السياسي حول المحافظة على الربط — فحجج الاستقرار والمصداقية قوية — بل حول ما إذا كان الربط يُقيّد التنويع بإبقاء سعر الصرف الحقيقي عند مستوى يُضرّ بالمنتجين غير النفطيين.
أدلة على المرض الهولندي في المملكة العربية السعودية
ثمة مؤشرات عدة تُشير إلى وجود ديناميكيات المرض الهولندي:
ارتفاع هيكل التكاليف المحلية. يرتفع مستوى التكاليف المحلية في المملكة — العقارات والبناء والخدمات والعمالة الماهرة — قياساً بدول في مستويات تنمية مقارنة. وتشغيل مصنع أو فندق أو نشاط خدماتي في المملكة أغلى مما هو عليه في كثير من المواقع المنافسة، لا بسبب التكاليف التنظيمية بل لأن الثروة النفطية ضخّمت المستوى العام للأسعار المحلية.
ضعف التصنيع. رغم عقود من السياسة الصناعية (بما فيها إنشاء سابك والمدن الصناعية السعودية وبرامج الحوافز المتنوعة)، تظل حصة التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي دون المستوى الذي حققته الدول الناجحة في التصنيع عند مستويات دخل مقارنة. ويتركّز التصنيع السعودي في الصناعات كثيفة الطاقة (البتروكيماويات والصلب والألومنيوم) المستفيدة من الطاقة المدعومة، لا في التصنيع التنافسي ذي الأسعار السوقية.
تراجع الزراعة. تقلّصت الزراعة السعودية من قاعدة صغيرة أصلاً، إذ تعتمد المملكة على الواردات الغذائية لنحو 80 بالمئة من احتياجاتها. ورغم أن القيود الجغرافية وشح المياه عاملان رئيسيان، فإن هيكل التكاليف المُضخَّم بفعل الثروة النفطية أسهم في تقليص التنافسية الزراعية.
توقعات الأجور. تتجاوز توقعات الأجور لدى المواطنين السعوديين — التي شكّلتها عقود من المكافآت السخية في القطاع العام — ما يستطيع معظم أصحاب العمل في القطاع الخاص تقديمه بصورة مربحة للوظائف المبتدئة والمتوسطة. وتُشكّل هذه الفجوة في توقعات الأجور نتيجة مباشرة للعقد الاجتماعي الممول بالنفط وتُضيّق السعودة في القطاع الخاص.
سوء تخصيص رأس المال. تدفّق رأس المال الاستثماري في المملكة تاريخياً بشكل غير متناسب نحو العقارات والبناء والخدمات المالية — القطاعات المستفيدة من الإنفاق الحكومي والثروة النفطية — بدلاً من التصنيع القابل للتداول أو الخدمات القابلة للتصدير.
الحجج المضادة: لماذا قد يكون المرض الهولندي مُبالَغاً فيه
ثمة عوامل تُعقّد التشخيص البسيط للمرض الهولندي:
الطاقة كميزة تنافسية. لا تُعدّ الطاقة الوفيرة وإقل التكلفة في المملكة مصدراً للمرض الهولندي وحسب، بل ميزة تنافسية حقيقية للصناعات كثيفة الطاقة. فالبتروكيماويات والتحلية والصهر الألوميني ومراكز البيانات جميعها تستفيد من ميزة تكلفة الطاقة السعودية. ويمكن لرؤية 2030 أن تُوظّف هذه الميزة للتصنيع بدلاً من محاربتها.
إصلاح الدعم. يُخفّف الارتفاع التدريجي في أسعار الطاقة المحلية التشوه الناجم عن المرض الهولندي بتقريب التكاليف من مستوياتها السوقية. ومع إصلاح دعم الطاقة، تتراجع ميزة التكلفة الاصطناعية للأنشطة كثيفة الطاقة وتتحسّن الجاذبية النسبية للقطاعات الأخرى.
تركيبة الإنفاق الحكومي. يعمل المرض الهولندي عبر أثر الإنفاق، لكن الأثر يعتمد على ما يُوجَّه إليه الإنفاق. فالإنفاق الحكومي على المشاريع العملاقة والبنية التحتية والتعليم يُنشئ أصولاً منتجة تُعزز القدرة التنافسية على المدى البعيد، خلافاً للإنفاق الاستهلاكي المحض.
تجزّؤ سوق العمل. يُخفّف تجزّؤ سوق العمل السعودي بين المواطنين والوافدين من المرض الهولندي جزئياً. إذ يقبل العمال الوافدون أجوراً تقلّ عما تقتضيه الثروة النفطية للمواطنين، مما يُبقي تكاليف التشغيل للشركات دون المستوى الذي تفرضه قوة عاملة مُواطَنة بالكامل.
حجم السوق الداخلي ومداه. يوفّر السوق المحلي السعودي البالغ 36 مليون نسمة حجماً كافياً لقطاعات بعينها (معالجة الغذاء ومواد البناء والسلع الاستهلاكية) للعمل بربحية لتلبية الطلب المحلي حتى في ظل ارتفاع مستويات التكاليف.
استجابات السياسة
اعتمدت المملكة العربية السعودية أو يمكنها اعتماد سياسات عدة للتخفيف من المرض الهولندي:
إصلاح أسعار الطاقة (مُنفَّذ جزئياً). رفع أسعار الطاقة المحلية نحو المستويات السوقية يُقلّص التشوه الذي يُفضّل الصناعات كثيفة الطاقة على حساب الصناعات كثيفة العمالة.
تنويع الإنفاق (مُطبَّق فعلياً). توجيه عائد النفط نحو التعليم والبنية التحتية والاستثمار المنتج بدلاً من الاستهلاك يُخفّف الأثر التشويهي لأثر الإنفاق.
المناطق الاقتصادية الخاصة (قيد التطوير). يمكن للمناطق الاقتصادية الخاصة ذات الهياكل الضريبية والتنظيمية والتكلفية التفضيلية أن تُنشئ جيوباً تعمل فيها الشركات غير النفطية بمستويات تكلفة تنافسية بصرف النظر عن هيكل التكاليف في الاقتصاد الأوسع.
تعزيز الصادرات. الدعم الفعّال للصادرات غير النفطية عبر تمويل التجارة ودعم التسويق والبنية التحتية اللوجستية يُساعد منتجي القطاع غير النفطي على تجاوز التحدي التنافسي.
تراكم الثروة السيادية. ادخار عائد النفط في صندوق الاستثمارات العامة بدلاً من إنفاقه محلياً يُخفّف أثر الإنفاق بسحب الأموال من الاقتصاد المحلي. وهذه وظيفة رئيسية لصناديق الثروة السيادية في الدول الغنية بالموارد.
الاستثمار في الإنتاجية. إذا تعذّر على المملكة التنافس بالتكلفة مع الاقتصادات ذات الأجور المنخفضة، فبإمكانها التنافس بالإنتاجية — عبر الأتمتة واعتماد التكنولوجيا وتطوير مهارات القوى العاملة. وهذا النهج يستلزم استثماراً مستداماً في رأس المال البشري والبنية التحتية التكنولوجية.
تداعيات على رؤية 2030
تُفرز ديناميكيات المرض الهولندي تداعيات محددة على استراتيجية التنويع في رؤية 2030:
بناء التصنيع التنافسي أصعب مما يبدو. يواجه بناء تصنيع تنافسي موجَّه للتصدير في المملكة عائقاً هيكلياً في التكاليف يمكن لبرامج الحوافز التخفيف منه لكن لا يمكنها إزالته. وأكثر قطاعات التصنيع واعداً هي تلك التي تُوظّف مزايا المملكة الخاصة: الإنتاج كثيف الطاقة، والقرب من أسواق الخليج وأفريقيا، والتكامل مع سلسلة القيمة البتروكيماوية.
تنويع الخدمات ربما يكون أكثر جدوى. قطاعات الخدمات (التكنولوجيا والخدمات المالية والاستشارات والصناعات الإبداعية) أقل حساسية للتكلفة من التصنيع، وقادرة على التنافس بالجودة والابتكار وإمكانية الوصول للأسواق بدلاً من تكلفة الإنتاج. والبنية التحتية الرقمية المتنامية في المملكة وشبابها المتعلم يدعمان تطوير قطاع الخدمات.
السياحة تستفيد من أثر الإنفاق. تُنشئ طفرة الاستهلاك المحلي المدفوعة بالثروة النفطية سوقاً للسياحة والترفيه يمكن للمملكة تلبيته محلياً. وبينما تواجه السياحة الدولية التنافسية تحديات التكلفة، تستفيد السياحة المحلية من القدرة الشرائية المرتفعة للمستهلكين السعوديين.
الربط يُقيّد لكن يُثبّت. يُقيّد ربط الريال بالدولار قدرة المملكة على استخدام انخفاض سعر الصرف أداةً للتنافسية، لكنه يوفّر الاستقرار النقدي الذي يُقدّره المستثمرون الدوليون. والموازنة تميل لصالح الربط في المرحلة الراهنة لكنها قد تستحق إعادة النظر في مستقبل ما بعد النفط.
خاتمة
المرض الهولندي حالة واقعية وراهنة في الاقتصاد السعودي، لا مجرد احتمال نظري. فالثروة النفطية ضخّمت التكاليف وشوّهت توقعات الأجور وأزاحت القطاعات القابلة للتداول وأنشأت اقتصاداً محلياً مُكلِفاً مقارنةً بالمنافسين. وطموحات رؤية 2030 في التنويع مُضطرّة لمواجهة هذا الريح المعاكس الهيكلي.
يبدو أن مصمّمي البرنامج واعون بهذه الديناميكيات، وتُعالج بعض استجابات السياسة — إصلاح الدعم والمناطق الاقتصادية الخاصة وتراكم الثروة السيادية والاستثمار في الإنتاجية — المرضَ الهولندي مباشرةً. غير أن التوتر الجوهري يبقى قائماً: الثروة النفطية التي تموّل التنويع تجعله في الوقت ذاته أشد صعوبةً. ولا يمكن القضاء على هذه المفارقة؛ بل لا يمكن إلا إدارتها بحنكة وصبر.
يعكس هذا التحليل البيانات المتاحة للعموم حتى فبراير 2026 ويمثّل الرأي التحليلي المستقل لـمجموعة فاندربيلت بورتفوليو. ولا يُشكّل نصيحة استثمارية.